من الآيات الإرشادية والتوجيهية التي تنير طريق المسلم في هذه الحياة، وترسم له الموجهات التي يهتدي بهديها، ويستضيء بنورها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} (الأنفال:29)، وفي هذه العجالة سوف نسلط الضوء على المراد من هذه الآية، بتحليل أجزائها وفق التالي: أولاً: افتتاح الآية بنداء {الذين آمنوا} له دلالة مهمة، وهي أن المخاطبين خوطبوا بوصف (الإيمان)؛ تذكيراً لهم بعهد الإيمان، وما يقتضيه من الالتزام بطاعة الله، واجتناب معاصيه، وبيان عاقبة هذا الالتزام وهو حصول ما يتم من خلاله التمييز والتفريق بين ما هو حق وبين ما هو باطل. والمراد من هذا الاستهلال حث المؤمنين على المداومة والمثابرة على التقوى، قال ابن عاشور: "ففعل الشرط {إن تتقوا الله}، مراد به الدوام؛ فإنهم كانوا متقين، ولكنهم لما حُذروا من المخالفة والخيانة، ناسب أن تفرض لهم الطاعة في مقابل ذلك". ثانياً: المراد بـ (التقوى) أنها عبارة عن تَرْكِ جميع الذنوب والمعاصي، وعَمَلِ ما يُستطاع من الطاعات. وقالوا في معناها أيضاً: اتقاء الأسباب الدنيوية المانعة من الكمال وسعادة الدارين، بحسب سنن الله تعالى في الكون. وقالوا في معناها غير ما تقدم: إنها اتقاء كل ما يضر الإنسان في نفسه، وفي جنسه الإنساني القريب والبعيد، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والغايات الحسنة، والكمال الممكن. وكل ما قيل في معناها يلخصه القول: فِعْلُ الطاعات وتَرْكُ المحظورات. ثالثاً: (الفرقان) مصدر كالشكران والغفران، وهو ما يَفرِق، أي يميز بين شيئين. وكلمة (الفرقان) كلمة جامعة، ككلمة (التقوى) في مجيئها هنا مطلقة، فـ (التقوى) هي الشجرة، و(الفرقان) هو الثمرة، وهو صيغة مبالغة من مادة الفرق، ومعناها في أصل اللغة: الفصل بين الشيئين أو الأشياء، والمراد بـ (الفرقان) هنا العلم الصحيح والحكم الحق فيها؛ ولذلك فسروه بـ (النور)؛ وذلك أن الفصل والتفريق بين الأشياء والأمور في العلم، هو الوسيلة للخروج من حيز الإجمال إلى حيز التفصيل. ولفظ (الفرقان) أُطلق على أنواع من التفرقة: فأُطلِق على (النصر)؛ لأنه يفرق بين حالين كانا محتَمَلَيْن قبلَ ظهور النصر. وأُطلق على أشهر الكتب الإلهية، وهي: التوراة، والإنجيل، والقرآن. وغلب على القرآن، قال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} (الفرقان:1); لأن كلام الله تعالى يفرق في الاعتقاد بين الإيمان والكفر، والحق والباطل، وفي الأحكام بين العدل والجور، وفي الأعمال بين الصحيح والفاسد والخير والشر. وأطلق هذا اللفظ على يوم بدر. وأُطلق في التمييز بين المؤمنين وبين الكفار في الأحوال، كأحوال النفس: من الهداية، والمعرفة، والرضى، وانشراح القلب، وإزالة الحقد والغل والحسد بينهم، والمكر والخداع وذميم الخلائق. ثم ذكر العلماء أقوالاً في المراد من (الفرقان) في هذه الآية: فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وجَمْعٌ من التابعين أن المراد (نجاة). وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: نصراً. وروي عن مجاهد، قال: مخرجاً في الدنيا والآخرة. وقال ابن إسحاق: أي: فصلاً بين الحق والباطل؛ ليظهر به حقكم، ويخفي به باطل من خالفكم. وقال ابن وهب: سألت مالكاً عن قوله سبحانه: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} قال: مخرجاً، ثم قرأ: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} (الطلاق:2)، وهذا تفسير للقرآن بالقرآن. قال الطبري بعض أن ذكر جملة من هذه الأقوال: وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلف العبارات عنها. ومال ابن كثير إلى تفسير ابن إسحاق، فقال: "وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم، وقد يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره، وتَرْك زواجره، وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره، ونجاته، ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، ومحو ذنوبه وغفرها". وقد ذكر ابن عاشور لطيفة هنا، فقال: "وقد أشعر قوله: {لكم} أن الفرقان شيء نافع لهم، فالظاهر أن المراد منه كل ما فيه مخرج لهم ونجاة من التباس الأحوال، وارتباك الأمور، وانبهام المقاصد، فيؤول إلى استقامة أحوال الحياة، حتى يكونوا مطمئني البال منشرحي الخاطر، وذلك يستدعي أن يكونوا منصورين، غالبين، بُصراء بالأمور، كَمَلة الأخلاق، سائرين في طريق الحق والرشاد، وذلك هو ملاك استقامة الأمم، فاختيار (الفرقان) هنا؛ لأنه اللفظ الذي لا يؤدي غيره مؤداه في هذا الغرض، وذلك من تمام الفصاحة. رابعاً: قوله سبحانه: {ويكفر عنكم سيئاتكم}، هو الجزاء الثاني من أجزية (التقوى). قال الرازي: إن حملنا قوله: {إن تتقوا الله} على الاتقاء من الكفر، كان المراد بقوله: {ويكفر عنكم سيئاتكم} جميع السيئات التي وجدت قبل الكفر. وإن حملناه على الاتقاء عن الكبائر، كان المراد من هذا تكفير الصغائر. خامساً: قوله سبحانه: {ويغفر لكم}، هو الجزاء الثالث من أجزية (التقوى). قال الرازي: المراد من (تكفير السيئات) المتقدم: سترها في الدنيا، والمراد من (المغفرة) إزالتها في القيامة؛ لئلا يلزم التكرار. سادساً: ختم الآية الكريمة بقوله سبحانه: {والله ذو الفضل العظيم} فيه كناية عن حصول منافع أخرى لهم من جراء التقوى. أي: إن التزامكم بـ (التقوى) لا يعود عليكم بذلك الميزان الذي تفرقون به بين ما هو حق وبين ما هو باطل فحسب، بل يعود عليكم أيضاً بمنافع أخرى، تعينكم على أمر دنياكم وأخراكم. وجملة القول: إن (التقوى) هي زاد المؤمن في هذه الحياة، وهي عدة الطريق؛ زادٌ يحيي القلوب ويوقظها، ويستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي. وهي عدة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مد البصر؛ فلا تغبشه الشبهات التي تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة. ثم هي زاد المغفرة للخطايا. الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار. وهي زاد الأمل في فضل الله العظيم، يوم تنفد الأزواد، وتقصر الأعمال. إن تقوى الله تجعل في القلب {فرقانا} يكشف له منعرجات الطريق. وهذه الحقيقة - ككل حقائق العقيدة - لا يعرفها إلا من ذاقها فعلاً! فالوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذقها!. والأمور تظل متشابكة في الحس والعقل؛ والطرق تظل مشتبهة في النظر والفكر؛ والباطل يظل ملتبسا بالحق عند مفارق الطريق! وتظل الحجة تُفحم، ولكن لا تُقنع. وتُسكِتُ ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل. ويظل الجدل عبثاً، والمناقشة جهداً ضائعاً، ذلك ما لم تكن (التقوى) حاضرة في سلوك المؤمن، فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشف الطريق، واطمأن القلب، واستراح الضمير، واستقرت القدم، وثبتت على الطريق! إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة البشرية. فهناك وفاقٌ بين الفطرة والحق الذي فُطرت عليه؛ بيد أن الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة، وهو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويُعمي المسالك، ويخفي الدروب. والهوى لا تدفعه الحجة، إنما تدفعه التقوى، وتدفعه مخافة الله، ومراقبته في السر والعلن. ومن ثم كان هذا (الفرقان) الذي ينير البصيرة، ويرفع اللَبس، ويكشف الطريق. ومحصل القول هنا: إن (التقوى) تجعل للعبد مَلَكَة (الفرقان)، التي يُفرِّق صاحبها بنوره بين الأشياء التي تعرض له من علم وحُكْمٍ وعمل، فيفصل فيها بين ما يجب قَبوله، وما يجب رفضه، وبين ما ينبغي فعله، وما يجب تركه.