كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مدرسة لها خصائصها التي ميزتها عن غيرها من الدعوات، وكان من هذه الخصائص: أولا: ربانية المصدر: فقد كان منهج هذه المدرسة من صنع الله تبارك وتعالى جاء به جبريل من عنده سبحانه وحيا يوحى، لهذا كان منهجا متكاملا، لم يترك شيئا مما تصلح به البشرية في دينها ودنياها إلا حث عليه وأمر به. وكان أول ما اهتم به المنهج هو تصحيح العقيدة من الانحراف الذي طرأ عليها، لأن الغاية من خلق آدم وذريته هو تحقيق معنى العبودية لله عز وجل في الأرض باتباع المنهج القويم الذي جاء به الأنبياء والمرسلون وذلك بعبادة الله تعالى وإخلاص الطاعة له سبحانه. وكان الناس في تلك الآونة من الزمان قد نسوا البعث بل أنكروه، كما هو حالهم في فترات الزمان المتباعدة، فكانت الدعوة الإسلامية عاملا مهما من عوامل إيقاظ هذا المعنى في النفوس، وركزت عليه تركيزا بحيث لم يعد هناك مجال للشك فيه. وقد ثبّت المنهج هذه العقيدة بأساليب مختلفة، فضرب الأمثلة، وانتقل من المعقول إلى المحسوس، ولفت أنظار الناس إلى قدرة الله فيما حولهم وفيما يجري بينهم حتى تكون الوقائع الماثلة شاهدة على ما يخبرهم به الله في كتابه على لسان نبيه. وحيث كان المنهج ربانيا فإنه جاء مناسبا لكل زمان ومكان، لا يعتريه نقص، ولا يطرأ عليه تغيير، لأن صفة الربانية لهذا المنهج تكسبه معنى الصلاحية والثبات، وكونه منهجا لآخر رسالة في هذه الحياة يكسبه معنى الخلود إلى آخر هذه الحياة، فلسنا إذاً في حاجة إلى تغييره من فترة إلى فترة، ولا في حاجة إلى التعديل فيه من حين إلى آخر. ثانيا الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة: فقد جمعت الدعوة في منهاجها بين مصالح الدنيا والآخرة، في تناسق تام وتوازن عجيب، فلم تترك أحد الجانبين يطغى على الآخر، ولم تهمل شيئا منهما على حساب الآخرة، ذلك لأن الإسلام ينظر إلى الدنيا على أنها هي المزرعة التي يحصد منها الإنسان زاده للآخرة، بل هي الجسر الذي يعبر عليه ليصل إلى مقره الذي يسعى جاهدا لبلوغه. ومن جانب آخر فإن الأعمال الدنيوية كلها تتحول إلى أعمال دينية إذا حسنت فيها النية، فأنت تأكل لتستعين على طاعة الله، وتقوم بواجبك، بهذه النية ينقلب العمل الدنيوي إلى عمل ديني لك أجره ومثوبته، وهكذا كل الأعمال تستطيع أن تحولها إلى أعمال دينية مهما كانت درجتها الدنيوية، ويكون لك عليها من الأجر والثواب مثل بقية الأعمال العبادية أو الدينية الصرفة كما قال بعض السلف: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وبذلك تكون مدرسة الدعوة الإسلامية قد مزجت مزجا تاما بين أعمال الدنيا والدين، ونهجت في سبيل توحيد الأعمال نهجا قويما عبر عنه القرآن فقال: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين} ثالثا: قيمة العدل في منهاج هذه الدعوة: فليس هناك عبيد وأحرار، ولا سادة وعوام، ولا نبلاء ودهماء بل الكل في ذات الله سواء، يجمعهم الإيمان بالله، ويفاضل بينهم العمل الصالح، ويتنافسون في ميدان التقوى الرحب الفسيح. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: [كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان]. والله عز وجل يقول في القرآن الكريم: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}. وما دام الناس أولاد آدم عليه السلام فكيف يفرق بينهم النسب؟ وكيف يفخر بعضهم على بعض؟. وما دام الناس جميعا من أب واحد وأم واحدة فكيف يسوغ بينهم التخاصم والنزاع؟ إن الأولى للناس جميعا أن يتعارفوا وأن يتآلفوا، وأن يكونوا جميعا في منزلة واحدة أمام قوانين النظام الذي ردهم إلى أصلهم، ونهاهم أن يتفخروا بآبائهم. كما قال الشاعر: الناس من جـهة التمــثال أكفـاء .. .. أبــوهــم آدم والأم حـــواء فإن يكن لهم في أصلهم شرف .. .. يفاخرون به فالطين والماء ومن أجل تحقيق تلك المساواة كانت التكاليف عامة لم يكلف بها جنس دون جنس، وكانت الواجبات على الجميع سواء بسواء لم يعف منها أحد مهما كان. كذلك كانت المحظورات محظورات على كل المسلمين لم يستثن منها أحد مهما كان شريفا، والمنهيات محرمة على الجميع لم يعف منها مسلم قط. وهكذا كانت المساواة في الحقوق والواجبات من خصائص تلك المدرسة ومميزاتها. وباجتماع تلك الخصائص في مدرسة الدعوة تفوقت الدعوة على كل ما عداها، وأصبحت مدرستها فريدة في نهجها، فذة في تربيتها، وحيدة في تفوق نتائجها. ولقد أصبحت هذه الخصائص شعارات لتلك المدرسة عرفت بها، وغرستها في قلوب طلابها، فآمنوا بها إيمانا أصبح واقعا عمليا في حياتهم، وكانوا النماذج الحية التي يراها الناس لتلك الدعوة بسلوكهم قبل كلامهم، وبواقعهم قبل دعاياتهم.