وبالجملة فقدها كل فنون المدنية النافعة التي سادت بها الدول المسيحية وسعدت الأمم الغربية , وإليك البيان: (نشر أحد كُتاب العثمانيين في العدد 32 من جريدة (ترك) المؤرخة 25 ربيع أول سنة 1322هـ الصادرة في مصر مقالة تستثير كوامن الشجون خلاصتها أنه رأى في جرائد الآستانة كلامًا طويلاً عن مرور منير باشا سفير الدولة العثمانية في باريس على صوفيا عاصمة البُلْغار؛ لأجل دعوة أميرها إلى زيارة الآستانة، وقال: إنما استوقف خاطره من ذلك الكلام الطويل جملة واحدة وهي قول تلك الجرائد: إن في جملة ما زاره السفير من المعاهد في تلك العاصمة - التي كانت تسمى في عهد استيلاء الترك عليها مركز ولاية الطونة - معرض النباتات والحيوانات والتحف، وهي العاصمة التي كانت منذ خمسة وعشرين سنة كبقية عواصم ولايات الدولة في أوربا مثل يانيا وأدرنة ومناستر قذرة الشوارع والطرقات ضيقتها محرومة من عناية المجالس البلدية، كل شيء فيها مهجور ما عدا الحبوس والمعابد والقشل (التكنات) فصارت تلك العاصمة في زمن قليل - أي منذ استقلت عن الدولة - في حالة من الترقي يكاد من رآها يجهل أنها مدينة صوفية القديمة لما صار فيها من الشوارع العريضة المنظمة، والميادين الفسيحة والملاعب (التياترات) والمنتزهات والترامواي الكهربائي والتلفون , وليست مدينة صوفيا وحدها التي ترقت إلى هذه المرتبة من المدنية الأوربية، بل كل حواضر البلاد التي دخلت تحت حكم البلغار كفلبه ووارنه وغيرهما , ولم ينحصر هذا الترقي بالبلغار بل شمل الصرب ورومانيا واليونان , وهي الممالك التي انفصلت عن الدولة العثمانية، واستفاض فيها نور التمدن استفاضته في البلغار وستتبعها كريد أيضًا التي انفصلت بالأمس عنا , وأما الممالك التابعة لنا فإنها فضلاً عن أن تترقى في فنون المدنية آخذة يومًا عن يوم بالتقهقر والخراب وإليك مدن أدرنة وبروسة وحلب والشام وبغداد اللائي كن عواصم كبرى للملك من أزمنة متفاوتة لم يستطعن المحافظة على عمرانهن المتخلف من ذلك الزمان. إلى أن قال: وبغض النظر عن حاجة ولاياتنا إلى أسباب العمران؛ فإنا إذا نظرنا إلى القسطنطينية تلك المدينة الكبرى التي يسكنها مليون من النفوس , والتي هي ذات استعداد وقابلية؛ لأن تكون عاصمة العالم أجمع نرى أن أبنيتها أدنى من أبنية قرية من قرى الممالك المتمدنة وطرقها وميادينها مملوءة بالأوحال شتاء، وهي قرارة الأقذار صيفًا، ثم استرسل الكاتب في هذا الباب بما يُدْمي القلوب، ويُشْجِي النفوس، وذكر من حال عاصمتنا الكبرى وتدنيها العظيم، وعدم مجاراتها حتى للبلدان التي انفصلت عنها بالأمس، وفقدانها كل وسائل الراحة وأسباب العمران ما لم نر لإيراده حاجة خشية التطويل. وأذكر أيضًا هذا الشاهد، وقد نشرته من بضع عشرة سنة جريدة الأهرام التي تطبع بمصر وخلاصته أن صاحب الجريدة اجتمع في مدينة صوفيا يومئذ مع أحد كتاب الجرائد الهندية الإسلامية، وجرت بينهما محادثة مما جاء فيها قول ذلك