يوم ذكرى المولد النبوي الشريف في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام نشرنا في جزء المنار الماضي ما اقترحته علينا لجنة (ذكرى يوم النبي) في لاهور الهند من كتابة رسالة في هذا الموضوع، لأجل ترجمتها بأشهر لغات العالم المدني ونشرها في يوم المولد من سنة 1351، وإننا قد شرعنا في كتابتها في شهر ذي الحجة الذي صدر الجزء الرابع من المنار في آخره. وأقول الآن: إنني لما شرعت في كتابة الرسالة توخيت فيها الاختصار، وفاقًا لاقتراح لجنة لاهور في كتاب خاص، وقد أرسلت ثلاث كراسات (ملازم) منها بالبريد الجوي في رابع المحرم، وكراستين أخرتين في الحادي عشر منه، ونبذة ثالثة في 18 منه، ولما لم يرد إلي جواب من اللجنة ترجح عندي أنها لن تتمكن من ترجمتها ونشرها في يوم مولد هذا العام، وكان عرض لي أن أبسط بعض المسائل ولا سيما مسألة تعدد الزوجات، وحكمة كثرة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر مما تطلبه اللجنة على أن أختصر الرسالة لها إذا أرادت ترجمتها لسنة أخرى. بيد أنني رأيت أن أنشر الرسالة كلها في المنار، ثم أطبعها على حدة وأنشرها في يوم المولد الشريف من هذا العام، مشاركة لإخواننا مسلمي الهند في إحياء هذه الذكرى ببيان ما اشتدت إليه حاجة هذا العصر من بيان الإصلاح الإسلامي العام للبشر، الذي يعلم به أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بُعث رحمة للعالمين، ومكملاً لدين الله على ألسنة النبيين والمرسلين، ومصلحًا لما أفسده البشر من الأديان والشرائع وشؤون الاجتماع البشري كلها، وهذا نص الرسالة: مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد رسول الله وخاتم النبيين الذي أرسله لإصلاح جميع البشر في أمور دينهم ودنياهم، وإزالة التعادي والتناكر بين شعوبهم وقبائلهم بالتعارف والتآلف بينهم، وإثبات المساواة في الحقوق والأحكام بين أجناسهم وأفراد رجالهم ونسائهم على اختلاف عروقهم وألوانهم، وبقاعهم وأقطارهم، ومنع التمايز بين الطبقات والعشائر بالأنساب والتقاليد العرفية أو الوراثية، وتحقيق التوحيد بينهم في جميع المقومات الإنسانية، والأخوة الروحية، والتفاضل بالفضائل النفسية، من علمية وعملية، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13) . أما بعد، فيقول محمد رشيد رضا الحسيني منشئ مجلة المنار الإسلامي ومؤلف التفسير السلفي العصري الأثري السياسي الاجتماعي في مصر - القاهرة: إن الجماعة التي تألفت من إخواننا مسلمي الهند في مدينة لاهور لإذاعة سيرة رسول الإنسانية الأعظم، وهديه وإصلاحه الأقوم، وخصصت لذلك يوم مولده من كل سنة قد اقترحت علي أن أكتب رسالة في أهم ما جاء في كتاب الله تعالى المنزَّل عليه، وفي سنته المبينة له من حقوق النساء، والإصلاح الذي يجب على الجنس اللطيف أن يعرفه في كل شعب ويطالب به الرجال، ليترجم باللغات المشهورة وينشر في الآفاق في يوم ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم من سنة 1351 لهجرته الشريفة. فقبلت الاقتراح، وأجبت الدعوة بالارتياح، شاكرًا لإخواني تفضلهم عليَّ واختصاصهم إياي ببيان هذا الواجب الكفائي، داعيًا أن يلهمني الله تعالى فيه الصواب، ويؤتيني الحكمة وفصل الخطاب، وقد استحسنت أن أبدأ ما أكتب بنداء عام للنساء، ليعرفن حقوقهن ويعرفها الرجال، فأقول: نداء للجنس اللطيف يوم ذكرى المولد المحمدي الشريف من سنة 1351 في حقوق النساء في الإسلام، وحظهن من الإصلاح المحمدي العام {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21) . ألا يا معشر النساء وبنات حواء، في الشرق والغرب والجنوب والشمال، هل تدرين كيف كانت عيشة جداتكن قبل بعثة مصلح البشر الأعظم، محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم؟ أم تدرين أن البشر لما يفقهوا كنه الأقانيم الثلاثة للحياة الزوجية التي نزل بيانها من لدن رب العالمين، على قلب محمد خاتم النبيين، أعني: السكون النفسي الجنسي الذي يتحد به الزوجان فيكونان حقيقة واحدة كالماء والهواء. والمودة التي تتعدى الزوجين إلى أسرتيهما فيسري بها الحب والتعاون من الأقارب إلى البعداء. والرحمة التي تكمل لهما بالولد المنفصل منهما الممثل لهما فينتشر التراحم بين الأحياء. تعالين أحدثكن عما كانت عليه جداتكن بالإجمال، وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بشيء من التفصيل، لقد كان جميع نساء البشر مرهقات بظلم الرجال في البدو والحضر، لا فرق فيه بين الأميين والمتعلمين، ولا بين الوثنيين والكتابيين. كانت المرأة تُشترى وتباع، كالبهيمة والمتاع، وكانت تكره على الزواج وعلى البغاء، وكانت تورث ولا ترث، وكانت تُملَك ولا تَملِك، وكان أكثر الذين يملكونها يحجرون عليها التصرف فيما تملكه بدون إذن الرجل، وكانوا يرون للزوج الحق في التصرف بمالها من دونها، وقد اختلف الرجال في بعض البلاد في كونها إنسانًا ذا نفس وروح خالدة كالرجل أم لا؟ وفي كونها تلقن الدين وتصح منها العبادة أم لا؟ وفي كونها تدخل الجنة أو الملكوت في الآخرة أم لا؟ فقرر أحد المجامع في رومية أنها حيوان نجس لا روح له ولا خلود؛ ولكن يجب عليها العبادة والخدمة وأن يكم فمها كالبعير والكلب العقور لمنعها من الضحك والكلام؛ لأنها أحبولة الشيطان، وكانت أعظم الشرائع تبيح للوالد بيع ابنته، وكان بعض العرب يرون أن للأب الحق في قتل بنته، بل في وأدها (دفنها حية) أيضًا، وكان منهم من يرى أنه لا قصاص على الرجل في قتل المرأة ولا دية. وكان أهم إنصاف للمرأة منحها إياه الشعب الفرنسي في أوربة بعد ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم وقبل بعثته أن قرروا بعد خلاف وجدال أن المرأة إنسان إلا أنها خُلقت لخدمة الرجال. ولد محمد صلى الله عليه وسلم في سنة 571 من ميلاد المسيح عليه السلام، وأصدر الفرنسيس هذا القرار النسوي في سنة 586 أي بعد مولده بخمس عشرة سنة، ولم يكن يدري هو ولا غيره بما سيجيء به من الإصلاح البشري العام، والإصلاح النسوي الخاص. فهل أتاكن يا بنات حواء أنباء ما جاء به محمد نبي الرحمة من التعاليم في حقكن؟ هذا ما اقترح علي أن أقصه عليكن وعلى رجال الأمم كلها في هذه الرسالة في هذا اليوم من ذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم سنة 1351 من هجرته. بعث محمد صلى الله عليه وسلم في أوائل القرن السابع للمسيح عليه السلام مبشرًا ونذيرًا للبشر كافة يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإلى إصلاح أنفسهم التي أفسدتها التقاليد الدينية، والعصبيات القومية والوطنية، وكان للنساء حظ كبير من هذا الإصلاح لم يسبق الإسلام به دين، ولم يبلغ شأوه تشريع، ودونكن التفصيل: 1- المرأة إنسان هي شقيقة الرجل قام محمد صلى الله عليه وسلم يتلو على البشر آيات الله عز وجل في كون النساء والرجال من جنس واحد، لا قوامة للإنسانية إلا بهما وهذه أربع شهادات منها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13) . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء: 1) . {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (الأعراف: 189) . {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} (النحل: 72) . وكان يقول: (إنما النساء شقائق الرجال) [1] . 2- إيمان النساء كالرجال قام محمد صلى الله عليه وسلم يتلو على الناس ما أثبته الله تعالى من إيمان النساء كالرجال، فمن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ} (الممتحنة: 10) الآية. ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (الأحزاب: 58) . وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ} (البروج: 10) . وأخبرهم بأن الله تعالى أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات جميعًا بقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد: 19) . ومن المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة أن على النساء ما على الرجال من أركان الإسلام إلا أن الصلاة تسقط عن المرأة في زمن الحيض والنفاس مطلقًا، فتتركها ولا تعيدها لكثرتها، وأما الصيام فيسقط عنها في زمنهما وتقضي ما أفطرته من أيام رمضان لقلتها، وأما حجها فيصح في كل حال؛ ولكنها لا تطوف بالبيت الحرام إلا وهي طاهرة. 3- جزاء المؤمنات في الآخرة كالمؤمنين وقام يتلو على العالم في جزاء المؤمنات كالمؤمنين آيات من الله تعالى منها قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97) . وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} (غافر: 40) . وقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} (النساء: 123- 124) . وقوله تعالى في أولي الألباب الذين يذكرونه كثيرًا ويتفكرون في خلق السموات والأرض ويدعونه: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ} (آل عمران: 195) الآية، وفيها وعدهم جميعًا بإدخالهم الجنة وحسن الثواب. وقوله تعالى: {إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب: 35) . وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} (التوبة: 72) . 4- مشاركة النساء للرجال في الشعائر الدينية (والأعمال الاجتماعية والسياسية) النساء يشاركن الرجال في العبادات الاجتماعية كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين فتشرع لهن؛ ولكن لا تجب عليهن تخفيفًا عليهن، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لِلْحُيَّضِ [2] منهن بحضور اجتماع العيد في المصلى دون صلاته، وعبادة الحج الاجتماعية مفروضة عليهن كالرجال كما تقدم، ويحرم عليهن وضع النقاب على وجوههن ولبس القفازين في أيديهن مدة الإحرام، وقد شرع لهن من الأمور الاجتماعية والسياسية ما هو أكثر من ذلك. قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71) فأثبت الله للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين، فيدخل فيها ولاية الأخوة والتعاون المالي والاجتماعي، وولاية النصرة الحربية والسياسية، إلا أن الشريعة أسقطت عن النساء وجوب القتال بالفعل، فكان نساء النبي وأصحابه يخرجن في الغزوات مع الرجال يسقين الماء، ويجهزن الطعام، ويضمدن الجراح، ويحرضن على القتال، وقد ثبت في الصحيح أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام كانت تحمل قِرَب الماء هي وأم سليم وغيرها إلى الجرحى في غزوة أحد يسقينهم ويغسلن جراحهم، ولما جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم تولت فاطمة غسل جرحه وتضميده. 5- أمان المرأة للحربيين ومن حقوق المرأة السياسية في الإسلام أنها إذا أجارت أو أمنت أحدًا من الأعداء المحاربين نفذ ذلك، فقد قالت أم هانئ للنبي صلى الله عليه وسلم - وهي بنت عمه أبي طالب - يوم فتح مكة: إنني أجرت رجلين من أحمائي، فقال صلى الله عليه وسلم: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) وهذا حديث صحيح متفق عليه، وفي بعض الروايات أنها أجارت رجلاً فأراد أخوها علي كرم الله وجهه قتله، فشكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأشكاها وأجاز جوارها، وفي حديث حسن عند الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المرأة لتأخذ للقوم) يعني تجير على المسلمين اهـ. وفي معناه عن عائشة أم المؤمنين قالت: (إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز) ونقل ابن المنذر أن المسلمين أجمعوا على صحة إجارة المرأة وأمانها. 6- أمر المرأة بالمعروف ونهيها عن المنكر وما في الآية من فرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على النساء كالرجال يدخل فيه ما كان بالقول وما كان بالكتابة، ويدخل فيه الانتقاد على الحكام من الخلفاء والملوك والأمراء فمن دونهم، وكان النساء يعلمن هذا ويعملن به. رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تغالي الناس في مهور النساء حين اتسعت دنياهم في عصره، فخاف عاقبة ذلك وهو ما يشكو منه الناس منذ عصور، فنهى الناس أن يزيدوا فيها على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت: أما سمعت ما أنزل الله؟ يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} (النساء: 20) فقال: (اللهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر) وفي رواية أنه قال: (امرأة أصابت وأخطأ عمر) وصعد المنبر وأعلن رجوعه عن قوله. 7- مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء كالرجال كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الرجال على السمع والطاعة والنصرة، وكانت أول بيعة منه لنقباء الأنصار في عقبة منى قبل الهجرة على بيعة النساء كما في السيرة؛ ولكن آية بيعة النساء لم تكن نزلت، وبايعهم البيعة الثانية الكبيرة على منعه - أي حمايته - مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وبايع المؤمنين تحت الشجرة في الحديبية على أن لا يفروا من الموت، سنة ست من الهجرة، وخصت بيعة النساء بذكر نصها في سورة الممتحنة، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الممتحنة: 12) نزلت يوم فتح مكة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بها النساء على الصفا بعدما فرغ من بيعة الرجال على الإسلام والجهاد، وكان عمر بن الخطاب يبلغه عنهن وهو واقف أسفل منه. وقد حضرت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان بن حرب بيعة النساء هذه وهي متنقبة متنكرة مع النساء لئلا يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي كانت أخرجت كبد عمه حمزة رضي الله عنه يوم قتل في أحد فمضغتها ولاكتها شماتة وانتقامًا؛ ولكنها كانت تتكلم عند كل جملة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبايعهن {عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} (الممتحنة: 12) فرفعت هند رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيناك أخذته على الرجال - وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:] وَلاَ يَسْرِقْنَ [فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة، قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك، فقال:] وَلاَ يَزْنِينَ [فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال:] وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ [فقالت هند: ربيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:] وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ [وهو أن تقذف ولدًا على زوجها وليس منه، قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق فقال:] وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقر النسوة بما أخذ عليهن) . وكان صلى الله عليه وسلم يقول لهن عند المبايعة: (فيما استطعتن وأطقتن) فيقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. أقول: وأية رحمة ويسر في الإسلام أوسع من تقييد الله طاعة رسوله بالمعروف، وهو لا يأمر إلا بالمعروف، ومنه منع عادات الجاهلية في الموتى، ثم تقييد الرسول نفسه ذلك بالاستطاعة والطاقة وفاقًا لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16) وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286) وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (البقرة: 185) وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78) . وقتل الأولاد يدخل فيه ما كان يفعله بعض العرب من وأد البنات أي دفنهن حيات اتقاء لعارهن أن يسبين أو يفجرن، وقتل الصغار لأجل الفقر أو خوف الفقر إذا كبرن. وقال بعض المفسرين: إن منه تعمد المرأة إسقاط الجنين لأي سبب من الأسباب. وأما البهتان الذي أخذ عليهن ألا يفترينه بين أيديهن فهو أن يلحقن بالرجل ولدًا ليس له كما فسر في الحديث، أي ولو لقيطًا يلتقطنه؛ فإن المرأة تضع طفلها كذلك، وهذه الكناية من أبدع كنايات القرآن بلاغة ونزاهة. ثم بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال بيعة النساء كما في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، وقرأ الآية التي أخذت على النساء {إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ} (الممتحنة: 12) فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه) . وروى الإمام أحمد أن فاطمة بنت عتبة جاءت تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عليها {أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ} (الممتحنة: 12) الآية، فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: (أقري أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلى على هذا) قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية. 8- حقوق النساء في التعليم والتأديب بيَّن الله تعالى في مواضع من كتابه أنه أرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في الأميين ليخرجهم من الأمية، فيتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، ومدح العلم في آيات كثيرة، ومدحه رسوله في مواضع لا محل لسرد شيء منها هنا، وقد فسَّر بعضهم الكتاب في هذه الآيات بصناعة الكتابة؛ لأنه في الأصل مصدر (كتب) ثم أُطلق على المكتوب، وكان النبي يحث أصحابه على تعلم الكتابة وقد أمر الله بها في آية الدين (البقرة: 282) وقد ثبت من عدة طرق أن الشفاء بنت عبد الله المهاجرة القرشية العدوية علَّمت حفصة بنت عمر أم المؤمنين الكتابة. وقد اشتركت النساء مع الرجال في اقتباس العلم بهداية الإسلام فكان منهن راويات الأحاديث النبوية والآثار، يرويه عنهن الرجال، والأديبات والشاعرات والمصنفات في العلوم والفنون المختلفة، وكانوا يعلِّمون جواريهم وقيانهم كما يعلِّمون بناتهم. وقد أجمع المسلمون على أن كل ما فرضه الله تعالى على عباده، وكل ما ندبهم إليه، فالرجال والنساء فيه سواء إلا ما استثني مما هو خاص بالنساء لأنوثتهن في الطهارة والولادة والحضانة، وما رفع عنهن من القتال وغير ذلك مما هو معروف. وقد بلغ من عناية محمد رسول الله وخاتم النبيين بتعليم النساء وتربيتهن أن ذكر فيمن يؤتيهم الله تعالى أجرهم مرتين يوم القيامة - أي مُضاعَفًا - قوله: (أيما رجل كانت عنده وليدة فعلَّمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) فقرن ثواب التعليم والتأديب بثواب العتق الذي كان يرغِّب فيه كثيرًا فوق ما شرعه الله تعالى فيه من أسباب تحريره وعتقه، والحديث متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه، وله ألفاظ أخرى. وإن حديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) يشمل المسلمات باتفاق علماء الإسلام، وإن لم يرد فيه لفظ (ومسلمة) وقد صحح في الجامع الصغير بعض طرقه، وأما متنه فصحيح بالإجماع. وسيأتي في الكلام على أمهات المسلمين أن الغرض الأول من تعددهن أن يكن معلمات للنساء ومفتيات لهن، بل كان الرجال حتى الخلفاء يرجعون إليهن فيما يشكل عليهم من بعض الأحكام الشرعية، ولا سيما السيدة عائشة رضي الله عنها. 9- حقوق النساء المالية قد أبطل الإسلام كل ما كان عليه العرب والعجم من حرمان النساء من التملك، أو التضييق عليهن في التصرف بما يملكن، واستبداد أزواج المتزوجات منهن بأموالهن، فأثبت لهن حق الملك بأنواعه والتصرف بأنواعه المشروعة، فشرع الوصية والإرث لهن كالرجال، وزادهن ما فرض لهن على الرجال من مهر الزوجية، والنفقة على المرأة وأولادها وإن كانت غنية، وأعطاهن حق البيع والشراء والإجارة والهبة والصدقة وغير ذلك، ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها كالدفاع عن نفسها بالتقاضي وغيره من الأعمال المشروعة، وإن المرأة الفرنسية لا تزال إلى اليوم مقيدة بإرادة زوجها في جميع التصرفات المالية والعقود القضائية. 10- حقهن في الميراث قال الله تعالى في إبطال ظلم الذين كانوا يمنعون النساء من الإرث ويجعلونه للرجال خاصة من سورة النساء: {لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} (النساء: 7) . ثم بيَّن نصيب كل وارث من الرجال والنساء في آيات المواريث من هذه السورة (أعني 10 - 12 و116) وهي مبنية على قاعدة {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (النساء: 11) من الآية العاشرة المفصلة في سائر الآيات، وحكمة جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل أن الشرع الإسلامي أوجب على الرجل أن ينفق على المرأة، فبهذا يكون نصيب المرأة مساويًا لنصيب الرجل تارة وزائدًا عليه تارة أخرى باختلاف الأحوال. إذا مات رجل عن ولدين ذكر وأنثى وترك لهما ثلاثة آلاف دينار مثلاً كان للذكر ألفان ولأخته ألف، فإذا تزوج هو فإن عليه أن يعطي امرأته مهرًا وأن يعد لها مسكنًا وأن ينفق عليها من ماله سواء أكانت فقيرة أم غنية، ففي هذه الحالة تكون الألفان له ولزوجه، فيكون نصيبه بالفعل مساويًا لنصيب أخته أو أقل منه، ثم إذا وُلد له أولاد يكون عليه نفقتهم وليس على أمهم منها شيء، وفي هذه الحالة يكون ماله الموروث دون مال أخته؛ فإنها إذا تزوجت كما هو الغالب فإنها تأخذ مهرًا من زوجها وتكون نفقتها عليه فيمكنها أن تستغل ما ورثته من أبيها وتنميه لنفسها وحدها، فلو لم يكن للوارثين إلا ما يرثونه من أمواتهما لكانت أموال النساء دائمًا أكثر من أموال الرجال، إذا اتحدت وسائل الاستغلال، فيكون إعطاؤهن نصف الميراث تفضيلاً لهن عليهم في أكثر الأحوال، إلا أن سببه أن المرأة أضعف من الرجل عن الكسب، ولها من شواغل الزوجية وما يتصل بها من حمل وولادة، ثم من شواغل الأمومة ما يصرفها عن الكسب الذي تقدر عليه وهو دون ما يقدر عليه الرجل في الغالب، فمن ثم لم يكن فرض نفقة الزوجية والدار والأولاد على الرجل ظلمًا له وتفضيلاً للمرأة عليه في المعيشة، ووجه إعطاء المرأة ما تعطى من الميراث أن يكون لها مال تنفق منه على نفسها إذا لم يتح لها الزواج، أو مات زوجها ولم يترك لها ما يقوم بأودها، فهو من قبيل المال الاحتياطي لها وللأسرة وقد شرحنا هذه المسألة بالتفصيل في مقالات أخرى. 11- مهر الزواج إن مما امتازت به الشريعة الإسلامية المحمدية في تكريم النساء على جميع الشرائع والنظم التي يجري عليها البشر في الزواج أنها فرضت على الرجل أن يدفع لمن يقترن بها مهرًا مقدمًا على البناء بها، من حيث تفرض الشعوب غير المسلمة على المرأة أن تدفع هي المهر للرجل - ولكنهم يسمونه باسم آخر - فترى البنت العذراء مضطرة إلى الكد والكدح لأجل أن تجمع مالاً تقدمه لمن يقترن بها إذا لم يكن لها ولي من والد أو غيره يبذل لها هذا المال، وكثيرًا ما تركب الأوانس الناعمات أخشن المراكب وتتعرض للعنت، والتفريط في العرض والشرف، في سبيل تحصيل هذا المال. وشريعة اليهود تفرض للمرأة مهرًا لكنها لا تملكه بالفعل إلا إذا مات زوجها أو طلقها؛ لأنه ليس لها أن تتصرف بمالها وهي متزوجة. فرض الله المهر على الرجل للمرأة فرضًا حتمًا وحرَّم عليه أن يأكل شيئًا منه بعد الزواج بدون رضاها وطيب نفسها فقال: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (النساء: 4) والنحلة في اللغة العطاء الذي لا يقابله عوض، فقول الفقهاء: إن المهر في معنى ثمن الاستمتاع، مخالف للغة، وردَّ عليهم شيخنا الأستاذ الإمام (الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية رحمه الله) فقال: كلا، إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال: (نحلة) فالذي ينبغي أن يلاحظ أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري والمستأجر، وترى عرف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه بالهدايا والتحف اهـ كلامه. ولكنه قال في موضع آخر: إن حكمة المهر للمرأة أن تطيب نفسها برياسة الرجل عليها، وهو مع ذلك تكريم لها وسيأتي. والخطاب يحتمل وجهًا آخر، وهو أن الخطاب للأولياء الذين يزوجون اليتامى وغير اليتامى، فقد كان ولي المرأة في الجاهلية يزوجها ويأخذ صداقها لنفسه دونها، فنهى الله الأولياء في الإسلام أن يفعلوا ذلك، قال تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} (النساء: 4) أي: فإن طابت أنفسهن عن شيء من المهر فأَعْطَينه من غير إكراه ولا إلجاء بسبب سوء العشرة، ولا إخجال بالخلابة والخديعة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: من غير ضرار ولا خديعة. {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} (النساء: 4) أي سائغًا لا غصص فيه ولا تنغيص، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى. 12- الزواج وحقوق النساء فيه كان عند العرب في الجاهلية أنواع من الزواج الفاسد الذي كان يوجد عند كثير من الشعوب، ولا يزال بعضه إلى اليوم في البلاد التي تغلب عليها الهمجية، فمنها اشتراك الرهط من الرجال في الدخول على امرأة واحدة وإعطاؤها الحق في الولد أن تلحقه بمن شاءت منهم. ومنها نكاح الاستبضاع: وهي أن يأذن الرجل لزوجه أن تمكن من نفسها رجلاً معينًا من الرؤساء والكبراء الممتازين بالشجاعة والكرم؛ ليكون لها منه ولد مثله. وهذان النوعان لا يزالان موجودان بصفة مطلقة دائمة في بعض البلاد كالتبت وغيرها، وكان عند العرب مؤقتًا ومقيدًا بما ذكرنا. (ومنها) السفاح بالبغاء العلني، وكان عند العرب خاصًّا بالإماء دون الحرائر (ومنها) اتخاذ الأخدان أي الصواحب العشيقات، وكان عرب الجاهلية يستترون به ويعدون ما ظهر منه لؤمًا وخسة، وهذان النوعان عامّان شائعان في بلاد الإفرنج كلها جهرًا، وقد سرى فساده منهم إلى بلاد الشرق التي غلب نفوذهم عليها أو على حكامها كالهند وتونس والجزائر ومصر وسورية ولبنان والعراق وقد قررت حكومة فرنسة أخيرًا جعل أولاد الأخدان كالأولاد الشرعيين في الميراث وغيره بعموم الفساد فيه. (ومنها) نكاح المتعة: وهو المؤقت وقد شاع في بلاد الإفرنج أخيرًا، ويسمونه نكاح التجربة، وتبيحه الشيعة الإمامية من المسلمين (ومنها) نكاح البدل والمبادلة وهو أن ينزل رجلان كل منهما عن امرأته للآخر، ونكاح الشغار وهو أن يزوج كل من الرجلين الآخر بنته أو أخته أو غيرهن ممن تحت ولايتهما بدون صداق، وهذان النوعان مبنيان على قاعدة حسبان المرأة ملكًا للرجل يتصرف فيها كما يتصرف في بهائمه وأمواله، ولا يزالان يوجدان في بعض الشعوب الفاسدة أو الهمجية كالغجر، والغبن في كل ذلك على النساء فهن اللائي يحملن أثقاله وأوزاره الجسمية والأدبية والمالية. وأما المرتقون من العرب كقريش فكان نكاحهم هو الذي عليه المسلمون وبعض الشعوب الراقية من الخطبة والمهر والعقد، وهو الذي أقره الإسلام مع إبطال بعض العادات الظالمة للنساء فيه من استبداد في تزويجهن كرهًا، أو عضلهن أي منعهن من الزواج، أو أكل مهورهن، وكذا تعددهن بغير حد في العدد ولا قيد في المصلحة ولا شرط في العدل ولا في الحقوق، أبطل الإسلام كل المظالم الخالصة وقيد منها ما فيه وجهان بما يرجح المصلحة على المفسدة والعدل على الظلم. 13- ولاية النكاح وحرية المرأة واختيارها فيه جمع الإسلام بين جعل حق التزويج لولي المرأة وحق المرأة في قبول من ترضاه من الأزواج ورد من لا ترضاه، فمنع الأولياء من الاستبداد في تزويج مولياتهم من بنات وأخوات وغيرهن بغير رضاهن، وكان من ظلم الجاهلية لهن، بل لا يزال الوالدان يكرهن بناتهم على الزواج بمن يكرهن من الرجال في جميع الأمم على ما فيه من الشقاء والفساد، كذلك منع المرأة من التزوج بغير كفؤ يرضاه أولياؤها وعصبتها، فيكون تزوجها به سببًا لوقوع العداوة والشقاق بينهم وبين عشيرته بالتبع له، بدلاً من تجديد مودة وتعاون بمصاهرته، وليس للأولياء ولا للوالد نفسه أن يمنع من زواجها بأي كفؤ ترضاه. روى الجماعة كلهم [3] عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنكح الأيم [4] حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) ورووا (إلا البخاري) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها) أي سكوتها يكتفى به فلا تكلف التصريح لحيائها، كما روي عن عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن استئذان البكر فقالت: (إن البكر تستأذن فتستحي فتسكت) فقال: (سكاتها إذنها) متفق عليه، وروى الجماعة إلا مسلمًا عن خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوَّجها وهي ثيب، فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها أي أبطله، قال بعض المحققين: لا يكون سكوت البنت إذنًا للأب بتزويجها إلا إذا كانت تعلم ذلك، فإن كانت لا تعلم فينبغي إعلامها. وروى أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة وابن ماجه من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل صلى الله عليه وسلم الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي؛ ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من شيء) تعني أنه ليس لهم إكراههن على التزوج بمن لا يرضينه. وروى الترمذي من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) رواه من حديث أبي حاتم المزني بلفظ: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ... إلخ ورواه أبو داود في المراسيل. 14- أركان الزوجية الفطرية في الإسلام أرشد الله البشر بكتابه القرآن الحكيم إلى أن للحياة الزوجية ثلاثة أركان (أو أقانيم) يجب عليهم تحريها فيها، وهي ما أشرنا إليه في صدر هذه الرسالة وصدرناها بآيتها من قوله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21) . فالسكون النفسي الجنسي وهو الركن الأول من هذه الأركان خاص بالزوجين، وهو تعبير بليغ عن شعور العشق واللذة والحب الذي يجده كل منهما باتصالهما، والملابسة بإفضاء أحدهما إلى الآخر الذي به تتم إنسانيتهما فتكون منتجة أناسي مثلهما، وبه يزول أعظم اضطراب فطري في القلب والعقل لا ترتاح النفس وتطمئن في سريرتها بدونه. وإنما تكون المحافظة على هذا الركن بما أرشد كتاب الله تعالى إليه من قصد الإحصان في النكاح، وهو أن يقصد به كل من الزوجين إحصان الآخر، أي إعفافه وحفظه من صرف داعية النسل الطبيعية إلى المسافحة أو اتخاذ الأخدان لأجل اللذة فقط، وقصارى هذا الإحصان أن يقصر كل منهما هذا الاستمتاع على الآخر ويقصد حكمته وسيلة النسل وحفظ النوع البشري على أسلم وجه وأفضله. قال الله تعالى بعد بيان محرمات النكاح من سورة النساء: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} (النساء: 24) الآية، ثم قال بعدها في نكاح الإماء: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} (النساء: 25) . وقال في سورة المائدة: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (المائدة: 5) . والركن الثاني من أركان الزوجية المودة أي المحبة التي يظهر أثرها في التعامل والتعاون وهو مشترك بين الزوجين وأسرة كل منهما. والركن الثالث الرحمة التي لا تكمل للإنسان إلا بعواطف الأمومة والأبوة، ورحمتهما لأولادهما، فيكون لكل البشر أو الأحياء حظ من هذه الرحمة الكاملة، إذا لم يكن فساد التربية والمعاشرة أو تعاليم العداوات أو العصبيات بين البشر مفسدة لها، أو قاصرة لها على المشاركين في القومية أو العقيدة أو الوطن، ومن تفكر في هذه الأركان الثلاثة حق التفكر علم أن عليها مدار سعادة الزوجية التي هي جل سعادة الإنسانية، ولذلك قال تعالى بعد بيانها: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21) [5] . 15- المساواة بين الزوجين ودرجة الرجال عليهن إن الإصلاح الأكبر الذي جاء به الإسلام، ونزل به القرآن في شأن النساء هو الآية (228) من سورة البقرة، فهذه الآية قد هدمت جميع ما كان من النظريات والدعاوى والعادات والتقاليد التي يستبد بها الرجال الأقوياء ويستعلون على النساء الضعيفات في أنفسهن وأموالهن وأولادهن، وقد فسَّرنا هذه الآية في الجزء الثاني من تفسيرنا بما بيَّنا به هذه الدرجة وننشر هنا ملخصه وهذا نصه: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228) . هذه كلمة جليلة جدًّا جمعت على إيجازها ما لا يؤدى بالتفصيل إلا في سِفر كبير، فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرًا واحدًا عبر عنه بقوله:] وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [وهذه الدرجة مفسرة بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: 34) الآية، وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشرتهن ومعاملاتهم في أهليهن، وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة تعطي الرجل ميزانًا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا همَّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي) لهذه الآية. وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء؛ وإنما أراد أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهم أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلاًّ منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره ما لا يلائمه وما ينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر، ويتخذه عبدًا يستذله ويستخدمه في مصالحه، لا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه. قال الأستاذ الإمام قدَّس الله روحه: هذه الدرجة التي رفع النساء إليها لم يرفعهن إليها دين سابق، ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة من الأمم قبل الإسلام ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان من تقدمها في الحضارة والمدنية أن بالغت في تكريم النساء واحترامهن، وعنيت بتربيتهن وتعليمهن العلوم والفنون، لا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة من حق التصرف في مالها بدون إذن زوجها، وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية من نحو ثلاثة عشر قرنًا ونصف. وقد كان النساء في أوربا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في كل شيء، كما كن في عهد الجاهلية عند العرب أو أسوأ حالاً، ونحن لا نقول إن الدين المسيحي أمرهم بذلك؛ لأننا نعتقد أن تعليم المسيح لم يخلص لهم كاملاً سالمًا من الإضافات والبدع، ومن المعروف أن ما كانوا عليه من الدين لم يُرقِّ المرأة؛ وإنما كان ارتقاؤها من أثر المدنية الجديدة في القرن الماضي. وقد صار هؤلاء الإفرنج الذين قصرت مدنيتهم عن شريعتنا في إعلاء شأن النساء يفخرون علينا، بل يرموننا بالهمجية في معاملة النساء، ويزعم الجاهلون منهم بالإسلام أن ما نحن عليه هو أثر ديننا. ذكر الأستاذ الإمام في الدرس أن أحد السائحين من الإفرنج زاره في الأزهر وبينا هما ماران في المسجد رأى الإفرنجي بنتًا مارة فيه فبهت وقال ما هذا؟ أنثى تدخل الجامع، فقال له الإمام: وما وجه الغرابة في ذلك؟ ، قال: إننا نعتقد أن الإسلام قرر أن النساء ليس لهن أرواح وليس عليهن عبادة، فبيَّن له غلطه وفسَّر له الآيات فيهن، قال: فانظروا كيف صرنا حجة على ديننا؟ وإلى جهل هؤلاء الناس بالإسلام حتى مثل هذا الرجل الذي هو رئيس لجمعية كبيرة [6] فما بالكم بعامتهم؟ إذا كان الله قد جعل للنساء على الرجال مثل ما لهم عليهن إلا ما ميزهم به من الرياسة، فالواجب على الرجال بمقتضى كفالة الرياسة أن يعلموهن ما يمكنهن من القيام بما يجب عليهن، ويجعل لهن في النفوس احترامًا يعين على القيام بحقوقهن ويسهل طريقه؛ فإن الإنسان بحكم الطبع يحترم من يراه مؤدبًا عالمًا بما يجب عليه عاملاً به، ولا يسهل عليه أن يمتهنه أو يهينه، وإذا بدرت منه بادرة في حقه رجع على نفسه باللائمة، فكان ذلك زاجرًا له عن مثلها. خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة في العبادات أو المعاملات كما خاطب الرجال، وجعل لهن عليهم مثل ما جعله لهم عليهن، وقرن أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنات كما بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا والآخرة، أفيجوز بعد هذا كله أن يحرمن من العلم بما عليهن من الواجبات والحقوق لربهن وبعولتهن ولأولادهن ولذي القربى وللأمة والملة؟ . العلم الإجمالي بما يطلب فعله شرط في توجه النفس إليه؛ إذ يستحيل أن تتوجه إلى المجهول المطلق، والعلم التفصيلي به المبين لفائدة فعله ومضرة تركه يعد سببًا للعناية بفعله والتوقي من إهماله، فكيف يمكن للنساء أن يؤدين تلك الواجبات والحقوق مع الجهل بها إجمالاً وتفصيلاً؟ وكيف تسعد في الدنيا أو الآخرة أمة نصفها كالبهائم لا يؤدي ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا للناس؟ والنصف الآخر قريب من ذلك؛ لأنه لا يؤدي إلا قليلاً مما يجب عليه من ذلك ويترك الباقي ومنه إعانة ذلك النصف الضعيف على القيام بما يجب عليه أو إلزامه إياه بما له عليه من السلطة والرياسة. إن ما يجب أن تعلمه المرأة من عقائد دينها وآدابه وعباداته محدود؛ ولكن ما يطلب منها لنظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا كأحكام المعاملات - إن كانت في بيت غنى ونعمة - يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، كما تختلف بحسب ذلك الواجب على الرجال، ألا ترى الفقهاء يوجبون على الرجل النفقة والسكنى والخدمة اللائقة بحال المرأة؟ ألا ترى أن فروض الكفايات قد اتسعت دائرتها، فبعد أن كان اتخاذ السيوف والرماح والقسي كافيًا في الدفاع عن الحوزة صار هذا الدفاع متوقفًا على المدافع والبنادق والبوارج، وعلى علوم كثيرة صارت واجبة اليوم ولم تكن واجبة ولا موجودة بالأمس؟ ألم تر أن تمريض المرضى ومداواة الجرحى كان يسيرًا على النساء في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم، وقد صار الآن متوقفًا على تعلم فنون متعددة وتربية خاصة؟ أي الأمرين أفضل في نظر الإسلام: أتمريض المرأة لزوجها إذا هو مرض، أم اتخاذ ممرضة أجنبية تطلع على عورته وتكتشف مخبآت بيته؟ وهل يتيسر للمرأة أن تمرِّض زوجها أو ولدها إذا كانت جاهلة بقانون الصحة وبأسماء الأدوية؟ نعم يتيسر لكثير قتل مرضاهن بزيادة مقادير الأدوية السامة أو بجعل دواء مكان آخر. (وقد ذكرنا في التفسير هنا كلامًا للمحدثين والفقهاء في حقوق كل من الزوجين على الآخر كقول الأكثرين: إن المرأة لا يجب عليها للرجل غير الطاعة في نفسها وحفظ نفسها وماله دون خدمة الدار، ورده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بنته فاطمة بخدمة البيت وبأمر علي بما كان في خارجه، وجزم بعض المحققين من الحنابلة أن ذلك يرجع إلى عرف الناس، ثم قلنا: وما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم بين بنته وربيبه وصهره عليهما السلام هو ما تقضي به فطرة الله تعالى وهو توزيع الأعمال بين الزوجين: على المرأة تدبير المنزل والقيام بالأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، وهذا هو المماثلة بين الزوجين في الجملة، وهو لا ينافي استعانة كل منهما بالخدم والأجراء عند الحاجة إلى ذلك مع القدرة عليه، ولا مساعدة كل منهما للآخر في عمله إذا كانت هناك ضرورة؛ وإنما ذلك هو الأصل والتقسيم الفطري الذي تقوم به مصلحة الناس وهم لا يستغنون في ذلك ولا في غيره عن التعاون {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286) {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} (المائدة: 2) . وإذا أردت أن تعرف مسافة البعد بين ما يعمل أكثر المسلمين وما يعتقدون من شريعتهم فانظر في معاملتهم لنسائهم تجدهم يظلمونهن بقدر الاستطاعة، لا يصد أحدهم عن ظلم امرأته إلا العجز، ويحملونهن ما لا يحملنه إلا بالتكلف والجهد، ويكثرون الشكوى من تقصيرهن، ولئن سألتهم عن اعتقادهم فيما يجب لهم عليهن ليقولن كما يقول أكثر فقهائهم: إنه لا يجب عليهن خدمة ولا طبخ ولا غسل ولا كنس ولا فرش، ولا إرضاع طفل، ول صفر - 1351هـ يونيه - 1932م