يوم ذكرى المولد المحمدي الشريف من سنة 1351 في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام (تابع لما نشر في الجزء الماضي) 30- أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين وحكمة تعددهن بعد الهجرة وفوائده (الزوج الأولى خديجة رضي الله عنها) تزوج صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة بالسيدة خديجة بنت خويلد وهي ثيب بنت أربعين سنة، فعاشت معه خمس عشرة سنة قبل البعثة وعشرًا بعدها، وتوفيت قبل الهجرة بثلاث سنين وكانت عجوزًا بنت 65 سنة وهو في مستوى العمر الطبيعي، فقد قضى زهرة شبابه فلم يتزوج عليها، ولا أحب أحدًا مثل حبه لها، وظل طول عمره يذكرها، ويكرم أصدقاءها ومعارفها، وزارته مرة عجوز في بيت عائشة فأكرم مثواها وبسط لها رداءه فأجلسها عليه، فلما انصرفت سألته عائشة عنها لتعلم سبب إكرامه لها فأخبرها أنها كانت تزور خديجة، وقد صح عن عائشة أنها غارت منها وهي لم ترها حتى تجرأت مرة عليه عند ذكرها، فقالت له: هل كانت إلا عجوزًا أبدلك الله خيرًا منها؟ (تعني نفسها، وكانت تدل بحداثة سنها وجمالها وكونه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرًا غيرها وبكونها بنت صديقه الأكبر أبي بكر رضي الله عنه وعنها) قالت: فغضب وقال: (لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها: آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء) قالت: فقلت في نفسي لا أذكرها بعدها بسيئة أبدًا. رواه ابن عبد البر والدولابي. وروى الشيخان عنها أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط؛ ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة - أي صديقاتها من النساء - وربما قلت له: لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: (إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد) زاد في رواية: قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وفي صحيح مسلم عنها: كان إذا ذبح الشاة قال: (أرسلوها إلى أصدقاء خديجة) فذكرت له يومًا فقال: (إني لأحب حبيبها) وكانت خديجة أعقل العقائل، وفضلى الفواضل، وكانوا يلقبونها من عهد الجاهلية بالطاهرة، وهي أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد كنت سئلت عن حكمة تعدد أزواجه صلى الله عليه وسلم سنة 1320 فأجبت جوابًا نُشر في المجلد الخامس من المنار، ثم في الجزء الرابع من التفسير (ص 37) ثم طرقت هذا البحث في فتاوى (م 28) من المنار، وأنا أذكر هنا معنى ما هنالك مع فوائد أخرى فأقول: 31- الحكمة العامة لتعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إن الحكمة العامة لهذا التعدد بعد الهجرة، في سن الكهولة، والقيام بأعباء الرسالة، والاشتغال بسياسة البشر، ومصابرة المعادين، ومدافعة المعتدين، دون سن الشباب وراحة البال - هي السياسة الرشيدة، وتربية الأمة وضرب المثل الكامل لها في معاشرة النساء بالمعروف، والعدل بينهن، وتخريج بضع معلمات للنساء، يعلمنهن الأحكام الشرعية الخاصة بهن، مما كان صلى الله عليه وسلم يستحي أن يخاطب به النساء فيما كان يخصهن به أحيانًا من مواعظه، كما كان أكثرهن يستحيين أن يسألنه عن أحكام الزوجية والجنابة والطهارة، وقد كان نساء المهاجرين أشد حياء من نساء الأنصار في هذا، بل كان من نساء الأنصار من يهبنه أن يسألنه عما لا يُستحيا منه. ومن الشواهد عنهن في ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل ثم قال: (خذي فرصة من مسك فتطهري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري، قالت عائشة: فاجتذبتها إليَّ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم) وفي رواية أخرى أنها قال لها: (خذي فرصة ممسكة [1] فتوضأي ثلاثًا) ثم إنه صلى الله عليه وسلم استحيا أو أعرض بوجهه حياء، أي منعه الحياء بأن يصرح لها بوضع القطنة المطيبة بالمسك في المكان الذي كان يخرج منه الدم إتمامًا للطهارة، فأخذتها عائشة وأفهمتها المراد، والحديث في المسند والصحيحين وأكثر السنن. وفي صحيح مسلم أن أسماء، وهي بنت شكل [2] سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض فقال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرها [3] فتطهر فتحسن الطهور فتصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، قالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله تطهري بها) سبح الله تعجبًا من عدم فهمها المراد بالإيماء والتعريض، وطلبها للتصريح به والتكشيف، ومنعه الحياء منه، حتى كفته زوجته عائشة ذلك، وقد ورد في وصفه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها) (متفق عليه) . وكان المؤمنات يسألنه عن كل ما يعرض لهن على اختلاف درجاتهن في الحياء حتى كان بعضهن يشكون إليه هجر بعولتهن لهن اشتغالاً بالتعبد أو لغير ذلك، وكان لا بد له من تعليمهن وإنصافهن من بعولتهن، وكان أزواجه خير مبلِّغ له عنهن ولهن عنه في حياته، وخير مرجع في الاستفتاء النسوي بعد وفاته، ومن ذا الذي يقول إن زوجًا واحدة كانت تقوم بهذا الواجب وحدها؟ بل كان الرجال يرجعون بعده إلى أمهات المؤمنين في كثير من أحكام الدين، ولا سيما الزوجية، فمن كان له قرابة منهن كان يسألها دون غيرها، فكان أكثر الرواة عن عائشة أختها أم كلثوم وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث وابنا أخيها القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر، وحفصة وأسماء بنتا أخيها عبد الرحمن وعبد الله وعروة ابنا عبد الله بن الزبير من أختها أسماء، وروى عنها غيرهم من أقاربها ومن الصحابة والتابعين وهم كثيرون جدًّا. كذلك كان أكثر الرواة عن حفصة أخوها عبد الله بن عمر وابنه حمزة وزوجه صفية بنت عبيد وأم بشر الأنصارية ... إلخ، وأكثر الرواة عن ميمونة بنت الحارث أبناء أخواتها، ولا سيما أعلمهم وأشهرهم عبد الله بن عباس، وأشهر الرواة عن رملة بنت أبي سفيان ابنتها حبيبة وأخواها معاوية وعنبسة وابنا أخيها وأختها. وهكذا نرى كل واحدة من أمهات المؤمنين قد روى عنها علم الدين كثير من أولي قرباها، ومن النساء والرجال الآخرين حتى أن صفية اليهودية كان لها ابن أخ مسلم روى عنها فيمن روى، فهل كان يمكن أن ينقل ذلك كله زوج واحدة يروي عنها كل مَن روَى عن أمهات المؤمنين؟ ولعل أكثر ما سمعه النساء منهن لم يصل إلى الذين دونوا أحاديثهن. وجملة القول: أن أمهات المؤمنين التسع اللائي توفي عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كن كلهن معلمات ومفتيات لنساء أمته ولرجالها ما لم يعلمه عنه غيرهن من أحكام شرعية وآداب زوجية، وحِكم نبوية، وكن قدوة صالحة في الخير وعمل البر. 32- الأسباب الخاصة لكل زوج منهن بعد خديجة 1- سودة بنت زمعة رضي الله عنها: كانت سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة، وكان توفي عنها زوجها ابن عمها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، والحكمة في اختيارها أنها من المؤمنات المهاجرات الهاجرات لأهليهن خوف الفتنة والتعذيب لإرجاعها عن الإسلام، ولو عادت إلى أهلها لأكرهوها على الشرك أو عذَّبوها عذابًا نكرًا ليفتنوها عن الإسلام، فاختار صلى الله عليه وسلم كفالتها، وفيه تأليف لبني عبد شمس أعدائه وأعداء بني هاشم، وتشريف لبني النجار أخوال عترته وأكرم أنصاره؛ فإن أمها الشموس بنت قيس بن زيد الأنصارية من بني عدي بن النجار، وكانت أول من ذكر له مع عائشة، فكفلها صلى الله عليه وسلم وقد تزوجها بمكة قبل الهجرة في عامها كما يأتي، فهو لم يجمع بمكة بين زوجين بالفعل. 2- عائشة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنها: روى ابن سعد بسند مرسل رجاله ثقات وابن أبي عاصم من طريق عائشة قالت: (لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: أي رسول الله ألا تزوج؟ [4] قال: من؟ قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا، قال: فمن البكر، قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر، قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة آمنت بك واتبعتك، قال: فاذهبي فاذكريهما علي) وفي رواية ابن سعد (قالت: أفلا أخطب عليك، قال: بلى فإنكن معشر النساء أرفق بذلك، قالت عائشة: فجاءت فدخلت بيت أبي بكر فوجدت أم رومان - تعني أمها - فقالت: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: وددت لو تنتظرين أبا بكر، فجاء أبوبكر فذكرت له ذلك فقال: وهل تصلح له وهي بنت أخيه؟ فرجعت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قولي له أنت أخي في الإسلام وابنتك تحل لي) وفي رواية أن أبا بكر هو الذي قال له هذا القول وأجابه صلى الله عليه وسلم بهذا الجواب، ولم تكن نزلت في ذلك الوقت آية محرمات النكاح ولا آية {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10) . وكانت عائشة أذكى أمهات المؤمنين وأحفظهن، بل كانت أعلم من أكثر الرجال، قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، بل قال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة، وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة، وقال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علمًا فيه، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة بن الزبير فقيل له: ما أرواك، فقال: ما روايتي في رواية عائشة؟ ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا. وجملة القول أن مصاهرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأول أصحابه وأعلاهم قدرًا وإخلاصًا له ونصرًا، على ما كان من مودة بينهما قبل الإسلام، كانت أعظم منة ومكافأة وقرة عين له، وخير وسيلة لنشر سنته وفضائله الزوجية وأحكام شريعته ولا سيما النسوية، ولم يرد في الصحيح عن أحد الرجال أكثر مما روي عنها من الأحاديث إلا أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة الثانية للهجرة. 3- حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: كانت حفصة زوجًا لحسن بن حذافة وهو ممن شهدوا غزوة بدر، وتوفي بعدها في المدينة، فلما انقضت عدتها عرضها عمر على أبي بكر فسكت، فعرضها على عثمان بن عفان بعد موت زوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما أريد أن أتزوج اليوم؛ وإنما كان يرجو أن يزوجه النبي صلى الله عليه وسلم بنته أم كلثوم، وقد ساء عمر ما كان من أبي بكر وعثمان وهما الكفؤان الكريمان لبنته، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة) فلقي أبو بكر عمر فقال: لا تجد علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لتزوجتها. نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة في السنة الثانية من الهجرة، فكان هذا قرة عين لصاحبه ووزيره الأول وخير مكافأة له في الدنيا على صدقه وإخلاصه، فلما توفي زوج حفصة بنت وزيره الثاني رأى أن يساوي بينه وبين أبي بكر في تشريفهما بمصاهرته، ولم يكن في الإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا، فتزوج حفصة في السنة الثالثة، وقيل في السنة الثانية، ولولا ذلك لكانت حسرة في قلب عمر، فما أجلَّ سياسته صلى الله عليه وسلم وما أعظم وفاءه للأوفياء له ‍‍! . ويقابل ذلك إكرامه لعثمان وعلي رضي الله عنهما بتزويجهما ببناته، وهؤلاء الأربعة أعظم أصحابه في حياته، وخلفاؤه في إقامة ملته ونشر دعوته بعد وفاته. 4- زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها: زوجها النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى لمولاه (عتيقه) ومتبناه زيد ابن حارثة، ثم زوَّجه الله إياها بعد طلاق زيد لها لحكمة لا تعلوها حكمة في زواج أحد من أزواجه، وهي إبطال بدعة التبني التي كانت متبعة في الجاهلية، وكان ذلك سنة ثلاث، وقيل خمس من الهجرة. ذلك أنه كان من عادات العرب الباطلة التي اتخذت دينًا تقليديًّا أنهم يتخذون لأنفسهم أبناء أدعياء يلصقونهم بأنسابهم، ويعطون الدعي منهم جميع حقوق الأبناء حتى في المواريث ومحرمات النكاح، وما كان الإسلام ليقرهم على باطل، فحرَّم الله التبني وهو يعلم ما علق بالطباع ولصق بالوجدان من تأثير هذا النسب المفتعل، وأن إبطاله وإبطال لوازمه مما يثقل على الناس امتثاله كما هو شأن التقاليد العامة الراسخة، إلا على أصحاب الإيمان الكامل والعزائم المرهفة الحد، الذين لا يبالون بشعور الجماهير، ولا برميهم لمخالفهم بنعوت التحقير وقليل ما هم. علم الله تعالى هذا فألهم نبيه من قبل إنزال وحيه عليه وإرساله إلى الناس مبشرا ونذيرًا أن يتبنى غلامًا كان ملكًا لزوجه خديجة، فوهبته له وأشرب قلبه حبه، على ما كان من كرهه لعادات الجاهلية الباطلة، ليجعله هو القدوة الصالحة في إبطال التبني وكل ما كان له من الأحكام، وكان هذا الغلام زيد بن حارثة، ومن زيد بن حارثة؟ كان زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من كرام العرب وكانت أمه سعدى بنت ثعلبة من بني معن بن طيئ، وقد زارت قومها وهو معها فأغار عليهم جيل لبني العين بن حر فسبوه وهو غلام يفقه، واحتملوه إلى عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد في الجاهلية، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته إياه لما رأت من إعجابه بأدبه وفطرته الزكية، وكان أبوه ينشده وينشد فيه الشعر موصيًا أولاده بالبحث عنه، فحج ناس من قومه فرأوا زيدًا بمكة فعرفوه وعرفهم، وحمَّلهم شعرًا في حنينه إلى قومه فبلغوا والده حارثة خبره، فخرج هو وأخوه كعب بفدائه فقدما مكة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لهما هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: (يا ابن عبد المطلب يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عندك، فامنن علينا وأحسن في فدائه فإنا سندفع لك، قال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال: أو غير ذلك؛ ادعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء. قالوا: فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء، قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما، فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام) رواه ابن سعد، ونحوه في سيرة ابن إسحاق. وروى الحاكم خبر أسره ومجيء والده وأهله في طلبه مطولاً، وفيه أنه كان بعد النبوة وأن أباه أسلم؛ ولكن هذه الرواية لا تصح. ومن تدبر خبر اختيار زيد بن حارثة للرق عند محمد صلى الله عليه وسلم على الحرية عند أبيه وقومه - وهو كخديجة أعلم الناس بأخلاقه وأعماله - يحكم حكمًا عقليًّا وجدانيًّا بأن محمدًا كان من قبل النبوة آية من أكبر آيات الله تعالى في فضائله وآدابه، فكيف يكون بعدها؟ وإذا كان بعض علماء الإفرنج يستدل بإيمان خديجة به وتقديسها لفضائله وفواضله من قبل البعثة على أنه كان صادقًا في دعوى النبوة، لا طالبًا لمنفعة أو رياسة، فأحرى بهم أن يعدوا إيثار زيد له على حريته وأبيه وأمه وعشيرته برهانًا مثل ذلك البرهان على صدقه صلى الله عليه وسلم وكماله بل أظهر منه. تضاعف حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بهذا الإيثار وأعتقه وتبناه، وكان التبني أعظم شيء مستطاع في تكريمه وتعظيم قدره، وقد كان يلقب بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حبيبه، وفي صحيح مسلم: أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن {ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} (الأحزاب: 5) وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه سُمع يقول: بعث رسول الله بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمرته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقًا للإمرة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا من أحب الناس إلي من بعده) وفي رواية لمسلم أنه قال هذا على المنبر، وأن لفظه في زيد وابنه (وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي) . وروي عن الشعبي أنه قال: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قط وفيهم زيد بن حارثة إلا وأمره عليهم، أقول وإنما طعن بعض الناس في إمارة زيد على السرايا؛ لأنه كان عتيقًا فكيف يقدمه على كبراء المهاجرين والأنصار؟ وأما طعنهم في إمارة ولده حارثة بعده فلأنه كان صغير السن لم يبلغ العشرين؛ ولكن هذا من أفضل سياسته صلى الله عليه وسلم في خفض استعلاء العصبية وكبرياء النسب (الأرستقراطية) . بعد هذه المقدمة أقول: لما أراد الله تعالى أن يبطل دعاية التبني وأحكامها الجاهلية أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يزوج زينب بنت جحش بن رباب بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب - لزيد بن حارثة مولاه، وهو عز وجل يعلم أنهما لا يتفقان على هذه الزوجية؛ لأنها تتكبر عليه بالطبع، وهو عزيز النفس لا يحمل ذل الكبرياء عليه. فذهب صلى الله عليه وسلم إلى زينب فقال: (إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك، قالت: يا رسول الله ولكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل، فنزلت الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً} (الأحزاب: 36) . فقالت زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها زيدًا ودخل عليها، فكانت تغلظ له القول وتتعظم عليه بالشرف فيذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكيًا منها ويستأذنه في طلاقها، فيقول له صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق الله) وهو يعلم أنه لا بد له من طلاقها، وأن الله يأمره بالتزوج بها بعده إبطالاً لبدعة التبني وما كان من تحريم الجاهلية لامرأة الدعي كامرأة الابن الحقيقي؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يظهر له ولا لغيره، وكان بمقتضى الشعور الطبيعي يخشى ما يقوله الناس ولا سيما المشركين، إن محمدًا تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} (الأحزاب: 37) أي واذكر أيها الرسول إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق والإكرام] أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [ في معاشرتها بالمعروف ولا تطلقها] وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ [ أن يقولوا تزوج امرأة ابنه أو متبناه] وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ [ولا تبالي بما يقول الناس في تنفيذك لشرعه وإقامتك لدينه] فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا [ الوطر: الحاجة المهمة أو التي ليس بعدها مأرب، وقضاؤه إياه عبارة عن تطليقها بمحض إرادته ورغبته؛ لأنه لم يبق له حاجة فيها، ولا رجاء في معاشرتها بالمعروف، وتنكير (الوطر) هنا دون إضافته إلى زيد للدلالة على أنه شيء أراده الله تعالى منه وسخره له، وهذا من دقائق البلاغة في تحديد المعاني باللفظ المفرد النكرة، وقوله تعالى:] زَوَّجْنَاكَهَا [نص في أن هذا التزويج كان من الله تعالى لما ذكر من حكمة التشريع فيه، ولم يكن برغبة النبي صلى الله عليه وسلم وميله. وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم لم يعقد عليها كما عقد على سائر أزواجه؛ لأن تزويج ربه إياه بها أقوى وأثبت، والعقد بعده لغو لأنه تحصيل حاصل. ثم قال: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} (الأحزاب: 37) وهو تصريح بعلة تزويجه إياها، أي: لأجل أن لا يجد أحد من المؤمنين في نفسه أدنى ضيق صدر ولا مبالاة بلوم في التزوج بنساء أدعيائهم بالتبني، وكفى برسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك] إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [ فطلقوهن بإرادتهم لعدم بقاء شيء من الرغبة لهم فيهن كما فعل زيد] وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً [أي: وكان قضاؤه في التكوين والتشريع نافذًا لا مرد له، ولا رأي لأحد فيه. ثم أكد الله تعالى هذا الأمر برفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ لأنه هو الذي قضاه واختاره له، فما كان له أن يختار لنفسه غيره، ولا أن يخشى غير الله في تنفيذه، وأن تلك سنته تعالى في رسله بما يبلغون من رسالته وينفذون من أحكامه ويخشونه ولا يخشون غيره فقال: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (الأحزاب: 38-39) أي ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وهو نبي الله ورسوله أدنى حرج وضيق فيما فرضه وقسمه الله من مثل هذا الزواج من التشريع وتنفيذ الأحكام وفاقًا لسنته تعالى في إخوانه النبيين الذين خلوا من قبله، وكان أمر الله الذي يريده من إقامة شرعه يجري على حكم القدر وهو النظام والتقدير الذي يكون به المسبب على قدر السبب، والمعلول تابعًا للعلة، كما وقع في إبطال التبني، ولما كان هذا من تبليغ الرسالة الإلهية كان من شأن رسل الله أن يخشوا الله ولا يخشوا أحدًا غيره في تبليغ رسالته، وكفى بالله رقيبًا عليهم ومحاسبًا لهم، فلا يبالون بغيره. وقفى على هذا بنفي أبوة محمد صلى الله عليه وسلم لزيد ولغيره، والرد على من قالوا إنه تزوج حليلة ابنه، كما رواه الترمذي عن عائشة تأكيدًا لما بينه في أول السورة من نفي بنوة الأدعياء والأمر بنسبتهم إلى آبائهم، أو وصفهم بأخوة الدين وولاية العتق فقال: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب: 40) . فرية لبعض الرواة في تفسير {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37) لقد كان من مثار العجب، وغرائب سفاه العقل وسوء الأدب، أن خطر لبعض وضاع الحديث، وصناع الروايات في التفسير، أن يحرف هذه الآيات الجلية كلها عن مواضعها، ويحملها على غرض ينأى عنه منطوقها، ويتبرأ منه مفهومها، وتأباه حكمة التشريع فيها، ويستلزم الطعن بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنيل من خلق رسول الله وأدبه، الذي قال الله له فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4) فاخترع لها خبرًا زعم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع في قلبه منها شيء فقال: (سبحان مقلب القلوب) فسمعت التسبيحة زينب، فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، فكان هذا سببًا لاستئذانه النبي صلى الله عليه وسلم في طلاقها، وزعموا أن هذا هو المراد من قول الله تعالى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37) وهذه الرواية لم يثبت لها سند؛ وإنما نقلها بعض المفسرين كعادتهم في نقل كل ما يسمعون، وقد صرح بتلفيقها المحققون؛ لأنها مخالفة للآيات الصريحة المحكمة من جهات كثيرة، ومنافية للعقول المستقلة في الفهم والحكم أيضًا؛ فإن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم زينب لمولاه، وحبه وربيبه ومتبناه، يكون بحسب الطباع الكريمة مانعًا من الميل إلى التزوج بها، وناهيك بما اجتهد به من إقناعها، وهو يعرفها من صغرها، وهذا إذا كان تزويجه لها تزويجًا عاديًّا ليكونا زوجين ما بقيا، فكيف وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أنه تزويج موقت بالنسبة إلى عاقبته وغايته التي يجهلها كل منهما، ثم إنه على حسب زعمهم أمر واقع في نفسه، وتنسمته زينب بالقرينة من تسبيحه، ولفظ ذلك التسبيح لا يدل عليه، ولم يعلم به الناس فيخشى أن يخوضوا فيه، ويعاتبه ربه على خشيته إياهم وينزل في ذلك قرآنًا يتلى ويتعبد به، ثم إن زيدًا كان يعلم بمعاشرته له من سن الصبا أن نفسه من أجل وأكبر من أن يلم بها ذلك، وإن كان لا ينافي عصمة النبوة، ولولا هذا العلم بعلو نفسه وسمو فضائله لما آثر الرق عنده على الحرية عند والده وفي قومه، وقد أبى الحافظ ابن كثير ذكر هذه الرواية السخيفة في تفسيره لتجنبه رواية الموضوعات، وذكر الأباطيل الواضحة فيه، وإن كان ينقل الأحاديث الضعيفة المعقولة أحيانًا، وشنَّع ابن العربي وغيره على ناقليها. لولا أن دعاة النصرانية يذكرون هذه الفرية في كل كتاب يلفقونه في الطعن على الإسلام والنيل من مصلح البشر، وأفضل النبيين والرسل، لما ذكرتها في هذه الرسالة الوجيزة، وإن لشيخنا الأستاذ الإمام مقالة خاصة في تفنيدها بالمعقول والمنقول، ولي مقالة أخرى في إيضاح مقالته والرد على أديب نصراني انتقدها، وقد نشرتهما في المجلد الثالث من المنار، وطبعتها مع تفسير الفاتحة وبعض مشكلات القرآن. ولو كان عند هؤلاء الدعاة المبشرين عرق حياء ينبض، لمنعهم الجِذْع الكبير الذي في أعينهم عن رؤية قذاة ضئيلة في عين غيرهم! أي لمنعتهم قصة داود النبي الذين يصلون ويعبدون الله بمزاميره مع امرأة أوريا الحثي إذ رآها كما يروي كتابهم المقدس تغتسل فأعجبته فاستحضرها وضاجعها، فحملت وأمر بجعل زوجها في مقدمة الحرب وتعريضه للقتل فقتل لينفرد بها من دونه، كما هو مفصل في الفصل 11 من سفر صموئيل الثاني، والمسلمون يبرءون نبي الله داود عليه السلام مما ترويه عنه كتب قومه المقدسة عندهم وعند النصارى، وقصة داود في سورة (ص) لا تدل على اقترافه الفاحشة وجريمة القتل إرضاء للشهوة حاشاه الله من ذلك. 5- هند أم سلمة المخزومية رضي الله عنها: هي هند أم سلمة بنت أبي أمية المخزومية كان أبوها من أجواد العرب المشهورين، وتزوجت ابن عمها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم بعد عشرة أنفس وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وكان أول من هاجر إلى الحبشة، وكانت معه وولدت له سلمة في أثناء ذلك، ثم عاد إلى مكة، ولما أراد الهجرة بها إلى المدينة صدها قومها وانتزعوها منه هي وابنها سلمة، ثم انتزع بنو عبد الأسد آل زوجها ابنها سلمة من آلها بالقوة حتى خلعوا يده، فكانت كل يوم تخرج إلى الأبطح تبكي حتى شفع فيها شافع من قومها فأعطوها ولدها فرحّلت [5] بعيرًا ووضعت ابنها في حجرها وهاجرت عليه، فكانت أول امرأة هاجرت إلى الحبشة، ثم كانت أول ظعينة هاجرت إلى المدينة، وكانت تُجل زوجها أيما إجلال حتى أن أبا بكر وعمر خطباها بعد وفاته من جرح أصابه في غزوة أحد فلم تقبل، وعزَّاها النبي صلى الله عليه وسلم عنه بقوله: (سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرًا) فقالت: ومن يكون خيرًا من أبي سلمة؟ فلم ير لها عزاء ولا كافلاً لها ولأولادها ترضاه غيره صلوات الله تعالى عليه وعلى آله، ولما خطبها لنفسه اعتذرت بأنها مسنة وأم أيتام وذات غيرة، فأجاب صلى الله عليه وسلم بأنه أكبر منها سنًّا، وبأن الغيرة يذهبها الله تعالى، وبأن الأيتام إلى الله ورسوله، فاجتمع لها من الفضائل: النسب الشريف، والبيت الكريم، والسبق إلى الإسلام، وعلو الأخلاق ولا سيما الوفاء وكفالة اليتيم، وكل منها سبب صحيح لاختيار صاحب الخلق العظيم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق لهذه المرأة الفضلى أن تكون من أزواجه الطاهرات، وأمهات المؤمنين ومعلمات المؤمنين. على أن لها فوق ذلك فضيلة أخرى هي جودة الفكر وصحة الرأي، وحسبك من الشواهد على هذا استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لها في أهم ما حزنه وأهمه من أمر المسلمين في مدة البعثة، وما أشارت به عليه، ذاك أن الصحابة رضي الله عنهم كان قد ساءهم صلح الحديبية الذي عقده صلى الله عليه وسلم مع المشركين على ترك الحرب عشر سنين بالشروط المعلومة التي تدل في ظاهرها على أن المسلمين مغلوبون، ولم يكونوا بمغلوبين وإنما حبه صلى الله عليه وسلم للسلم ولاختلاط المسلمين بالمشركين - وكان دونه خرط القتاد - وكراهته للحرب التي أكرهه المشركون عليها بعداوتهم - هما اللذان حببا إليه قبول شروطهم لهم في الصلح، وكان من أثر استياء المسلمين من شروطهم أن أمرهم صلى الله عليه وسلم بالتحلل من عمرتهم بالحلق أو التقصير لأجل العود إلى المدينة، فلم يمتثل أمره أحد، ولم يقع مثل هذه المخالفة من قبل ولا من بعد، فلما استشارها رضي الله عنها في ذلك وقال: (هلك الناس) هونت عليه الأمر، وأشارت عليه بأن يخرج إليهم ويحلق رأسه وجزمت بأنهم لا يلبثون أن يقتدوا به؛ لأنهم يعلمون أنه صار أمرًا لا مرد له، ولأن تأثير العمل في القدوة أقوى من تأثير القول وحده، وكذلك كان، خرج فأمر الحلاق بحلق رأسه، فتنافسوا في التبرك بشعره، وبادروا إلى الاقتداء به. وكانت من أعلم أزواجه، وروى عنها كثيرون من الرجال والنساء، فهي تلي عائشة في كثرة الرواية والعلم وتفضلها في الروية والرأي. 6- جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: وفي سنة خمس تزوج برة بنت الحارث سيد بني المصطلق وسماها جويرية، وكان أبوها هو وقومه قد ساعدوا المشركين على المؤمنين في غزوة أحد سنة أربع، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجمع الجموع لقتاله، فخرج فالتقى الجمعان في المريسيع وهو ماء لخزاعة، فأحاط بهم المسلمون وأخذوهم أسرى بعد قتل عشرة منهم، وكانت برة بنت سيدهم في الأسرى، فكاتب عليها من وقعت في سهمه [6] ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فتعرفت إليه بأنها بنت سيد قومها، وذكرت لها سَبْيها واستعانته على كتابتها لتحرير نفسها، فقال: (أو خير من ذلك؟ أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك) قالت: نعم، ففعل، فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقوا جميع الأسرى والسبايا فأسلموا كلهم، فكانت أعظم امرأة بركة على قومها، وكان لهذا العمل أحسن التأثير في العرب كلها، وروي أن أباها جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يخيرها فسُرَّ بذلك، فخيرها فاختارت الله ورسوله، وكانت من أعبد أمهات المؤمنين، وروى عنها ابن عباس وجابر وابن عمر وعبيد بن السباق وابن أختها الطفيل وغيرهم. 7- صفية بنت حيي الإسرائيلية رضي الله عنها: وفي سنة ست تزوج صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية من ذرية نبي الله هارون أخي موسى عليهما السلام، كانت من بني النضير وأُسِرتْ بعد قتل زوجها في غزوة خيبر، فأخذها دحية في سهمه، فقال أهل الرأي من الصحابة: يا رسول الله إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك، فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل هذه السيدة بالرق عند من تراه دونها، فاصطفاها وأعتقها وتزوجها، كراهة لرق مثلها في نسبها وقومها، ووصل سببه ببني إسرائيل لعله يخفف مما كان من عداوتهم له، وروى الإمام أحمد أنه خيَّرها أن يعتقها وتكون زوجته أو يلحقها بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، وكان بلال قد مرَّ بها وبابنة عم لها على قتلى اليهود فصكت ابنة عمها وجهها وحثت عليه التراب وهي تصيح وتبكي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أنُزعَتْ الرحمة من قلبك حتى تمر بالمرأتين على قتلاهما) رواه ابن إسحاق، وفي حديث الترمذي أن صفية بلغها أن عائشة وحفصة قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا قلت: وكيف تكونان خيرًا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى) وقد لقبتها زينب مرة باليهودية احتقارًا لها، فهجرها النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملاً عقوبة لها، فتأمل هذه الشمائل المحمدية والتربية الإسلامية، روى عنها ابن أخيها وموليان لها وعلي بن الحسن بن علي عليهم السلام وغيرهم. 8- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموية رضي الله عنها: وفي سنة ست أو سبع تزوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموي أشد أعدائه تحريضًا عليه وحربًا له صلى الله عليه وسلم، وكان قومه بنو عبد شمس أعداء بني هاشم قوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تزوُّجُه بها تأليفًا له ولقومه، وقد كانت أسلمت بمكة وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصر زوجها هنالك وفارقها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها له وأصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسة، ولما عادت إلى المدينة بنى بها، ولما بلغ أبا سفيان الخبر قال: هو الفحل لا يقذع أنفه، فهو لم ينكر كفاءته صلى الله عليه وسلم، بل افتخر به؛ ولكنه ما زال يقاتله حتى يئس بفتح مكة، وكان من تأليفه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن قال: (من دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وقد آمن يومئذ رياء وتقية، ثم كان من تأليفه له صلى الله عليه وسلم بعد غزوة حنين أن أعطاه غنيمة هوازن مائة ناقة، فهذا التأليف بعد التأليف لأبي سفيان يدل على أن تزوجه صلى الله عليه وسلم ببنته كان لمثل ذلك على أن تركها أرملة مهينة بعد مصابها بتنصر زوجها وعداوة أبيها وأمها لم يكن يهون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنها ابنتها وأخواها وابن أخيها أو ابن أختها ومولياها وآخرون. 9- ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها: وفي أواخر سنة سبع تزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية وكان اسمها برة فسماها ميمونة، وكان ذلك في إبان عمرة القضاء وهي آخر أزواجه أمهات المؤمنين زواجًا وموتًا كما في بعض الروايات، وقد قالت فيها عائشة: أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم. ولم أقف على سبب ولا حكمة خاصة لتزوجه بها؛ ولكن ورد أن عمه العباس رغَّبه فيها وهي أخت زوجه لبابة الكبرى أم الفضل وهو الذي عقد له عليها بإذنها، ولولا أن العباس رأى في ذلك مصلحة عظيمة لما عني به كل هذه العناية لإرضاء امرأته، روى عنها أبناء أخواتها ومواليهم وآخرون أجلهم ابن عباس. وجملة القول: إنه صلى الله عليه وسلم راعى المصلحة في اختيار كل زوج من أزواجه عليهن الرضوان في التشريع والتأديب والمودة والتأليف وكفالة الأرامل والأيتام، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلَّم أتباعه احترام النساء وإكرام كرائمهن والعدل بينهن، وقرر الأحكام بذلك وترك من بعده تسع أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه من النساء دون الرجال، ولو ترك واحدة فقط لما كانت تغني في الأمة غناء التسع. ولو كان صلى الله عليه وسلم أراد بتعدد الزواج ما يريده الملوك والأمراء من التمتع بالحلال فقط لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات المكتهلات منهن، كما قال لمن استشاره في التزوج بامرأة ثيب: (هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك) وفي رواية زيادة (وتضاحكها وتضاحكك) وهو من حديث جابر في الصحيحين. وأذكِّر القارئ بأن تعدد الزوجات في ذلك العصر كان من الضروريات لكثرة القتلى من الرجال وحاجة نسائهم إلى من يكفلهن؛ لأن أكثر أهلهن من المشركين، فالمصلحة فيه للنساء لا للرجال إما بالكفالة والنفقة، وإما بالشرف والتكرمة؛ ولذلك كن يسعين أو يسعى الآباء أو غيرهن من الأقربين لمن يقتل زوجها أو يموت بكفؤ يتزوجها وإن كان له زوج أو أزواج غيرها كما فعل عمر بعرض بنته حفصة على أبي بكر وعمر. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان النساء يعرضن أنفسهن عليه، كما يعرضهن بعض أولي القربى منهن، وسيأتي بعض الروايات في ذلك، فهل يتصور أحد أن تعدد الزوجات كان في ذلك العهد هضمًا لحقوقهن، وقد أعطاهن الإسلام من الحقوق والتكريم ما أعطاهن، وناهيك بشرف التزوج برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي ما يؤيد ذلك كله. 33- سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في معاشرة نسائه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الكامل والأسوة الحسنة للرجال في حسن معاشرة أزواجه بالمعروف، والقسمة بينهن بالعدل في كل من المبيت والنفقة واللطف والتكريم، وفي احتمال غضبهن وغيرتهن، وتنازعهن بالأناة والرفق والموعظة الحسنة، وكان يزورهن كلهن صباحًا للوعظ والتعليم، ومساء للمجاملة والمؤانسة، وكن يجتمعن معه في بيت كل منهن، وكان يخدم في بيته ويقضي حوائجه بيده، قالت عائشة: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة له ولا خادمًا قط) [7] (وسُئلت: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة) [8] ولها أحاديث أخرى مفصلة في خدمته في بيته وقيامه بحاجة نفسه، ومن وصفها له: (كان ألين الناس وأكرم الناس، وكان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان بسامًا) [9] . وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر ضرب القرعة بينهن، إذ لا يمكن السفر بهن كلهن، وترجيح إحداهن يسخط سائرهن، وإن كان فيها من المرجحات ما يقتضي الترجيح، إذا لا يتساوى النساء في استعدادهن للسفر ومشقاته؛ ولكنه لما حج أخذهن كلهن معه. ولما مرض مرضه الأخير شق عليه أن ينتقل بين بيوتهن كل يوم كما كان يفعل في حال صحته، فكان يسأل (أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟) يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه كلهن أن يكون حيث شاء، فاختار بيت عائشة وفيه توفي [10] . وروي عنها أنه بعث في مرضه إلى نسائه فاجتمعن فقال: (إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذنَّ لي أن أكون عند عائشة، فأذِنَّ له) [11] ومن حكمة ذلك أن يدفن في بيتها، وقد كان صرح بأنه يدفن حيث يموت. ولما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة تبغي رضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها [12] وفي رواية عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنَّتْ وفرقت، أي: خافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل رسول الله ذلك منها) [13] . وقد كان لعائشة بنت الصديق رضي الله عنهما من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يكن لأحد من نسائه بعد خديجة رضي الله عنها، فكانت الحبيبة بنت الحبيب، وكانت هي أكثرهن إدلالاً عليه، وفي الصحيحين عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم إذا كنت راضية عني وإذا كنت علي غضبى، فقلت: من أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم! قلت: أجل، والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك) . وكان هذا الحب الطبعي الذي تعددت أسبابه أعظم دليل على عدله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه، فهو لم يكن يفضلها على أقلهن مزايا في الخلق والخلق والذكاء والنسب بشيء من النفقة أو المبيت أو حسن العشرة، ولذلك كان يقول في قسمه بينهن بالعدل: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) [14] يعني الحب ولوازمه الطبيعية غير الاختيارية، وما ابتلي الرجال بشيء أبعث على الجور والمحاباة كفتنة حب النساء؛ فإن الرجل الضعيف الدين والإرادة ليظلم أولاده ونفسه مرضاة لمن يحبها ولو أجنبية فكيف لا يظلم ضرتها؟ 34- تغاير نسائه صلى الله عليه وسلم وتحزبهن ومناشدتهن إياه العدل لما كان من طباع البشر أن العدل بينهم يغريهم بالمطالبة بأكثر من حقوقهم، والظلم يسكتهم على ما دونها ولا سيما النساء، ورأى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يفضل إحداهن على غيرها بشيء ما، إلا أن الناس يتحرون بهداياهم له يوم عائشة - رأين أن في هذا هضمًا لحقوقهن وكرامتهن، وإن كان هذا الهضم ليس من فعله صلى الله عليه وسلم وكان ينالهن من الهدايا كلهن فطالبنه بإنصافهن، وأغلظن في المطالبة وألحفن حتى أسكتهن بما يكرهن. قالت عائشة: إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلَّم حزب أم سلمة (أم سلمة) فقلن لها: كلِّمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس فيقول من أراد أن يُهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لهن شيئا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه، قالت: فكلمته حين دار إليها أيضًا فلم يقل لها شيئًا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته فقال لها: (لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة) قالت فقلت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: (إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى أن رسول الله لينظر إلى عائشة هل تكلم؟ فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وقال: إنها بنت أبي بكر) [15] يعني أنها مثل أبيها في الذكاء والعقل والحجة. ورواية مسلم عنها: (أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة - وأنا ساكتة - فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، قال: فأحبي هذه، فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن: ما نراك أغنيتِ عنَّا من شيء، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أر قط امرأة خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حدة فيها كانت تسرع منها الفيئة) (أي الرجعة إلى الحلم) ... إلخ. ولها مع زينب مهاترة أخرى ذكرها أنس ملخصها أن نساء النبي كن يجتمعن كل ليلة في بيت صاحبة النوبة منهن، فدخلت زينب بيت عائشة فمد إليها النبي صلى الله عليه وسلم يده، فقالت عائشة: إنها زينب فكف النبي صلى الله عليه وسلم فتقاولتا حتى ارتفعت أصواتهما، فمر أبو بكر فسمعهما فقال: يا رسول الله احثُ في أفواههن التراب، وجاءت الصلاة فخرج صلى الله عليه وسلم ولم يكلمهما؛ ولكن أبا بكر عاد بعد الصلاة فعنف عائشة [16] وهو المشهور بالحلم، وأين حلمه من حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ 35- غيرة أزواجه صلى الله عليه وسلم وصبره عليهن فيها الغيرة الزوجية غريزة أو عاطفة في الرجال والنساء، وهي فيهن أشد ولا سيما إذا تعددن عند الرجل، وكان يحابي بعضهن على بعض، ولئن كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن يغرن من عائشة لعلمهن بأنها أحب إليه، فلهي كانت أشدهن غيرة عليه، حتى كانت تغار من خديجة زوجه قبلها، وهي لم ترها كما تقدم، فكانت على شدة ما ترى من عدله ومساواته بين نسائه تطيع ما يوسوس إليها الشيطان إذا خرج من عندها في ليلتها أنه يذهب إلى غيرها، حتى تبعته مرة من حيث لا يشعر، فإذا هو قد ذهب إلى البقيع (مقبرة المدينة) يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء، قالت: فقلت: بأبي أنت وأمي! أنت في حاجة ربك وأنا في حاجة الدنيا، فانصرفت فدخلت حجرتي ولي نفس عالٍ ولحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما هذا النفس يا عائشة؟ فقالت: بأبي أنت وأمي أتيتني فوضعت ثوبيك، ثم لم تستتم أن قمت فلبستها فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع، فقال: يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله) [17] وخرج مرة قالت: (فغرت عليه أن يكون أتى بعض نسائه فجاء فرأى ما أصنع فقال: أغرت؟ فقلت: وهل مثلي لا يغار على مثلك؟ فقال: لقد جاءك شيطانك، قلت