من مقالاتنا في الرد على مجلة مشيخة الأزهر (تابع لما نشر في المجلد الثاني والثلاثين) البُهَيْتَة الرابعة من بهائت مجلة الأزهر: رد أحاديث البخاري في آية رجم الشيخ والشيخة تقدم في الكلام على البُهَيْتَة الثالثة ذكر ما عزاه محرر مجلة مشيخة الأزهر إلينا في هذه المسألة بما علم به أنه افتراء منه يوهم قراءها أنه نقله من المنار بنصه، وإننا نعيده هنا لأجل أن نتكلم في المسألة ببعض التفصيل، وهذا نص عبارته: عبارة الدجوي في نسخ آية الشيخ والشيخة المفتراة على صاحب المنار: قال في مناره الصادر في آخر رمضان سنة 1327 صفحة 697 من مجلد السنة المذكورة ما نعرض عليك محصله لتحكم فيه، وليتضح به الموضوع الذي نحن فيه، فإنه كالمقدمة له: رد الأحاديث التي في البخاري وغيره الناطقة بأن آية: (الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما ألبتة) كانت قرأنًا يُتْلَى، وإن عمر قال ذلك بمجمع من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، وهو معروف لا مِرَاء فيه، ويستند حضرته في ذلك الرد على ما تعرف منه مقدار علم الشيخ وتفكيره. يقول: (إن ذلك لو تَمَّ لكان يتخذ شبهة على القرآن من حيث حفظه وضبطه وعدم ضياع شيء منه. ولم يفرق الشيخ بين النسخ الذي يكون من قبل الشارع ولا يعرف إلا من جهته ولا يكون إلا في زمنه بإرشاده وتبيينه، وبين التفريط في القرآن وضياع شيء منه) انتهى قول الدجوي بحروفه. أقول: إن من قرءوا هذه العبارة في مجلة مشيخة الأزهر يظنون أن محرريها إذا جاز أن يخطئوا في فهم بعض ما ينقلون فإنه لا يعقل أن يفتروا (أي يتعمدوا الكذب) فيما ينقلونه عن غيرهم، ولا سيما إذا عينوا المكان الذي نقلوه عنه من كتاب أو مجلة بعدد مجلداته وصفحاته، وإذًا يكون ما نقله هذا المحرر، وهو من هيئة كبار العلماء المدرسين في الأزهر عن ص 697 من مجلد المنار الذي صدر في سنة 1327 هو كما نقله لا ريب فيه. وهو أن صاحب المنار صرح في تلك الصفحة برد ما رواه البخاري في المسألة باللفظ الذي ذكره الناقل، وأنه استدل على رده بما ذكره عنه بقوله: يقول: إن ذلك لو تم لكان كذا وكذا إلخ ما تقدم آنفًا. لا أقول هذا من باب الاستنباط العقلي فقط، بل أخبرني الثقة أنه وقع بالفعل قال قائل: إن الشيخ يوسف الدجوي قد افترى الكذب فيما عزاه إلى السيد رشيد، وزعم أنه نقله من كلامه. فقال له أحد المشايخ - وكانوا بجوار الأزهر -: إنه ليس من المعقول أن يكون مثل الشيخ يوسف الدجوي في مكانه من كبار علماء الأزهر ومدرسيه مفتريًا فيما نقله في مجلة المشيخة وعزاه إلى موضعه من مجلة المنار بالصفحة المعينة من المجلد المعين؟ ولكن غير المعقول عند أكثر الناس ممن يتحرون الصدق، هو واقع بالفعل ممن يتحرى الكذب، فإن الصفحة 697 من مجلد المنار المذكور ليس فيها ما عزاه إليها هذا المدرس في الأزهر والمحرر في مجلة مشيخته من مسألة الشيخ والشيخة، وإنما فيها إشارة إلى ما أنكره الدكتور محمد توفيق صدقي وغيره من نسخ التلاوة لبعض آيات القرآن في مناظرته مع الأستاذ الشيخ صالح اليافعي، ذكرتها في سياق الحكم في تلك المناظرة. ذلك بأنني أشرت إلى بعض ما رده جمهور العلماء من روايات الصحيحين لمخالفته للعمل أو لرواية أخرى أصح منها ثم قلت: فأولى وأظهر أن يجوز رد الروايات التي تتخذ شبهة على القرآن من حيث حفظه وضبطه وعدم ضياع شيء منه، ومثلت لذلك بكلمة وضعتها بين هلالين وهي (كالروايات في نسخ التلاوة) وقلت بعدها: ولا سيما لمن لم يجد لها تخريجًا يدفع الشبهة كالدكتور محمد توفيق صدقي وأمثاله كثيرون اهـ فقولي هذا حكاية لاشتباه ترتب عليه إنكار وقع، لا رد للحديث لاشتباه يتوقع، وهو مطلق في نسخ التلاوة، لا خاص بنسخ آية الرجم باللفظ الذي ذكره ولا بغيره. ومعلوم عند أهل النقل أنه ورد في نسخ التلاوة عدة روايات حتى قيل: إن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة أو أطول، ومنها هذه الآية، وزعم غلاة الروافض أن مما حذفه الصحابة رضي الله عنهم منها وادعوا أنه نسخت تلاوته آيات كثيرة في ولاية علي أمير المؤمنين عليه السلام إلخ؛ بل أقول: إن حديث عمر الذي رواه البخاري في مسألة رجم الزاني المحصن قد ذكر فيه شيء آخر مما نسخت تلاوته ولكن لم يذكر فيه الشيخ والشيخة إلخ. فأنا لم أزد في التمثيل لنسخ التلاوة الذي كان أهم موضوع المناظرة المذكورة بأكثر من كلمة (كالروايات في نسخ التلاوة) ولم أقل روايات البخاري ولا الصحيحين ولا غيرهما. وهذه الروايات من أعظم الشبهات حتى الرواية التي خصها محرر مجلة مشيخة الأزهر بالذكر، وزعم أنها في البخاري وليست فيه، والشبهات فيها متعدِّدة بعضها في سندها، وبعضها في موضوعها، فمنها اختلاف ألفاظها، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الأذن لعمر بكتابتها، ومنها أن عمر أنكر على أبي بن كعب إرادة كتابتها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم - ومنها أن عمر يخاف قول الناس في إظهار شيء يعتقده، ولا سيما كلام الله تعالى؟ وبعضها في حكمها وهو رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا مطلقا، وإنما الرجم على المحصن شيخًا أو شابًا. فهذا الإطلاق يخالف ما عليه العمل بالإجماع، وفي حديث عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الزاني غير المحصن الذي زنى بالمحصنة: إنه يحكم بينهما بكتاب الله تعالى، ثم حكم عليه بجلد مائة وتغريب عام وعليها بالرجم، والتغريب ليس في كتاب الله عز وجل، فكل هذا من مشكلات الرواية، وتأول بعضهم الإشكال الأخير بأن المراد به حكمه تعالى فيما أوحاه إلى نبيه غير القرآن، وروي عن ابن عباس أن آية الرجم في القرآن لا يغوص عليها إلا غواص. وإنني أذكر أهم ما قاله الحفاظ في زيادة (الشيخ والشيخة) في حديث عمر. إن البخاري لما روى حديث عمر في الرجم من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري ذكر أن سفيان قال: (كذا حفظت) وذكر الحافظ ابن حجر في شرح هذه الكلمة: أن الإسماعيلي أخرج هذا الحديث من رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري، وزاد فيه أن عمر قال عند ذكر آية الرجم: (وقد قرأناها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. فسقط من وراية البخاري هذه الزيادة. (ثم قال الحافظ ما نصه) : ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان كرواية جعفر ثم قال: لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث (الشيخ والشيخة) غير سفيان وينبغي أن يكون وَهِمَ في ذلك. (قلت) : وقد أخرج الأئمة هذه الحديث من رواية مالك ويونس ومعمر وصالح بن كيسان وعقيل وغيرهم من الحفاظ عن الزهري فلم يذكروها اهـ. المراد من كلام الحافظ. وأقول: إن قول البخاري: (قال سفيان كذا حفظت) يدل على أن رواية جعفر الفريابي عنه هذه الزيادة (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة) غير صحيحة؛ إذ لو كان سمعها من الزهري لما قال: كذا حفظت - ولهذا قال الحافظ لعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا. وأما النسائي فإنه لما ذكر رواية جعفر الفريابي عن سفيان أنكر هذه الزيادة التي انفرد بها قال: وينبغي أن يكون وهم في ذلك - فالبخاري ينفيها عن سفيان، والنسائي يخطئه بها، وسفيان من أئمة رواة الحديث والفقه فيه، ولكنه تغير في آخر عمره، وكان يدلس أيضًا. وإنني لأعجب أن أرى محرر مجلة المشيخة من هيئة كبار علماء الأزهر يتصدى للطعن علينا برد شيء من أحاديث البخاري من غير أن يكلف نفسه مراجعة البخاري فيما يعزوه إليه منها، على علمه بضعف إلمامه بالسنة وقلة اطلاعه على ما في الصحيحين منها فضلا عما دونهما، فيا ليت شعري ألا يشعر بضعفه؟ أم يظن أن النقل عن صحيح البخاري كالنقل عن المنار؟ إذا قلنا للناس في الجرائد: إن هذا النقل غير صحيح يقل فيهم من يملك مجلدات المنار القديمة ليراجع الصفحات التي يعزو إليها ما ليس فيها فيعلم كذبه في النقل عنها؟ ولكن صحيح البخاري يوجد في كل مكتبة إسلامية عامة أو خاصة إلا ما ندر فمن شاء، فليراجع الحديث في كتاب الحدود منه، وشرح الحافظ ابن حجر له في الجزء الثاني عشر منه؛ ليعلموا جهل الدجوي وكذبه فيما عزاه إليه. * * * استطراد في فضحية مجلة الأزهر لعلمائه في الجهل بعلوم الحديث ونصيحة المنار لها إنني نصحت لمجلة مشيخة الأزهر في تقريظي لها عقب ظهورها بأن تعنى بما قصر فيه الأزهريون في هذا العصر من علم الحديث؛ إذ رأيت فيها إنكارًا لوجود حديث نبوي بمعنى تأييد الله لهذا الدين بمن ليس من أهله، وذكرت لها حديث الصحيحين وغيرهما في ذلك، واقترحت عليها أن لا تذكر حديثًا إلا مقرونًا بتخريجه ودرجته، وهي على قبولها للنصيحة في الجملة سمحت للشيخ يوسف الدجوي بأن يخبط فيما يكتبه خبط عشواء بل عمياء، فيكذب في النقل حتى العزو إلى صحيح البخاري، ويصحح الموضوعات والواهيات، ولما أنكرت عليه بعض هذا الخبط انتقم مني بما علمه القراء. وكان سبب هذا أن أحد طلاب العلم النجديين آلمه إسراف هذا الشيخ في الطعن على قومه وأهل مذهبه بالباطل في مجلة المشيخة فألف كتابًا في الرد عليه سماه (البروق النجدية، في اكتساح الظلمات الدجوية) وكان مما أنكره عليه أنه أورد في باب تجهيله إياه في علم الحديث أنه استشهد بحديث توسل آدم أو سؤاله ربه بحق محمد صلى الله عليه وسلم أن يغفر له، وزعم أن الحافظ الذهبي أقر الحاكم راويه على تصحيحه، والحال أن الحافظ الذهبي أنكر تصحيحه بل قال: إنه موضوع، ففضحه المجاور النجدي في زعمه هذا، بل هدم بكتابه ما كان له من صيت في الأزهر انتقل إلى غير الأزهر. كبر على الشيخ الدجوي أن يرد عليه ويجهله طالب نجدي (وهابي) وكبر ذلك على الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر أيضًا فقطع رزق الطالب النجدي من الأزهر وأمر بقطع انتسابه فيه، وحاول الدجوي الرد على النجدي من غير ذكر اسمه في مجلة الأزهر حتى في مسألة وضع هذا الحديث، فأخذ يماري فيه بما اعتاده في دروسه، بل ادعى أنه صحيح. وأفضى ذلك إلى سؤال بعض مجاوري الأزهر إياي عن ذلك فبينت له خطأ الدجوي في مرائه هذا من بضعة وجوه بالإجمال ثم فصلتها ونشرتها في الجزء الرابع من مجلد المنار (32) واعتذرت عن ذلك بقولي: (أصر الأستاذ الدجوي على القول بتصحيح هذا الحديث والتفصي من قول الحافظ الذهبي: إنه موضوع بالمغالطة والتأويل، وقد سألني بعض مجاوري الأزهر عن رأيي في رده فقرأته على تحامي قراءة هذا المجلة لئلا أراني مضطرًّا إلى ما لا أحبه من الرد على ما أنكره فيها، فبينت للسائل خطأه فيه إجمالاً وإنني أذكره هنا استطرادًا) . ثم بينت خطأه في عدة صفحات فكان هذا هو الذي هاجه عليَّ هذه الهيجة الشؤمى عليه؛ لأنها أظهرت من حقيقته للناس ما لم يظهره كتاب الطالب النجدي، بل جرأه هذا على الطعن في الحافظ الذهبي وجماعته من أهل الحديث في رسالته البذيئة، ووضعهم مع شيخ الإسلام ابن تيمية، واتهمهم فيها كما اتهمني بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ جاء في حاشية صفحة 23 منها أنه يعجبه قول بعض الأفاضل: لو كان قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) حديثًا لقال الذهبي وجماعته: إنه موضوع (!) فمن هذا الفاضل الذي يقول في أعلم حفاظ السنة في عصره بنقد الحديث وتمحيص أسانيده هذا القول؟ إلا أنه ينبغي أن يكون الشيخ الدجوي هو القائل لتلميذه ناشر الرسالة ذلك التقول أو يكون تلميذه هو القائل له، وهل يتجرأ على هذا الجهل إلا مثلهما؟ فإن كان شمس الإسلام الذهبي حافظ الأمة وفخرها قد بلغ من عداوته وبغضه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخون علم سنته ويكذب كل بيان لمناقبه وفضائله من الأحاديث فيجعله موضوعًا، وإن كان سنده صحيحًا كما يزعم هذا المغرور باسم الأزهر - أفلا يكون لي سلوى عما افتراه عليَّ من هذا القبيل؟ كلا بل لي الشرف بأن أكون معهم فإنهم ممن أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم من أعداء السنة وحملتها ولا الضالين الجاهلين بها. على أنه لم يطعن في ابن تيمية والحافظ الذهبي وحدها بل ضم إلى الثاني جماعته وقال: إن لابن السبكي كلامًا كثيرًا عنهما. وإنما ابن السبكي تلميذ الذهبي يفتخر به ويقول في ترجمته من طبقاته: إن حفاظ عصره أربعة المزي والبرزالي والذهبي ووالده (تقي الدين السبكي) ثم يقول: وأما أستاذنا أبو عبد الله (الذهبي) فنظير لا نظير له، وكبير هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها، وكان محط رحال المعنت، ومنتهى رغبات من تعنت، تعمل المطي إلى رحاله، وتضرب اليزل المهارى أكبادها فلا تبرح أو تقبل نحو داره، وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة، جزاه الله عنا أفضل الجزاء إلخ. فالتاج السبكي هذا يفتخر بأنه من جماعة الحافظ الذهبي، فهو من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الدجوي وتلاميذه أعداء السنة وأنصار البدعة؟ وحسبي هذا الذي كتبته في الموضوع؛ إذ لا فائدة للأمة في تمحيص هذه الروايات وبسطها في الجرائد التي يقرؤها العوام والخواص، وفيها ما فيها من الشبهات والمشكلات، وحسبي من الرد على محرر مجلة الأزهر أن يعلم الناس أنه بهتني بما افتره عليَّ على علم، وما كذبه على صحيح البخاري بغير علم. فإن عاد إلى القيل والقال في أمثال هذه المسائل التي لا يفقهها فإنني أتحدى مشيخة الأزهر من دونه تحديًا ثانيًا في علم الحديث والقرآن وخاصة هذه المسألة. * * * المقال الحادي عشر (البهيتة الخامسة ما سماه سحر النبي صلى الله عليه وسلم) قال محرر مجلة مشيخة الأزهر بعد ما تقدم في مسألة الشيخ والشيخة: (ثم رد الحديث الذي رواه البخاري في سحر النبي صلى الله عليه وسلم رد ذلك بتمويهات وخيالات لا نطيل بها) اهـ لفظه، وفي إضافة السحر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما فيها من سوء التعبير وسوء الأدب. وأما عبارة المنار فهذا نصها: ومثل الرواية في سحر بعض اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ردها الأستاذ الإمام ولم يعجبه شيء مما قالوه في تأويلها، فإن نفس النبي صلى الله عليه وسلم أعلى وأقوى من أن يكون لمن دونه تأثير فيها؛ ولأنها مؤيدة لقول الكفار: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} (الفرقان: 8) هو ما كذبهم الله تعالى فيه بقوله بعده: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} (الفرقان: 9) ا. هـ. فعلم من هذا أنني ناقل لهذه المسألة عن الأستاذ الإمام: ولست أنا الذي رددت الحديث فإسناد الرد إليَّ بَهْتٌ لِيَ وافتراء عليَّ، ولما قلت في مقال سابق: إنني ناقل لهذه المسألة ومسألة الملائكة عن الأستاذ الإمام طفق المفتري يهجوني في رسالته ومقالاته بأنه لا يليق بي أن أتنصل من ذلك وألقي تبعته على أستاذي، بل يجب أن أترك الأستاذ الإمام بمعزل من موجبات الطعن والتكفير الموجهين إليَّ، وأحمل تبعة ذلك بنفسي) كأن الحق وأمانة النقل والصدق في القول من المنكرات المذمومة عند الأستاذ الدجوي، أو مما يبيح فن المناظرة عنده أن تحل محلها أضدادها وهي اتباع الباطل والخيانة في النقل والكذب في القول، وقد بلغ به الهرب والهزيمة من توجيه الطعن إلى الأستاذ الإمام لاتفاق الأمة على إجلاله أن جعل نقلي عنه التفسير في حياته موضع التهمة! ! ! لعله يندر أن يوجد في الدنيا خيال كخيال الدجوي سابح في دُجَى الأوهام يتصور أن ينقل صاحب المنار عن الأستاذ الإمام في حياته أنه قال في درسه في الأزهر كذا، وأن بعض الناس اشتبهوا في هذا القول فرد عليهم بكذا، أو أن يقول: إنني أنقل من خطه كذا، ويكون نقله هذا غير صحيح، مع العلم بأن المنقول عنه كان يقرأ ذلك كما يقرؤه كثير ممن حضروا دروسه في الأزهر، بل مع العلم بما كان من قوة الصلة والثقة بين صاحب المنار والأستاذ الإمام حتى إن أمير البلاد بذل جهده في التفريق بينهما فلم يستطع إلى ذلك سبيلا مع أحد منهما. ولا يزال في الأحياء من يعلم دخائل هذه المسألة كفضيلة الأستاذ الشيخ محمد شاكر الذي كلفه الخديو أن يكلم الأستاذ الإمام بأن يترك صحبة صاحب المنار ليرضى عنه سموه ويساعده على ما يشاء من إصلاح الأزهر، فقال رحمه الله للشيخ شاكر: وكيف أترك صحبة السيد رشيد رضا وهو ترجمان أفكاري؟ وتفصيل هذه المسألة وأمثالها في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام - بيد أن الشيخ الدجوي يريد أن يقنع قراء كلامه أن نقل صاحب المنار عن الشيخ محمد عبده قد يكون غير صحيح ليحصر طعنه فيه ويسلم من سخط الجمهور. ولكن القراء قد علموا أن نقل الدجوي عن المنار غير صحيح، بل كذب صريح، وكذا نقله عن البخاري. فكيف يعبئون بتشكيكه فيما ينقله عن أستاذه حتى في حياته؟ ثم ماذا يقولون في مسألة السحر وهي مدونة في تفسيره رحمه الله لجزء عم الذي طبعته الجمعية الخيرية في أيام حياته بعد وفاته؟ قد علم القراء أنني ذكرت هذه المسألة وغيرها في مقالة المنار المشار إليها من باب التمثل لما أنكره العلماء الباحثون من الروايات حتى التي صحَّحها الشيخان أو أحدهما لا من باب ما أنكره أنا من ذلك. وإنني أذكر لهم هنا نص ما كتبه الأستاذ في المسألة من تفسيره لسورة الفلق من ذلك الجزء لا من المنار ولا من تفسيره: عبارة الأستاذ الإمام في مسألة السحر: (وقد رووا ههنا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك وأخرجت مواد السحر من بئر وعوفي صلى الله عليه وسلم مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة) . (ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه عليه السلام حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه فعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخِذٌ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} (الإسراء: 47) وليس المسحور عندهم إلا من خُولِطَ في عقله، وخُيِّلَ له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه. وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين؛ لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر. فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلد بدعة؟ نعوذ بالله، يحتج بالقرآن على ثبوت السحر ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وسلم وعده من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك! ! مع أن الذي قصده المشركون ظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه عليه السلام، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم. والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما ينفيه، وقد جاء بنفي السحر عنه عليه السلام حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبخهم على زعمهم هذا، فإذن هو ليس بمسحور قطعًا، وأما الحديث فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون، على أن الحديث الذي يصل إليها من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبي في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئًا نزل عليه وهو لم ينزل عليه، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان. ثم إن نفي السحر عنه لا يستلزم نفي السحر مطلقًا فربما جاز أن يصيب السحر غيره بالجنون نفسه، ولكن من المحال أن يصيبه؛ لأن الله عصمه منه، ما أضر المحب الجاهل، وما أشد خطره على من يظن أنه يحبه، نعوذ بالله من الخذلان. على أن نافي السحر بالمرة لا يجوز أن يُعَدَّ مبتدعًا؛ لأن الله تعالى ذكر ما يعتقد به المؤمنون في قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} (البقرة: 285) الآية، وفي غيرها من الآيات، ووردت الأوامر بما يجب على المسلم أن يؤمن به حتى يكون مسلمًا، ولم يأت في شيء من ذلك ذكر السحر على أنه مما يجب الإيمان بثبوته أو وقعه على الوجه الذي يعتقد به الوثنيون في كل ملة، بل الذي ورد في الصحيح هو أن تعلم السحر كفر، فقد طلب منا أن لا ننظر بالمرة فيما يعرف عن الناس بالسحر ويسمى باسمه، وجاء ذكر السحر في القرآن في مواضع مختلفة، وليس من الواجب أن نفهم منه ما يفهم هؤلاء العُمْيَان، فإن السحر في اللغة معناه صرف الشيء عن حقيقته. قال الفراء في قوله تعالى: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (المؤمنون: 89) أي أنى تؤفكون وتصرفون، سحره وإفكه بمعنًى واحد. وماذا علينا لو فهمنا من السحر الذي يُفَرِّقُ بين المرء وزوجه تلك الطرق الخبيثة الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته، والزوجة عن زوجها؟ وهل يبعد أن يكون مثل هذه الطرق مما يتعلم وتطلب له الأساتذة، ونحن نرى أن كتبًا ألفت ودروسا تلقى لتعليم أساليب التفريق بين الناس لمن يريد أن يكون من عمال السياسة في بعض الحكومات؟ وقد يكون ذكر المرء وزوجه من قبيل التمثيل وإظهار الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد أن يتمكنوا به من التفريق بين المرء وزوجه؟ وسياق الآية لا يأباه. (وذكر الشياطين لا يمنعنا من ذلك بعد أن سمى الله خبثاء الإنس المنافقين بالشياطين قال: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} (البقرة: 14) وقال: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} (الأنعام: 112) وسحر سحرة فرعون كان ضربًا من الحيلة، ولذلك قال: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (طه: 66) وما قال: إنها تسعى بسحرهم. قال يونس: تقول العرب ما سحرك عن وجه كذا أي ما صرفك عنه. ولو كان هؤلاء يقدرون الكتاب قدره ويعرفون من اللغة ما يكفي لعاقل أن يتكلم، ما هذروا هذا الهذر، ولا وصموا الإسلام بهذه الوصمة، وكيف يصح أن تكون هذه السورة نزلت في سحر النبي صلى الله عليه وسلم مع أنها مكية في قول عطاء والحسن وجابر، وفي رواية ابن كريب عن ابن عباس، وما يزعمون من السحر إنما وقع في المدينة؟ لكن من تعود القول بالمُحَال، لا يمكن الكلام معه بحال، نعوذ بالله من الخبال) اهـ بحروفه. هذه حجة الأستاذ الإمام على إنكاره لوقوع السحر على تلك النفس القدسية العليا التي كانت تتصل بروح الله الأمين، وتتلقى منه كلام رب العالمين، فهو يُجِلُّهَا أن يؤثر فيها سحر ذلك اليهودي الرجيم، الذي كان يستعين كغيره على سحره بأرواح الشياطين، ولم يقبل في ذلك رواية الراوين، وإننا لم نر من علماء الملة متقدميهم ومتأخريهم من بيَّن لنا من فضل تلك النفس الزكية العلوية، والشخصية الشريفة المحمدية ما بيَّنه لنا هذا الإمام الجليل في رسالة التوحيد، وفي دروسه ومجالسه العلمية كما شرحناه في الجزء الأول من تاريخه. * * * بحث في أقوال من أنكر حديث السحر ومن أثبته هذا وإن علماء المعقول وجهابذة الأصول قد أنكروا وقوع السحر عليه صلى الله عليه وسلم من قبل الأستاذ الإمام، وأنكره من علماء التفسير والفقه مثل أبي بكر الجصاص من أئمة الحنفية، وقد قال العلامة ابن القيم بعد الجزم بصحة سند الحديث ما نصه: وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب وصنَّف بعضهم فيه مصنفًا مفردًا حمل فيه على هشام (أي راويه عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة) وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال: غلط واشتبه عليه الأمر، ولم يكن من هذا شيء - قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يسحر.... إلخ. أقول: أما علماء الروايات فليسوا ممن يطلب منهم معرفة هذه الحقائق في نقد المتون، وأما علماء المناقشات اللفظية التي غلبت على الأزهر في القرون الأخيرة فقد أجاب بعضهم عن استدلال المنكرين بقوله تعالى: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} (الفرقان: 8) وتفنيده تعالى لقولهم بالآية التي بعدها بما خلاصته أن المراد بالمسحور فيها ذا السَّحَر (بفتح السين) أي الرئة، والمعنى ما تتبعون إلا بشرًا له رئة قال ابن القيم: (وهذا الجواب غير مرضي، وهو في غاية البعد، فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور، ولا يُعْرَف هذا في لغة من اللغات) وأطال في بيان هذا، واستدل عليه بقول فرعون لموسى: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً} (الإسراء: 101) قال: أفتراه ما علم أن له سَحَرًا وأنه بشر؟ (أي إلا في تلك الساعة) ثم كيف يقول له موسى: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} (الإسراء: 102) ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصَدَّقَه موسى، وقال: نعم أنا بشر، ولكن الله أرسلني إليك كما قالت الرسل لأقوامهم. (ثم قال) : وأجابت طائفة منهم ابن جرير وغيره بأن المسحور هنا هو معلم السحر الذي قد علمه إياه غيره، فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي عالم بالسحر . وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة، وهو أن من علم السحر يقال له مسحور، ولا يكاد يُعْرَف هذا في الاستعمال ولا في اللغة، وإنما المسحور من سحره غيره كالمطبوب والمضروب والمقتول. (ثم قال) : فالصواب هو الجواب الثالث، وهو جواب صاحب الكشاف وغيره أن المسحور على بابه وهو من سحر حتى فقالوا مسحور مثل مجنون، زائل العقل لا يعقل ما يقول، فإن المسحور الذي لا يُتَّبَعُ هو الذي فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول إلخ. وأقول: إنه لولا إرادة قبول رواية السحر، والجمع بينها وبين براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يليق به من كونه مسحورًا بشهادة الله وشهادة العقل وعلم النفس، لما تكلف الزمخشري عَلاَّمة اللغة أن يحمل معنى السحر هنا على غاية درجاته التي قلَّمَا تقع وهي الجنون، ولما قبل ذلك ابن القيم علاَّمة المنقول والمعقول - فإن رمي الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم بلقب مجنون، هو غير نبزه بلقب مسحور، وقد ذكر في مواضع من القرآن، فدل ذلك على أنهم يعنون بالمسحور ما دون المجنون من المخبولين، بل نقل البخاري عن سفيان بن عيينة أحد رواة هذا الحديث أنه قال في وصف عائشة لذلك السحر بما سنذكره: وهذا أشد ما يكون من السحر. ونرى أكثر العلماء قد استقر جوابهم على أن السحر الذي وقع هو عبارة عن التأثير في جسمه صلى الله عليه وسلم دون نفسه الشريفة الزكية العلوية، فهو كجرحه يوم أحد، وقالوا كلهم كغيرهم: إن الأنبياء تجوز عليهم جميع الأمراض البدنية، وقد قتل بعضهم. وهذا صحيح ولكن الروايات كلها مصرِّحَة بأن تأثير السحر المزعوم كان في نفسه وإدراكه وتصوره صلوات الله وسلامه عليه لا في جسده - من وجع رأس أو بطن أو يد أو رجل - بل فيها أنه كان يخيل إليه أن يفعل الشيء ولم يكن فعله حتى إتيان أهله الذي يترتب عليه أحكام شرعية - فهل هذا من الأمراض الجسمية؟ وليعلم القراء أن أمثال هذه المشكلات في الروايات لا يهتدي إلى تحقيق الحق فيها إلا الذي يعطي لعقله حرية الاستقلال فيما قاله أصناف العلماء. فعلماء الرواية هم أعلم من علماء الأصول الاعتقادية والفقهية بنقد رجال الأحاديث، وهؤلاء أعلم من المحدثين بنقد المتون، وما يوافق المعقول وأصول العقائد منها وما لا يوافقها، وقد اتفق الفريقان على أن ليس كل ما صح سنده من الأحاديث المرفوعة يصح متنه ؛ لجواز أن يكون في بعض الرواة من أخطأ في الرواية عمدًا أو سهوًا، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه باطلاً، بل قالوا: إن الموضوع من حيث الرواية قد يكون صحيحًا في الواقع، وإن الصحيح السند قد يكون موضوعًا في الواقع. وإنما علينا أن نأخذ بالظواهر مع مُرَاعاة القواعد، فما صح سنده قبلنا روايته وحكمنا قواعد الاعتقاد ودلائل العقل والعلم في متنه إن كان مشكلاً، وما كان غير صحيح السند لا يجوز لنا أن نسميه حديثًا نبويًّا، وإن كان معناه صحيحًا. ونحن قد اتبعنا في المنار هذه القواعد كلها في حل مشكلات الأحاديث كما صرحنا به في مواضع من المنار والتفسير، ولعلنا نكتب فيه مقالاً خاصًّا. وإن لنا في هذا الحديث كلمتين: (إحداهما) في سنده، وهي أن الذين أَعَلُّوا الحديث بهشام بن عروة ورد عليهم العلامة ابن القيم باتفاق الجماعة على تعديله - لهم وجه وجيه، ومستند من أقوال أئمة الجرح والتعديل، فقد قال بعضهم: إن هشامًا كان في العراق يرسل عن أبيه عروة ما سمعه من غيره، وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه وقد نقم منه حديثه لأهل العراق، وقال ابن القطان: تغير قبل موته ا. هـ فالقول بوقوع خطأ منه أهون من قبول روايته هذه، وهو أوثق مَن روى هذا الحديث. (الثانية) في متنه، وهو أن الروايات عن عائشة تدور على أمر واحد وهو ما يتعلق بالنساء فقولها كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، كناية عن ذلك الأمر، حياء من التصريح به على أنها صرحت في رواية أخرى فظن بعض الرواة أنه عام في كل فعل فعَظُمَتِ الشبهة فيه على علماء الأصول والعقائد، ويؤيد حصر التأثير فيما ذكر في طبقات ابن سعد عن ابن عباس: مرض النبي صلى الله عليه وسلم وأُخِذَ عن النساء والطعام والشراب، وفي مرسل يحيى بن يعمر عن عبد الرزاق: سحر النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة حتى أنكر بصره. فجملة القول أنه مرض مرضًا أثر في الجهاز الهضمي والجهاز التناسلي فقط، وما زالت الناس تعد هذا من أنواع السحر، ويعبر عنه العوام في زماننا بالعقد، ويسمون الواقع عليه (معقودًا) وكانت العرب تسميه مَطْبُوبًا، وهو من نوع تأثير الأنفس بعضها في بعض كالتنويم المغناطيسي أو الاستهواء في عصرنا، وقد بيَّنا هذا النوع وسائر أنواع السحر في تفسير سورة الأعراف. وكان قد سبق لي في عهد اشتغالي بالروحانيات أن كنت أكتب نشرة للمصابين بهذا السحر فتنفعهم، وربما كان جُلُّ هذا النفع من تأثير الاعتقاد الحسن، وكان هذا الاعتقاد وحسن الظن فينا عامًّا في بلادنا حتى في النصارى الذين يعرفوننا. ومن المقرَّر عند العلماء المتقدمين والمتأخرين أن هذا التأثير لا يكون إلا من نفس ذات إرادة قوية في نفس ذات إرادة ضعيفة، وأن الأنفس الخبيثة الضارة لا يمكن أن تؤثر في الأنفس الزكية العالية، وهذا ما اعتمد عليه شيخنا في إنكار سحر اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم من الوجهة العقلية مهما يكن نوع السحر. وقد كان العلامة ابن القيم يعلم هذا، وقد بيَّنه في مواضع من الكلام في الأمراض البدنية والنفسية وعلاج كل منهما في كتابه (زاد المعاد، في هدي خير العباد) فننقل عنه الفصل الآتي بنصه، قال: (فصل) ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات وِرْدٌ لا يُخِلُّ به يطابق فيه قلبُه لسانَه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه، وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي، ومَن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية، والدعوات والتعوذات النبوية، وبالجملة فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات. قالوا والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقًا بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعُدَّةِ التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عُدَّةَ معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره والله أعلم اهـ. وقد لخص الحافظ ابن حجر هذا الفصل في الكلام على حديث السحر من الفتح، وتعقبه بقوله: ويعكر عليه حديث الباب وجواز السحر على النبي صلى الله عليه وسلم مع عظيم مقامه وصدق توجهه وملازمته ورده، ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وإنما وقع به صلى الله عليه وسلم لبيان تجويز ذلك، والله أعلم اهـ. أقول: فأنت ترى أن الحافظ يرى أن القاعدة التي بَيَّنَهَا ابن القيم صحيحة في نفسها وأن الأنفس الشيطانية لا سلطان لها على الأنفس العالية القدسية، ويُنْقَضُ اطرادُها بإثبات الرواية لتأثير السحر في أشرف النفوس وأعلاها فيجعلها أغلبية، وإنما يتصور نقض القاعدة فيما دون هذه النفس العليا من الأنفس الشريفة، ولكن الحافظ عفا الله عنه من الرجال التي انحصرت قوة تحقيقهم في الروايات وحفظ ما قاله أهل الجرح والتعديل في أسانيدها وسائر العلماء في متونها، والترجيح بينها بمقتضى قواعدهم التي هي آراء لهم. فبضاعته ضعيفة في تحقيق مسائل المتون، وبنائها على قواعد المنقول والمعقول، حتى إنه رجح أن لرواية الغرانيق أصلاً بما حفظه من تعدُّد طرقها، وبقاعدتهم في تقوية الروايات الضعيفة والمُنْكَرَة بتعدد الطرق مع تصريحه بأن جميع تلك الطرق ضعيفة، وغير متصلة، فإذا كان لا يحتج بشيء منها في أحكام النجاسة والطهارة، أفيعتد بها في أصل أصول العقيدة؟ ورواية الغرانيق أفظع ما رواه الرواة في الطعن على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وبرأه مما قالوا في تبليغ الرسالة الذي أجمعوا على عصمته فيه، فترى فيما اعتمده الجلال المحلي منها واقتصر عليه في تفسيره أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى من أصنام العرب في قراءته لسورة النجم جملة: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) وهو عين ما يعتقده المشركون والعياذ بالله تعالى، وقد فنَّد هذه الرواية المحققون من ناحيتي الرواية والدراية، وبيَّن ذلك شيخنا الأستاذ الإمام أحسن بيان، بما نشرناه في المنار، ونعيد طبعه كل مرة مع تفسير سورة الفاتحة. ومن عجائب جهل المتأخرين المقلدين لأمثالهم من المقلدين لأنهم أوسع منهم اطلاعًا أو جدلاً أن القاعدة عندهم تقديم ما اعتمده المتأخرون على غيره، وإن خالف كلام الأئمة المتقدمين، وتقليد الميتين، وإن كان مخالفًا لأصول الدين، وماسًّا بكرامة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم كما أنهم يقبلون في باب مناقبه صلى الله عليه وسلم ومناقب من دونه من الصالحين ما يخل بتنزيه رب العالمين، ويخالف المُجْمَع عليه من توحيده عز وجل ودعائه والاستغاثة به عند الشدائد، يبيحون هذه العبادة لغير الله تعالى، ويتأولون لها آيات القرآن الصريحة، فخرافات العوام، ولا سيما القبوريين عندهم مقبولة، وبدع المؤلفين المقلدين حجج متبعة، وكلام المحققين في عصمة الرسول وتنزيهه عن الروايات المنافية لعصمته وغير اللائقة بكماله أوهام مردودة، وآيات القرآن المحكمة في صفات الله وعالم الغيب حتى آيات التوحيد مؤولة، وهذا ما جرت عليه مجلة مشيخة الأزهر التي سمتها (نور الإسلام) والذي تولى كبره من علمائها ومحرريها هو الشيخ يوسف الدجوي الذي يصحح بدع العوام، ويتأول لتصحيحها نصوص القرآن، كما سنبينه بعدُ، إن شاء الله تعالى. وجملة القول في مسألة السحر أن هذه المحرر الثقة عند المشيخة رغم أن صاحب المنار رد حديث السحر المذكور بتمويهات وخيالات لا يطيل هو بها، وإنما بهته لنا إيهامه قراء كلامه أن صاحب المنار قد انفرد بهذه الجرأة على رد حديث البخاري! وقد علم القراء أن كثيرًا من العلماء المتقدمين قد ردوه قبل الأستاذ الإمام، ولكن بدون أدلته - وأنه يعني بالتمويهات والخيالات ما أشرنا إليه من الحقائق العالية التي عزوناها إلى الأستاذ الإمام، في إعظام شأن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام. وإننا على هذا قد مَحَّصْنَا أقوال علماء المعقول والمنقول في الرواية متنًا وسندًا بما يهون فيها أمر منكري الرواية بما قيل في هشام، وبما يرجع أجوبة مثبتيها إلى كون التأثير الذي وقع على قولهم هو خاص بمباشرة الراوية له (عائشة) على أن أستاذنا (رحمه الله تعالى) فوض الأمر في تأويل الحديث لأهله، ولم يرد روايته كغيره. * * * المقال الثاني عشر البُهَيْتَة السادسة ما سماه إفتاء التلاميذ المسلمين بالصلاة مع النصارى في الكنائس وتعليله بقوله: (ليغرس في قلوبهم النقية تلك الطقوس النصرانية وينقش في نفوسهم الساذجة ما يسمعونه من القسوس والمبشرين هناك) اهـ. بحروفه. كل بُهَيْتَة من المفتريات التي بهتنا به الشيخ يوسف الدجوي في مجلة الأزهر كان لها شبهة منتزعة من المنار أو تفسيره بضرب من التحريف بالزيادة أو النقصان، وجعل المنقول مقولا للناقل ومذهبًا له، وتفسيره بغير معناه، وإضافة شيء من الكذب أو اللوازم الباطلة إليه. وأما هذه البهيتة فهي الفرية المفضوحة التي لا تستند إلى أدنى شبهة، بل هي قذف لنا بضد ما كنا عليه في موضوعها، وخلاف ما قررناه وما كررناه فيه وفي وقائعه. ومن غرائب الجرأة على الكذب الصريح، والبهتان المفضوح أن يعزوه إلى منار شعبان من المجلد 12 (سنة 1327) ليصدقه قراء مجلة الأزهر كما تقدم، وإنني أنقل من ذلك المجلد بعض ما نشرته فيه خاصًّا بهذا الموضوع بعد مقدمة وجيزة. إنني زرت سورية في سنة 1326 هـ (الموافقة سنة 1908م) بعد إقامة 12 سنة في مصر لم أزرها فيها، وكان ذلك عقب إعلان الدستور في البلاد العثمانية الذي نفخ شيئًا من روح الحرية فيها فحمل طلاب العلم من المسلمين في المدرسة الكلية الأميركانية ببيروت على الثورة على نظام المدرسة الذي يُكْرِههم على دخول كنيسة المدرسة وسماع المواعظ النصرانية فيها وحضور صلاتهم فيها، وهي عبارة عن أدعية مأثورة عندهم، وكنت وقتئذ في بيروت فدافعت عن هؤلاء الطلبة وقويت عزائمهم على الامتناع من حضور صلاة النصارى، والاعتصام بعروة الإسلام الوثقى، فمن ذلك أنني جمعت هؤلاء الطلبة في مسجد رأس بيروت وخطبت فيهم خطابًا نشرته في الجزء الأول من المجلد الذي صدر في المحرم سنة 1327 قلت في آخره ما نصه: (إنكم لم تقصدوا بما كان منكم إلا إرضاء ضمائركم، والمطابقة بين عقائدكم وأعمالكم، فحسبكم أن يتم لكم ذلك بالهدوء والسكينة والأدب، وإني أُجِلُّكم عن قصد العناد لرؤسائكم وأساتذتكم أو الجنوح للاستعلاء بالظفر لذاته) . (وأوصيكم بالمحافظة على الصلوات الخمس ولو منفردين في حجراتكم وبالحرص على صلاة الجماعة كلما تيسر لكم ذلك ولو على أرض حديقة المدرسة فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (جعلت ليَ الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا) [1] (إنكم قمتم بواجب ديني سلبي وهو الامتناع من دخول الكنيسة لسماع تعاليم دين غير دينكم، فعليكم بهذا العمل الإيجابي الذي هو عماد الدين: {اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153) اهـ. ثم أنشأت في هذا مقالة عنوانها: (المسلمون في مدارس الجمعيات النصرانية) بينت فيها آراء المسلمين في تعليم أولادهم فيها، فقلت ما ملخصه: (وإن عامة المسلمين يشعرون بشدة الحاجة إلى هذه المدارس التي أسست على دعوة النصرانية لما فيها من العلم، ويعلمون بما فيها من الضرر لأولادهم في الدين، فالعلم يقتضي الإقبال عليها، والخوف على عقائد النشء الجديد يمنع من الثقة بها، والجمهور مختلفون في الترجيح بين المانع والمقتضي) وبينت رأي المرجحين للمقتضي وحجتهم عليه أن المسلم لا يخشى عليه أن يصير نصرانيًّا. ثم قلت: هذا ما يراه بعض الذين يعلمون أبناءهم وبناتهم في هذه المدارس الدينية (ومنهم من يرجح المانع على المتقضي كما هو المعتمد في المسألة عند أهل الأصول كما أشار إلى ذلك الشاعر بقوله: قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثل ما يرتضي فقلت: لما لم يكن عاملا ... تعارض المانع والمقتضي (ومبلغ حجة هؤلاء أن مذاهب الفقهاء المتبعة تحظر على المسلم المتمكن في دينه أن يدخل مع النصارى وغيرهم من المخالفين لنا في أصل الدين معابدهم بهيئتهم الدينية التي يدخلون فيها وصرحوا بأنه إذا تشبه بهم في ذلك بحيث يُظَنُّ أنه منهم صار مرتدًّا، وإن بقي متميزًا عنهم بحيث لا يشتبه بهم لا يكون مرتدًّا إلا إذا قال أو فعل أو اعتقد ما يخالف ما هو مُجْمَع عليه معلوم من الدين بالضرورة. ويقولون: إن من الخطر على دين غير المتمكنين في دينهم كالأولاد الذين يوضعون في هذه المدارس أن يُسمح لهم بهذه الأعمال التي يغلب أن تكون عندنا كفرًا وردة، وأهونها أن تكون معصية، فإذا علق النوع الأول في ذهن التلميذ منا، ومات قبل أن يصحح اعتقاده بمعاشرة المسلمين العارفين، أو مراجعة العلماء الراسخين، مات مرتدًّا لا نرثه ولا نعامله معاملة موتانا إذا كنا عالمين بحاله، وإذا مات أبوه أو أمه أو غيرهما من الأقربين في حياته لا يرث هو منهم شيئًا. ويقولون أيضًا: إن بعض فقهائنا صرح بأن الرضى بالكفر كفر فإذا رضينا بشيء من ذلك نكون نحن مرتدين أيضًا) اهـ. ص 20 منه. ثم ذكرت في هذه المقالة حديثًا دار بيني وبين أحد أساتذة هذه المدرسة قال فيه: (إن المدرسة لا تعلم التلاميذ التقاليد والأعمال الدينية التي يقررها بعض مذاهب النصرانية ولا تطعن في أديانهم ولا مذاهبهم، وإنما تلقي عليهم مواعظ عامة تتفق مع كل دين وإن كانت من الكتاب المقدس؛ لأجل أن تغرس في قلوبهم تقوى الله وحب الفضيلة وتبعدهم من الإلحاد والتعطيل) وذكر أن المكان الذي تلقى فيه ليس كنيسة بل مكانًا لأجل الخطب، وسألني: (هل يحرم الدين الإسلامي على المسلمين دخول هذا المكان ويوجب عليهم مخالفة نظام المدرسة؟) هذا نص سؤاله فأجبته بما نصه: (قلت: إن المسلمين فريقان: منهم من يأخذ بالدليل ومنهم من يتبع فقهاء مذهبه، والمشهور عن فقهاء المذاهب التي عليها هؤلاء التلاميذ أن الدخول إلى معابد المخالفين لنا في الدين ومشاركتهم فيما هو خاص بهم في أمور الدين فيها وكذا في خارجها إما محرم وإما كفر في تفصيل لهم في ذلك، فلعل تلاميذكم يعتقدون أن دخول المكان الذي ذكرته من هذا القبيل، وحينئذ يجب احترام اعتقادهم، وإن كان لا يقوم دليل في الإسلام على تحريم دخول مكان مثل الذي ذكرت ليس معبدًا دينيًّا ولا يلقى فيه شيء مخالف للإسلام) ا. هـ صفحة 22 منه. ثم شرحت له هذا القول بالتفصيل، وذكرت له أيضًا في المحافظة على النظام قولاً معقولاً، وكان مدار كلامي على أن إكراه التلاميذ على نظام يخالف عقائدهم ووجدانهم هو تربية لهم على النفاق الذي يُفْسِد كل دين وأطلت في ذلك وبينت له سوء عاقبة هذه الخطة) . هذا بعض ما قلته في ذلك الوقت وكتبته في منار سنة 1327، وأنا أتحدى الشيخ يوسف الدجوي الذي افترى عليَّ بأنني أفتيت التلاميذ المسلمين بالصلاة مع النصارى في كنيستهم ليتربوا على دين النصارى بأن يدلني على عالم مسلم كتب مثل هذا التشديد في الصد عن تلك المدارس أو مثله! ! ! وفي إثر هذا أعفت المدرسة الأميركانية التلاميذ المسلمين من حضور الكنيسة في تلك السنة، ثم جاءني من أحد وجهاء بيروت الكتاب الآتي في الموضوع: كتاب في مسألة إكراه التلاميذ المسلمين على دخول الكنيسة في الكلية الأميركانية سيدي رجل الإسلام والمسلمين السيد رشيد أفندي رضا حفظه الله: عرفتم بالتفصيل ما صار إليه أمر الاعتصاب الإسلامي في الكلية، وكيف أن العمدة تلافت الخطر المحدق بها بإعفائها التلامذة من حضور الكنيسة مؤقتًا، والآن وقد أوشكت السنة المدرسية أن تنتهي لم نشعر إلا والرئيس يستقدم التلامذة من مسلمين ويهود لغرفته، طالبًا منهم التوقيع على صَكٍّ؛ تعهدًا منهم بالقيام بالواجبات الدينية في السنة المقبلة: من دخول كنيسة ودرس توراة وإنجيل حسب الشروح والتعاليق البروتستانتية التي ينفر منها المسلم، ويشك في صحتها كل من له مسكة من العقل، وإذا آنس من أحدهم رفضًا أو ترددًا ينبئه بعدم قبوله في السنة الثانية، حتى ولو لم يبق له إلا سنة أو سنتان لنيل الشهادة، وقد وقع هذا فعلا مع أحد العثمانيين الإسرائيليين. فيا ركن الإسلام المتين، أطلب منك أن تحمل بقلمك وعملك وفتاويك الحملة الشعواء على خطة الكلية، وتظهر للملأ سوء نيتها، وتعدد لهم الأضرار الناتجة عن تساهل المسلمين في أمور دنيهم حتى لا يبقى عذر للآباء، ولا حجة للأبناء، وإن الكلية لفي خوف من المسلمين، ولا سيما إذا وجد من يحركهم تحريكًا لا تعمله القوة الكهربائية؛ ليفسد ما بنوه من ال