دراسات دعوية نحو وعي سُنني خالد أبو الفتوح من المآثر المهمة للصحوة الإسلامية المعاصرة: التنبه إلى أهمية الكشف عن سنن التغيير واستخدامها في الأنفس والمجتمعات؛ فمعرفة هذه السنن (القوانين) والعمل بها: أمر ضروري لإحداث أي حراك اجتماعي طبيعي في أي مجتمع يعاني من التخلف أو الركود الحضاري، أو يُراد له تصحيح مسار حركته. وقد كانت هذه السنن معلومة ومعمولاً بها منذ عهد خير القرون، ثم أخذ الضمور يصيب الوعي بها شيئاً فشيئاً حتى انتهى الأمر إلى التسليم عمليّاً على الأقل بأنه ليس ثمة نظام يوجه حركة التاريخ، وفي النهاية وفي غيبة منهج أهل السنة: ألقي هذا الوعي في سلة عقيدة الجبرية، حيث لا مكان لعمل الأسباب، وأصبحت هذه الأمة هي أكبر أمة تُتخطف حتى من أحقر الأمم، ولكن.. بوعي وتخطيط مدروس وفقاً لهذه السنن. نعم.. كان العلم والعمل بهذه السنن مركوزاً في حركة المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة، ولكنه كان كبقية العلوم الإسلامية غير مقنن وغير مدون، تماماً كما كانت أصول فقه الأحكام الشرعية موجودة قبل ظهور أول كتاب مدون في هذا العلم (الرسالة، للإمام الشافعي) ؛ يظهر ذلك جليّاً لمن تدبر كتاب الله وبخاصة قصص الأمم السابقة: [أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ... ] [الروم: 9] ، وفي قصص الأنبياء؛ فهي لم تذكر لمجرد التلاوة أو السرد القصصي، بل: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ... ] [يوسف: 111] ، ويظهر أيضاً في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومنهجه الرشيد تجاه الأفراد، ثم الطوائف والجماعات، ثم التكتلات والدول، ويظهر كذلك في سلوك الصحابة والسلف الصالح (رضوان الله عليهم) تجاه الأفراد، وفي جهادهم الواعي للأمم الأخرى. لقد كان الجهاد بمفهومه الشامل باباً واسعاً لفتح آفاق فهم وتطبيق سنن التغيير، ومع البعد عن زمن النبوة: كان هذا الباب ينكمش رويداً رويداً في الفهم، وفي التطبيق، فرأينا انكماش مفهوم الجهاد إلى القتال، ثم انكماش القتال إلى الدفاع، ثم تحول الدفاع إلى تعايش سلمي وعلاقات قائمة على مصالح مشتركة مع تغييب قيم الأمة ومبادئها.. وفي منحى آخر: أصبح مفهوم الجهاد مرادفاً للعنف والاغتيال السياسي. وصاحب ذلك بالتدرج نفسه غفلة الأمة عن دورها الرائد بين الأمم باعتبارها أمة شهادة على الناس، وغفلتها عن دورها الرقابي الإصلاحي باعتبارها خير أمة أخرجت للناس. أي إننا نستطيع القول: إن المفهوم الصحيح للجهاد شاملاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان يمثل آلية عفوية للتحرك من خلال سنن التغيير، ولكن كانت هذه الآلية مركوزة في الوعي الباطن، ولم تظهر في بؤرة الوعي المنظور كبقية العلوم، إما للانشغال بالعمل بها كما كان في القرون المتقدمة وإما لعدم الانتباه لأهميتها، كما كان يظهر في عهود الانحدار والانحطاط. وتأتي مقدمة ابن خلدون كأول محاولة لوضع أسباب رقي وانحطاط الأمم في بؤرة هذا الوعي المنظور، فجاءت هذه المقدمة لتكون بداية تقنين وتدوين (أصول فقه التاريخ) ، ولكن.. لماذا لم تستمر هذه البداية لتكون دفعة لتأصيل ونشر الوعي بهذا العلم؟ لقد كان ابن خلدون نفسه يأمل أن يأتي مِن بعده مَن يتم ما بدأه [1] ، ولكن لم يتحقق أمل ابن خلدون بالرغم من أن الحركة العلمية بين المسلمين في هذا الوقت لم تكن سيئة في فروع أخرى من العلم. كان ابن خلدون عالماً لم يجد أصحاباً يقومون بنشر خلاصة علمه وعصارة تجربته، ولم يكن هذا الحدث هو الأول من نوعه في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين، بل سبق أن حدث أكثر من مرة أن ضاعت اجتهادات علماء أفذاذ بسبب عدم قيام تلاميذهم بالنشاط الكافي لنشر علمهم واجتهاداتهم، ومنهم الإمام الليث الذي قال عنه الشافعي (رحمهما الله) : الليث أفقه من مالك، ولكن أصحابه لم يقوموا به [2] ، ولكن الخطورة في حالة ابن خلدون هي: ارتباط العلم الذي وضع قواعده به، فإنه في حالة الإمام الليث أو غيره كان هناك فقهاء آخرون يقومون بإثراء الاجتهاد في فقه الأحكام الشرعية إذا لم يقم هؤلاء الأصحاب بواجبهم، أما في حالة علم (أصول فقه التاريخ) : فإن تقنينه وتدوينه بدأ وانتهى عند ابن خلدون. والذي يظهر: أن هذا العلم باعتباره يمس أمر الدول والمجتمعات بصفتها التكتلية والتفاعلية كان في حاجة إلى عقل جماعي متحرك للكشف عنه ثم نشره، وإلى وعي اجتماعي للسير وفق سننه وقوانينه ومن ثم: إثراء الاجتهاد فيه [*] ، وإلى قيادة مدركة لأهمية هذه الحركة العلمية وهذا الاتجاه المجتمعي فتقوم بالدعم، وليس بالعرقلة خوفاً من ضياع سلطانها المزيف إذا انتشر الوعي بهذه السنن! ! . ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وبقيت مقدمة ابن خلدون كلؤلؤة علمية مستقرة في قاع التراث، يعلم الناس بوجودها، ولكنهم لا يدركون أهميتها فلا يكلفون أنفسهم عناء الكشف عنها.. إلى أن لمع بريقها بعد قرون من الزمن لرجال من المشرق، اختلفت مقاصدهم من صيدها، ولكنهم في النهاية أخرجوها وصقولها ثم عرضوها، لكن.. في إطار مخملي خلف ستار زجاجي، لا يطلع عليها إلا نخبة المفكرين وصفوة المثقفين! ! فتحولت المقدمة إلى ثقافة باردة ليس لها صدى في حركة المجتمعات التي هي تستهدفها في الأساس. ولم يهتم الإسلاميون في بداية أمرهم اهتماماً ذا بال بالمقدمة، إما لانشغالهم ببيان صحيح الإسلام ومدى المخالفات الحادثة في الواقع، مع عدم إدراكهم إدراكاً كافياً لسبل تغيير هذا الواقع، وبالتالي: عدم البحث عما يرشد إلى هذه السبل، فاستقرت جهود معظمهم عند حدود الحركة الوعظية المجردة، وإما الانصراف عنها نتيجة الانصراف عن صاحبها بسبب كلام عالم مشهور عن بعض تصرفات ابن خلدون الشخصية، أو نتيجة بعض الثغرات والاجتهادات التي لا يُوافق عليها؛ وهذا الموقف من ابن خلدون ومقدمته: خطأ منهجي؛ فالمقدمة فيها فوائد كثيرة؛ فيجب ألا تهمل من أجل أخطاء أو أقوال غير صحيحة [3] . ومن المنطقة نفسها التي خرج منها ابن خلدون، وبعد خمسة قرون، خرج مفكر منهجي يبين أسباب التخلف الحضاري الذي قبعت الأمة بسببه في ذيل الأمم، ورضيت بجُثُوم الاستعمار فوق صدرها. ظهر مالك بن نبي وكأنه صدًى لعلم ابن خلدون يهمس في وعي الأمة بلغة القرن العشرين، فأظهر أمراض الأمة مع وصف أسباب نهضة المجتمعات، ووضع الاستعمار تحت المجهر؛ فحلل نفسيته، ورصد أساليبه الخبيثة في السيطرة على الأمم المستضعفة وبخاصة المسلمين ووضع لهم معادلات وقوانين الإقلاع الحضاري.. ولكن الأمة لم تقلع حضاريّاً؛ وذلك إما لثقل حجم التخلف بين أفرادها ومؤسساتها، وإما لضعف المحرّك المقرر أن يقلع بها، وإما لاجتماع السببين معاً.. ومع ذلك فقد بقيت هذه المعادلات والقوانين نظريات مفيدة للمحرّكِين الذين يهتمون بانطلاق المشروع الحضاري للأمة. ومع أهمية ما تركه مالك من فكر إلا أنه ظل في أذهان كثير من شباب الصحوة فكراً مَتْحفيّاً، لا يهتم به إلا المتخصصون من روّاد الفكر الساكن على الرغم من أنه (نموذج لنظريات الحركة الاجتماعية) ، ولعل من أسباب هذه الفجوة ما يلي: 1- جفاف أسلوب مالك نظراً لأن معظم كتبه مترجمة عن الفرنسية. 2- افتقاد كلامه للبعد الشرعي، بل جل فكرة استقاه من النظر والتأمل في الواقع، والاطلاع على أطروحات بعض المفكرين الغربيين، وذلك نتيجة اختلاط منابع فكره؛ فظهر فيها بعض الكدر. 3- وقوعه في بعض الأخطاء الاجتهادية والسقطات السياسية؛ نتيجة السبب السابق. 4- وقوع بعض خلاف في وجهات النظر بينه وبين أحد رموز الصحوة. ومع كل ذلك: فإنه لا سبيل لمنصف إلا أن يضع فكر مالك بن نبي بأسلوبه الصعب وأخطائه الاجتهادية وسقطاته السياسية كدواء مهم ينبغي على المريض تناوله رغم مرارة طعمه ورغم آثاره الجانبية [4] . ونلاحظ أن أسباب التجافي عن كتابات مالك تقترب من أسباب إهمال علم ابن خلدون وبخاصة آخر سببين، ولكن مالك كان أوفر حظّاً من ابن خلدون حيث تهيّأ له أصحاب من المشرق أيضاً يقومون به عنايةً بفكره ونشراً له وتوضيحاً، فأخرجوا أفكاره في طبعة جديدة مزيدة ومنقحة، احتوت على مستحضرات فكرية مشتقة من تركيبة مالك الحضارية، ولكن راعوا فيها تحسين طعمها وتخفيف آثارها الجانبية. ومع ذلك فقد كان من الملاحظ وجود هوّة بين الأعمال الفكرية التي تهتم بكشف سنن التغيير وبين النبع الصافي لهذه السنن أعني: القرآن الكريم، ومعه السنة النبوية الصحيحة واختلفت علاقات هؤلاء الكتّاب بهذا النبع: 1- فمنهم: من حاول الاجتهاد في الاستنباط من هذه النصوص قدر طاقته، ولكنه اجتهاد غير أصيل؛ لاختلاط روافد فكره، ونتج عن ذلك: عدم كفاية الإقبال الذي يستحق صاحبه أن تفتح عليه كنوز القرآن والسنة، فندعو الله أن يثيب من ذلك شأنه على اجتهاده. 2- ومنهم: من استدل بنصوص الوحي كشواهد لصحة أفكاره الاجتماعية؛ فهذه الأفكار لم تكن بنت الأدلة، ولكن كانت الأفكار سابقة عليها ثم أُتي بالأدلة معضدة لها. 3- ومنهم: من أورد أدلة الوحي للالتفاف حول بعض الطيبين لإقناعهم بهذا الخير من الباب المحبب إليهم المقنع لهم. 4- ومنهم: من أوردها لمجرد ذر الرماد في العيون حتى لا يتهم بأن هذه الأفكار اجتهاد شخصي. 5- ومنهم: من أهمل نصوص الوحي إهمالاً شبه كلي اعتماداً على النظر في علم الاجتماع، وتدبر تجارب الحركات والأمم، واستنطاق أحداث التاريخ، بل: والنظر في العلوم الطبيعية والتجريبية لاستخراج سنن التغيير في الأنفس والمجتمعات. ولا شك أن هناك مندوحة للنظر في مثل هذه العلوم لاستخراج السنن والقوانين التي تحكم تغيير النفوس والمجتمعات، بل نرى أن النظر في مثل ما سبق وبخاصة أحداث التاريخ هو من مقتضى قوله (تعالى) : [ ... أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ] [يوسف: 109] ،.. وغير ذلك من الآيات التي تحث على دراسة عاقبة أي: نتائج ومآل أفعال الذين من قبلنا الذين سبقونا تاريخيّاً، بل في الآيات حث على السير وهو دعوة للدراسة العملية للتاريخ فضلاً عن تذاكر الأخبار.. والحكمة ضالة المؤمن. وعندما نستخرج سنن التغيير من النصوص الشرعية، فقد نجد التقاءً في نقاط تقاطع مع بعض ما يُذكر في هذه العلوم أو غيرها: فمثلاً: يقول بعض علماء الحضارات: إن شيوع الترف وتفشي الانحراف الجنسي والتحلل الخلقي سبب لانهيار الحضارات، ونجد ذلك في السنة المستخرجة من قوله (تعالى) : [وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] [الإسراء: 16] ، فنستطيع أن نضع هذه السنة كالآتي: ترف + فسق (استفاضة بلاغ+ وعدم استجابة) --