ندوات مستقبل الانتفاضة الفلسطينية تخطت انتفاضة الأقصى السنتين من عمرها دون أن تتغير بل تترسخ أهداف المنتفضين النبلاء الذين تصدوا للهمجية اليهودية بسلاح بُعِثَ من جديد هو سلاح الشهادة وبيع النفس لله. وكلما أصر اليهود ومن خلفهم على إخماد الانتفاضة والإسراف في القتل جاءهم الرد واضحاً جلياً في إرادة لا تخور معلنة الجهاد في سبيل الله تحريراً للأرض وحماية للعرض وذوداً عن شرف المسلمين في كل مكان. الجميع يطلب الشهادة: الشباب، والأطفال، والعرائس. وفي هذه الانتفاضة معان وعبر تشير إلى حيوية هذه الأمة وأنها مستعدة للحركة إن حُرّكت، وللاستشهاد حين يدعو إليه ما يرضي الله ورسوله. ويسعد مجلة البيان اليوم أن تستمع مع قرائها إلى ثلاثة من رجال الجهاد في سبيل الله في الأرض التي بارك الله حولها. * ضيوفنا في هذه الندوة هم: - الدكتور محمود الزهار: القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس. - الدكتور محمد الهندي: القيادي البارز في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. - الدكتور هشام فرارجة: أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت. * المحور الأول: القدرات الذاتية: البيان: بعد الآلام الكثيرة والمحن العديدة التي مرَّ بها الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الأخيرة هل لا زال متعاطفاً مع الانتفاضة؟ وما موقفه من دعوات السلام والتفاوض التي تطرحها بعض الأطراف الفلسطينية؟ - د. محمود الزهار: الإجابة عن هذا السؤال تستدعي استطلاع الرأي. واستطلاعات الرأي التي صدرت من الجانب الإسرائيلي تقول إن أكثر من 78%مع استمرار الانتفاضة، واستطلاعات الرأي التي صدرت أيضاً عن الجانب الإسرائيلي تقول إن أكثر من 60% يتعاطفون مع العمليات الاستشهادية، والدليل الثالث أيضاً هو استمرار الشعب الفلسطيني في العطاء اليومي سواء كان في الضفة الغربية أو في قطاع غزة. ولنستعرض مثل حجم المعاناة في مدينة رفح ومنطقة مدينة خان يونس التي تطوقها مستوطنة غوش قطيف من معظم الجهات، وحجم المعاناة التي يعانيها الشارع الفلسطيني في انتقاله من مكان إلى مكان وخصوصاً منطقة غزة، وحجم المعاناة التي يعانيها في الإغلاق الدائم ومنع التجول المستمر بحيث لا يسمح في بعض المناطق إلا بساعة أو ساعتين وحتى بعد أن يتم الإعلان عن رفع حالة منع التجول وتحديدها بساعة معينة ما أن تمضي ساعة واحدة أو ساعتان، حتى يتم إطلاق الرصاص على الناس حتى يعودوا إلى بيوتهم. إذن هذه كلها لا يصاحبها حالة تذمر ولا أي تراجع عن الموقف العام. وتجربة الشعب الفلسطيني تجربة حية، والانتفاضة هي نتاج الشعب، ولو أن الشعب رفع الراية وسلم لانتهت الانتفاضة؛ ولذلك أقول إجابة على سؤالك: إن الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الأخيرة التي نعيش فيها الآن قد استفاد من تجارب الانتفاضة الأولى، وتخلص من كل سلبياتها، وعمق إيجابياتها، ومن هنا كانت النتائج التي تحققت على مستوى الشعب الفلسطيني وحجم الخسائر التي تكبدها العدو هي نتائج مقبولة ومحترمة. الشخصيات التي وقعت على البيان في الحقيقة هي شخصيات معروفة: إما يسار قديم ارتبط بتأسيس الحزب الشيوعي في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، وهؤلاء كانوا هم واليهود في برنامج تعايش واحد. تاريخ الحزب الشيوعي في المنطقة معروف، الأحزاب التي انبثقت عن الشيوعيين وأخذت أسماء مختلفة لم تطلق رصاصة واحدة لا في الانتفاضة الأولى ولا في الثانية؛ لأنها لا تؤمن بالكفاح المسلح، وهناك شخصيات لها ارتباطات بالمشروع الصهيوني: ارتباط اقتصادي، أو ارتباط أمني، أو كونترول؛ يعني سيطرة معينة. وهناك شخصيات لها فكر أصلاً يمكن تسميته بفكر الأسرلة، واستطاع مشروع ما يسمى بمشروع التسوية السياسية والحلول السلمية ودولتين وعلمين أن يستحوذ على أفكار هؤلاء الناس، وهؤلاء معروفون للشارع الفلسطيني. وأريد أن أضيف واحدة من الطرائف التي رأيتها: من الأسماء هناك سيدة لم تتزوج معروفة في غزة بأنها يعني على البركة تسير حافية وتتسول وتدخن في الشارع، وماتت منذ مدة فأحد الظرفاء وصفها بالدكتورة، ثم وضع اسمها حتى الذين تعاطوا مع هذه البيانات تعاطوا معها باستهزاء؛ لأنهم يعرفون أن الشارع الفلسطيني يلفظ هذه الأفكار ولا يقبل بها، وأنا أعتقد أن من يريد أن يسوِّق نفسه الآن إسرائيلياً وأمريكياً يمكن أن يوقع على هذا البيان، وهناك شخصيات مهترئة كان بعضها في الإبعاد وبعضها تساقط على طريق الدعوات وعلى طريق الأحزاب وطريق المؤسسات، وهذه واحدة من تسويق النفس في هذا المشروع ظاهرة يوم أو يومين وتنتهي أو انتهت بالفعل. - د. محمد الهندي: عند الحديث عن الشعب الفلسطيني يجب الاعتراف بقدرة هذا الشعب على العطاء والتضحية؛ فقد صهرته المحنة، محنة التصدي للمشروع الصهيوني الغربي في فلسطين على مدى القرن المنصرم، وهو على مدى هذه السنوات يقدم التضحيات الكبيرة، ولم يشكُ أو يتألم، والمحنة كانت تزيده دوماً إصراراً على الصمود والمقاومة، ونحن لا نتحدث اليوم عن تعاطف الشعب الفلسطيني مع الانتفاضة، بل عن ازدياد انخراطه في المقاومة، وهو يدرك عن وعي كامل أنه يدفع ضريبة الحرية والكرامة وهي أهون عليه بكثير وأقل تكلفة أيضاً من ضريبة الذل والمهانة التي كان يدفعها بعد اتفاق أوسلو وأذكِّر هنا بمجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل ومجزرة القدس التي ارتكبت في سنوات السلام المفخخ. وأؤكد هنا بأن شعبنا قادر على تحمل واستيعاب المزيد من التضحيات؛ كيف لا وهو يرى ثمار هذا الجهد رأي العين، وهو يرى تراجع المشروع الصهيوني في فلسطين، وإذا كان هناك من مقياس لقياس حيوية المشروع الصهيوني فهو قياس الهجرة والاستيطان؛ ونظرة واحدة تكشف كيف ضربت الانتفاضة الباسلة المشروع الصهيوني بكل قوة في هذا المجال. أما موقف الشعب الفلسطيني من دعوات التفاوض التي يطرحها بعض الفلسطينيين فهو لا يلقي لها بالاً؛ فهؤلاء أشخاص مهزومون مسلوبو الإرادة وهم على أحسن الأحوال لا يفهمون طبيعة المشروع الصهيوني القائم على العنف والغدر، ويحاولون تسويق الوهم مرة أخرى. ثم ماذا جنى شعبنا في فترة ما تسمى بالسلام حتى يعود إليها؟ فنظرة سريعة لفترة أوسلو تكشف المعاناة والألم الكبير الذي لحق بشعبنا، ويكفي أنها مزقتنا وسلختنا عن محيطنا العربي والإسلامي، ونحن اليوم بتمسكنا بانتفاضتنا نعيد اللحمة لشعبنا وأمتنا، ونعيد الصراع إلى طبيعته. - د. هشام فرارجة: بدون أدنى شك عندما اندلعت انتفاضة الأقصى فإنها كانت ولا تزال تعبر عن إجماع وطني وإسلامي فلسطيني واسع بضرورة التخلص من الاحتلال الإسرائيلي مهما كلف الأمر من ثمن. الشعب الفلسطيني بعمومه في المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة سبعة أعوام عجاف كان يتابع مسيرة العمليات السياسية دون أن يلاحظ تقدماً ملحوظاً في الميدان بخصوص الاحتلال وبطشه وتنكيله بالشعب الفلسطيني. مصادرة الأراضي استمرت بدون هوادة وبناء المستوطنات أيضاً، الحصار الاقتصادي، تقطيع أوصال الوطن كان على أشده. قتل الفلسطينيين واعتقالهم كان يتم بدون رادع؛ وكأن العملية السياسية استغلت من قِبَل الإسرائيليين فقط كغطاء من أجل تلميع صورتهم أمام العالم الخارجي وحتى يقول العالم إن هناك عملية سلام تجري في المنطقة دون أن ينظر هذا العالم إلى ما كان يقوم به الإسرائيليون من حملات تنكيل وتجويع للشعب الفلسطيني؛ لذلك عندما قام شارون بانتهاكه المسموم لحرمة المسجد الأقصى كانت تلك الحادثة هي الشرارة أو الشعرة التي قصمت ظهر البعير. حيث كانت الحالة الفلسطينية محتقنة جداً وكان الوضع في حالة كبيرة وشديدة من الغليان وخاصة بعد الإخفاق الذريع التي منيت به محادثات كامب ديفيد في صيف عام 2000م. لم يكن بوسع الشعب الفلسطيني إلا أن يلتفت إلى نفسه وإلى مكنوناته الداخلية مفجراً انتفاضة الأقصى التي تعتبر في تقديري ظاهرة من أنبل الظواهر التي يعرفها العالم: شعب يناضل من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال ومن أجل دفع الظلم عن نفسه رغم انعدام الإمكانيات أو ضآلتها، ورغم وجود اختلال واضح في ميزان القوى ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذه الانتفاضة الآن بالتاكيد أصبحت محط اهتمام الناس الذين ينظرون إلى هذه الانتفاضة كالمرحلة التي سوف تخلصهم بإذن الله من دون أدنى شك من غطرسة هذا الاحتلال وإرهابه وبربريته. البيان: إذن في ظل هذا التعاطف كما تشير كيف ينظر الشارع الفلسطيني إلى دعوات السلام واللقاءات السياسية التي تجري بين أطراف فلسطينية والجانب الإسرائيلي؟ - د. هشام فرارجة: في حقيقة الأمر، وخاصة أن الدم الفلسطيني ينزف بغزارة يوماً بعد يوم بسبب التضحيات من جانب، وبسبب ممارسات الاحتلال البربرية من جانب آخر، فإن مجمل ما يحدث من تحركات سياسية هنا وهناك واضحة تماماً بالنسبة للناس بأنها لا تسمن ولا تغني من جوع. بالتاكيد في الشارع الفلسطيني هناك إدراك بأنه توجد حاجة ماسة من أجل تحريك الجانب الدبلوماسي في مختلف الأروقة والأصعدة. ولكن بدون أدنى شك بأن هذه التحركات التي هُدِفَ منها إسرائيلياً على أقل تقدير تقويض أواصر انتفاضة الأقصى، لا ينظر إليها إلا بنوع من الشك في الشارع الفلسطيني وخاصة أن هذه التحركات والتفاعلات واللقاءات لم يستطع كما لا يمكن لها أن تستطيع إيقاف الهجمة الإسرائيلية المتصاعدة يوماً بعد يوم. بالفعل نستطيع أن نقول إن الهمّ الرئيسي للشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته وتركيباته هو استمرار المقاومة وتصعيدها وليس تصعيد اللقاءات الإسرائيلية والفلسطينية حيث تلك اللقاءات تبعث في نفوس الفلسطينيين شعوراً بالإحباط عندما تتم. لكن حتى هذه اللقاءات الآن لم تعد تستطع أن تبعث في النفوس الإحباط الذي كان يراد منها من قبل خاصة بإقدام شخصية مثل شمعون بيرتس على تكثيف مثل هذه اللقاءات؛ لأنه يعرف أنها تعمل كسلاح سيكيولوجي فتاك في النفسية الفلسطينية، ولكن تماماً كما أخفقت العملية السياسية الإسرائيلية فإن هذه الحملة السياسية والدبلوماسية والنفسية لا محالة مخفقة. البيان: في خضم هذه الأوضاع ما قدرة المقاومة الإسلامية على الاستمرار في ظل الفارق الكبير في ميزان القوة مع اليهود؟ د. محمود الزهار: ميزان القوى لم يكن يوماً من الأيام متوازناً ولم يكن في يوم من الأيام إلا في صالح الجانب الإسرائيلي سواء كان في فترة بداية القرن العشرين وحتى تأسيس الدولة عام 1948م، والتي تعهدت بريطانيا بالذات في جعله دائماً في صالح اليهود، ثم بعد ذلك تعاون الغرب: بريطانيا وفرنسا وأوروبا عموماً حتى عام 1956م، وبعد ذلك مال الميزان لصالح الكيان الإسرائيلي بصورة كبيرة جداً عندما دخلت أمريكا على الخط، وأصبح الكيان الإسرائيلي يمثل ترسانة، نموذجاً لتجربة الترسانة الأمريكية في المنطقة. والانتفاضة الأولى لم تكن مبنية على توازن القوى، والانتفاضة الثانية لم تكن مبنية على توازن القوى؛ لكن مبنية على عاملين: الأول: هو الاستفادة من تجربة ضرب الأمن القومي الإسرائيلي النظرية التي روج لها الصهاينة والتي تقول بأنها دولة لا تهزم. في الحقيقة أن القارئ لما حدث في حرب أكتوبر عام 1973م يقول إن الدولة هزمت، ولولا التدخل المباشر من أمريكا وما أرسلته إلى العريش من طائرات ودبابات من المصانع لنجدة الكيان الإسرائيلي لانتهى الكيان، ومن ثم نظرية الدولة ضربت في 1973م على يد المصريين والسوريين في سيناء والجولان. والنظرية الثانية: هي قيام الدولة اليهودية هي نظرية الأمن الفردي التي تقوم على أن كل من يأتي مستجلباً أو مستوطناً يأتي من أي مكان في العالم سوف يجد له أمناً شخصياً وأمناً اقتصادياً ومسكناً، ومن ثم جاء كل المرتزقة من الأديان والأجناس جاؤوا إلى فلسطين وما عليهم إلا أن يحملوا سلاحاً تحميهم الدبابات والطائرات. اليوم ضُربت هذه النظرية في مشروع العمليات الاستشهادية وأصبحت القوة الاستراتيجية في يد الكيان الإسرائيلي عاجزة عن أن تتعاطى مع هذه الظاهرة. يعني: إسرائيل تملك أسلحة نووية لا يمكن أن تستخدمها في مجال العمليات الاستشهادية؛ لأن الغبار الذري لا يميز بين فلسطيني ويهودي أو صهيوني أو مسلم أو مسيحي. هنا نجد صراخ العالم خصوصاً أمريكا والكيان الإسرائيلي لتجريد الشارع الفلسطيني من أحد الأسلحة الاستراتيجية الخطيرة التي ضربت الأمن الفردي وضربت مشروع السياحة الصهيوني. - د. هشام فرارجة: لربما هذا هو واحد من أهم الأسئلة التي يدور في خلد كل فلسطيني وفي خلد كل مراقب، وأمر معلوم ومعروف تماماً بأنه لا يوجد ميزان قوى استراتيجي ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فما لدى الإسرائيليين كثير جداً: لديهم السلاح النووي، ولديهم البنى التحتية بمختلف أشكالها، ولديهم إمكانات اقتصادية، ولديهم قنوات الدعم المفتوح من الولايات المتحدة الأمريكية، ولديهم نوع من الاستقرار في مؤسساتهم. أما نحن الفلسطينيين فماذا لدينا؟ : حصار، تجويع، حظر للتجول، منع للتواصل ما بين المناطق الفلسطينية نفسها؛ دع عنك منع التواصل ما بين فلسطين ومختلف أنحاء العالم. هذه الصورة بجزيئيتها قد تبدو قاتمة جداً؛ حيث توضح انعدام ميزان القوى الاستراتيجي ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن في ذات الوقت وانطلاقاً من فهم فلسطيني دقيق بانعدام ميزان القوى الاستراتيجي عمل الفلسطينيون المقاومون على التعويض عن انعدام ميزان القوى الاستراتيجي هذا بالوصول إلى ميزان استراتيجي في الرعب ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أصبح الاستقرار والأمن الإسرائيلي مرهوناً بشكل فعلي وعملي بالأمن والاستقرار الفلسطيني. كان من قبل دائماً يسقط الشهداء الفلسطينيون ويقع الجرحى الفلسطينيون، ويعتقلون وينفون ويخضعون لحملات التنكيل لوحدهم؛ أما الآن وخاصة منذ بداية هذه الانتفاضة فإن نسب الخسائر ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد ضاقت إلى أضيق فجوة منذ بداية هذا الصراع. فعلى سبيل المثال لا الحصر فقط عندما كان نتنياهو في الحكم كرئيس وزراء الإسرائيليين كانت نسبة الخسائر ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين (1: 15) ، ولكن عندما أتى باراك الذي اندلعت الانتفاضة في وقته ضاقت هذه الفجوة لتصبح (إسرائيلي واحد إلى 10 فلسطينيين) ولكن عندما جاء شارون الذي تمتع بسمعة مرموقة في الإرهاب والقتل ضاقت هذه الفجوة إلى أكثر لكي تتأرجح ما بين (1: 3 أو 1: 5) في أسوأ الأحوال. بدون أدنى شك انعدام ميزان القوى الاستراتيجي من وجهة نظر المقاومين الفلسطينيين والمنتفضين لم يعن بأي حال من الأحوال رفع الراية البيضاء أو التسليم بحقيقة قوة الاحتلال فقط، وإنما عنى أنه يجب ابتكار وابتداع الأدوات والوسائل والمقومات من أجل بعث الذعر في نفوس المحتلين حتى يعرفوا أنه لا أمن ولا استقرار لهم إلا بتلبية الحقوق الوطنية الفلسطينية. - د. محمد الهندي: المسألة لا تقاس بالمقدرة المادية فحسب، صحيح أن ميزان القوة مختل لصالح العدو بشكل كبير، لكن الإرادة والعزيمة والتضحية وحب الشهادة والإيمان بالقضية ووضوح الهدف يعدل كثيراً من هذا الاختلال. نحن ندافع عن أنفسنا وأمتنا ومقدساتنا ومستقبل أبنائنا، وهم يريدون استعباد شعب آخر وإذلاله وقهره، نحن نملك حباً كبيراً للوطن والمقدسات والأطفال، وهم يملكون حقداً للأغيار تغذيه أساطير تلمودية، ويملكون حباً كبيراً للدنيا، وهذه هي المعادلة. أما بالنسبة للتطور التقني للمقاومة فهذا متروك لأهل الاختصاص لكن هناك قانون عام بأن الحاجة أمُّ الأختراع. البيان: ما هو حجم التطور التقني والعسكري للمقاومة؟ - د. محمود الزهار: بالتأكيد التطور التقني لم يصل إلى مرحلة أباتشي ولا الـ (إف 16) لكن وصل إلى مرحلة أنه أصبح مؤثراً تماماً في الأهداف التي يختارها الشارع الفلسطيني، تطوير الهاونات وهي لم تكن موجودة في الانتفاضة الأولى هي صناعة محلية، ثانية ما عرف بـ (البنا 1 و 2) هو تطوير ذاتي وهو فعال في الحقيقة، والعبوات الموجهة، العبوات الجانبية هي عبارة عن بديل للمدافع طويلة المدى والتي استخدمت آخرها في عملية عمانوئيل، واستخدام القنابل اليدوية وتصنيعها محلياً، استخدام المتفجرات ذات القدرة العالية التي استطاعت في يوم من الأيام أن تقسم الدبابة المركباه إحدى رموز القوة العسكرية الإسرائيلية هذه أيضاً تقنية. أنا أعتقد أنه في المرحلة القادمة وعلى المراقب أن يلحظ الوتيرة التي تحدث، وربما يتم استحداث وسائل قتالية أخرى تساعد على حماية الشعب الفلسطيني. البيان: الجيل الفلسطيني الجديد الذي تربى في ظل الانتفاضة ما مستقبله؟ وهل يمكن استثماره؟ - د. محمد الهندي: بدون شك فإن الجيل الفلسطيني الجديد الذي يترعرع في ظل الانتفاضة ينسف كل المراهنات الصهيونية تماماً كما حدث في الانتفاضة الأولى، هذه الروح التي يحملها الشباب والأطفال الذين يواجهون الدبابات بالحجارة، والصدور العارية لا يمكن تطويعها كما يتم تطويع الأنظمة الرسمية. بعد احتلال الضفة وغزة في نكبة 1967م قال الاحتلال إن الجيل القديم سيموت خلال سنوات، وأن الجيل الجديد الذي يولد في ظل الاحتلال سينسى القضية، وبعد فترة فوجئ الجميع بأن الجيل الذي ولد في فترة الاحتلال يفجر انتفاضة 1967م. واليوم انتفاضة الأقصى فجرت فيما فجرته طاقة شعبنا في فلسطين المحتلة عام 1948م الذي حاول الاحتلال مسخ إرادته على مدى أكثر من نصف قرن. - د. هشام فرارجة: في حين من الزمن وخاصة أثناء ما كان يسمى بالعملية السلمية كنا حقيقة متخوفين جداً من التشتت الثقافي. كانت هناك ثقافات التطبيع والتطويع والتتبيع، وتعرض ذلك الجيل في تقديري إلى تمزيق حقيقي لسيكيولوجيته ونفسيته، فلم يعد يستطيع أن يحدد مساره الثقافي والحضاري. كانت ثقافة العولمة والأمركة وإلى آخره. حتى أثناء هذه الانتفاضة وفي تقديري من أهم إنجازاتها هي إنقاذ جيل فلسطيني بأكمله رغم أنه لحقت بهذا الجيل الصاعد خسائر فادحة جداً في الأرواح حيث العديدون من الشهداء هم أطفال وهم من زهرات وخيرة شبابنا؛ فهم الذين دفعوا الثمن الأكبر وما يزالون في هذه الانتفاضة؛ إلا أن هذه الانتفاضة شكلت عملية صقل ذهني ونفسي وعمقت الوعي الوطني، وهي قد وضعت النقط على الحروف بخصوص وجود الاحتلال وممارساته، وأصبح كل فلسطيني الآن يعي أنه مستهدف بغض النظر عن انتماءاته وبغض النظر عن تطلعاته وبغض النظر عن موقع سكنه أو عن طبيعة مهنته. هذه الانتفاضة في حقيقة الأمر أيقظت الروح في المجتمع الفلسطيني، ولا أجد نفسي مبالغاً إذا ما قلت إنها أنقذت الروح في المجتمع العربي وفي المجتمع الإنساني برمته. - د. محمود الزهار: هناك بعض المتأسرلين أو المتصهينين يحاول أن يصور الجيل الفلسطيني الحالي وكأنه يعيش حالة من التشوه الفكري والنفسي نتيجة ما يعانيه. صحيح أن هناك حجم معاناة، ولكن لا يمكن أن تكون الأمراض النفسية سبباً في ظاهرة الاستشهاد، ولا يمكن أن تكون سبباً في ظاهرة دفع الآباء والأمهات لأبنائهم لأن يقوموا بهذه العمليات، ولا يمكن أن تكون وراء نجاح برامج المقاومة والمواجهة التي يعجز الإنسان عن تقديرها حسب مواصفات المواجهات. يعني معركة عمانوئيل الثانية والثالثة، والأولى كانت قبل سبعة أشهر وذهب فيها 11 إسرائيلياً، ولم يصب فيها فلسطيني واحد، والعملية الثانية التي حدثت قتل فيها 8 يهود ولم يخدش فيها فلسطيني بأقل من 42 ساعة. كانت العملية الثالثة كل الجيش والطائرات والدبابات وجهات التلصص لم تستطع إلا أن تقتل شهيداً واحداً، وقتل في مقابله ضابط كبير وجرح أربعة جراحهم خطيرة، وتكتم الكيان الإسرائيلي أو الجيش على بقية الخسائر، ولم يعتقل أحد. إذن بكل المقاييس سواء كانت المواجهات العسكرية أو عمليات تفجير الأهداف الإسرائيلية كلها تحقق على مستوى المواجهة الفردية نجاحاً للمقاومة الفلسطينية، ولا يمكن أن يكون هذا تشوه نفسي. أو مرض نفسي. هنا تخطيط وترتيب ومواجهة وإقدام وبطولة. المريض دائماً يخاف أما الشهيد أو البطل لا يخاف، ومن ثم فإن هذه الظاهرة تحظى باحترام كل من يرى أن الشعب الفلسطيني مقهور ويجب أن يدافع عن نفسه؛ إنه استثمار الجيل. البيان: لكن هل تستطيعون استيعاب الشباب المتعاطفين معكم؟ - د. محمود الزهار: حقيقة أن إقبال الشارع الشبابي على الحركة إقبال لا تستطيع الحركة أن تلبي طلب كل إنسان، ليس فقط على مستوى لا أتحدث عن المستوى العسكري ولكن أتحدث عن المستوى الدعوي. المساجد فجأة امتلأت بجيل الشباب هؤلاء إذا أردنا أن نتبع الأساليب القديمة في تربيتهم وتنظيمهم فلن يستوعبوا، ومن ثم فإن هناك ابتكارات في عملية استيعاب هؤلاء الناس، وأصبحت الدروس المفتوحة واللقاءات العامة البديل عن اللقاءات الخاصة المغلقة السرية. أصبحت هناك ساحة العمل الدعوي ساحة مفتوحة على مصراعيها، والمساجد التي أممت بواسطة الأوقاف لا تستطيع أبداً أن تؤدي دورها العلماني، بل على العكس تحولت إلى دور فاعل في تقوية الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعبوي، وهي قضية تذكرنا بدور المسجد على مر التاريخ الإسلامي. أنا أعتقد أن الحركة الإسلامية انتقلت من العدد والنسبة أي حركة تكون عد 100 - 200 ثم تتحول إلى نسبة 1 أو 2 أو 3% لكن الحركة الآن تحولت إلى تيار؛ بمعنى أن هناك نسباً كبيرة من المجتمع يمكن أن تصوت للحركة، وسأضرب لك مثلاً: في أمريكا يوجد حزبان كبيران؛ 280 مليون من له حق الانتخاب يوزع صوته بين هذين الحزبين، وأعتقد الآن أن حماس تشكل حجماً على مستوى الشارع، ليس حجماً على مستوى التنظيم بل على مستوى الشارع؛ بمعنى أن 30 - 40 %، 50 - 60% إذن دخلت إلى مرحلة تمثيل الشارع، وهذا هو المكسب الذي تحقق للحركة في الفترة الأخيرة. البيان: ما الهدف القريب والبعيد الذي تسعى الانتفاضة المباركة لتحقيقه؟ - د. محمود الزهار: نحن لا نقول إن الانتفاضة سوف تحرر فلسطين، ولكنها ستبقي جذور المقاومة حية إلى أن يتم تحرير فلسطين. الهدف هو طرد الاحتلال مرحلياً عن الأرض التي احتلت عام 1967م. هذا هدف واضح ومعروف لا يعني ذلك أننا سوف نتنازل عن حقنا عن كامل التراب الفلسطيني. نحن نعتبرها مرحلة يمكن أن تؤسس فيها مشروعاً سياسياً يطور الموقف العسكري إلى الدرجة التي تصبح فيها تمهد لمرحلة تحرير فلسطين عندما تتغير الجغرافيا السياسية من حولنا. * المحور الثاني: آثار الانتفاضة: البيان: كيف أثرت الانتفاضة في تغيير مفاهيم ومنطلقات الصراع بين اليهود؟ - د. محمود الزهار: الحقيقة أنه في بداية الثورة الفلسطينية العلمانية التي هي فتح ومنظمة التحرير كانوا يؤمنون على الأقل في مستنداتهم وأدبياتهم بتحرير كامل التراب الفلسطيني، ولكن لم يلبثوا إلا سنوات قليلة حتى بدأ الحديث عن دولتين وعلمين واعتراف متبادل وتعايش. بقيت الحركة الإسلامية تؤكد على مشروعها القاضي بكامل التراب الفلسطيني وإسلامية المعركة؛ بمعنى أن صاحب القضية هو الإسلام، وتدهور الموقف العلماني الوطني من عروبة القضية الفلسطينية؛ يعني من قومية القضية إلى إقليمية القضية، ثم تحولت إلى منظمة في مواجهة إسرائيل، وكان القرار الخطير هو: (القرار الفلسطيني المستقل) الشعار الذي أعطى فرصة للدول العربية أن تنفض يدها من هذا المشروع. بعد إخفاق أوسلو عادت القضية لتأخذ بُعدها من جديد: ارتفعت من دائرة منظمة التحرير في مواجهة إسرائيل إلى ضرورة أن يقف العرب مع الشعب الفلسطيني، وبقي الموقف الإسلامي ثابتاً في موقف حماس بأنه لا بد من أن تبقى العروبة بكاملها والإسلام بكل حدوده في مواجهة الاحتلال، ومن هنا نقول: إن صار تطوير في أي حديث في الموقف الوطني ولكن ليقترب قليلاً قليلاً من الموقف الإسلامي الذي تمثله حماس حول طبيعة الصراع في المنطقة. د. محمد الهندي: إسرائيل تتعامل باستمرار مع مشكلة الشعب الفلسطيني بأنها مسألة داخلية، وليس هناك حزب صهيوني واحد له برنامج سلام يسلم بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، ويسلم بدولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967م بما في ذلك حزب ميرتس اليساري. وهناك مسائل تشكل إجماعاً وطنياً صهيونياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار منها أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ومنها عدم القبول بعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم، وعدم وجود جيش قرب النهر (نهر الأردن) . الانتفاضة مرة واحدة أعادت الصراع إلى جذوره الأولى، وتحدث الصهاينة بكل وضوح وجدية عن حرب الاستقلال التي بدأت في عام 1948م - 1978م وأنها لم تنته بعد. - د. محمد الهندي: بدون أدنى شك فإن قضية فلسطين بهذه الأبعاد التاريخية والعقدية والثقافية والسياسية والاستراتجية هي قضية العرب والمسلمين المركزية، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، فإذا تم استباحة فلسطين فسيكون ذلك لاستباحة بقية العواصم العربية والإسلامية والسيطرة عليها سياسياً واقتصادياً وثقافياً واستخبارياً، وإذا صمدت فلسطين فهذا يحصن بقية الأقطار في الشرق الإسلامي أمام الغزو الصهيوني متعدد الوجوه، ولذلك نحن في فلسطين في حاجة كبيرة للتفاعل العربي والإسلامي مع مقاومتنا وجهادنا، كما أن العرب والمسلمين في حاجة كبيرة لاستمرار وتصاعد مقاومتنا في فلسطين، وإذا كانت أوسلو قد ضربت هذه الحلقة الهامة وسمعنا حينها شعارات من قبيل: «نقبل بما يقبل به الفلسطينيون» ومن قبيل: «لسنا ملكيين أكثر من الملك» التي رفعها كل من أراد أن يتحرر، ويتحلل من عبء فلسطين؛ فإن الانتفاضة المباركة أعادت لنا هذه الحلقة المفقودة وهذا البعد الضروري للصراع، وهذه غدت أكثر وضوحاً وأكثر ضرورة مع مرور الوقت، ونؤكد هنا ضرورة أن تتكاثف جهود القوى الشعبية الإسلامية والعربية في الأقطار العربية لتؤكد على أهمية هذا البعد، وبطريقة منسجمة مع تصاعد المؤامرة على الانتفاضة المباركة. البيان: لكن في المقابل ما آثار الانتفاضة على العدو اليهودي: الحالة النفسية، الحالة العسكرية، الحالة السياسية، الحالة الاقتصادية ... ونحوها؟ - د. هشام فرارجة: حقيقة لم يشعر الإسرائيليون بجدية الرادع وتأثيراته في هذا الشكل إلا عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، وكانت الحالة من قبل بأن الإسرائيليين يقومون بحملاتهم العقابية على الشعب الفلسطيني، ويلحقون به كامل الأضرار وأفدحها دون أن يشعروا هم بأي تأثير نسبي بوجود الصراع، ولكن عندما اندلعت انتفاضة الأقصى ونتيجة للإدراك الفلسطيني بأنه ما حك جلدك مثل ظفرك، فإن الإسرائيليين أصبحوا يعانون الأمرين، وأصبح ذلك الأمل المزعوم والمولود لهم بشخصية شارون بأنه سوف يجلب لهم السلام والاستقرار والأمن ما هو إلا أكذوبة ووهم حقيقي لم يعد الإسرائيليون أنفسهم يستوعبونه. الشارع الإسرائيلي صحيح لا يشعر بنفس الضرر الذي يشعر به الشعب الفلسطيني المحاصر المجوع الممنوع من التجوال المشلولة حياته اقتصادياً وتعليمياً وزراعياً واجتماعياً وبالتاكيد نفسياً، ولكن الشارع الإسرائيلي ولمرة جديدة أصبح يعرف تماماً أن الاحتلال يلحق به بالغ الضرر. الحياة الاقتصادية عندهم أصبحت في حالة يرثى لها من الناحية الفندقية، ومن الناحية السياحية، ومن ناحية المطاعم التي كانت تزخر بالرواد من قبل، الآن أصبحت الحياة شبه معدومة عندهم في هذا الصدد. من ناحية أخرى لم يعد الإسرائيلي يستطيع أن يتمتع برخائه على حساب الفلسطيني كما كان يفعل من قبل. أصبح يتردد أكثر من أي وقت مضى في أن يرتاد مطعماً أو مرقصاً أو أن يذهب حتى إلى فندق هنا وهناك. هذا من الناحية الاقتصادية. ومن الناحية السكيولوجية يكاد لا يوجد إسرائيلي الآن لا يعرف حقيقة الصراع وبأن هناك شعباً فلسطينياً يقاوم لأنه مظلوم. هذه الحالة لم تكن حقيقة موجودة من قبل؛ حيث كان الإسرائيلي يعيش حياته برخاء دون أن يابه بالحالة التي عليها الشعب الفلسطيني. من ناحية ثالثة من الناحية العسكرية اعتاد الإسرائيليون أن يتبختروا في المناطق الفلسطينية قبل الانتفاضة دون أن يكون هناك رادع لوجودهم ولاحتلالهم. كانوا يفكرون أن الشعب الفلسطيني سوف لا يحرك ساكناً، وليس بمقدوره لانعدام ميزان القوى أن يفعل شيئاً. سوف يكتفي الشعب الفلسطيني وكانوا يحسبون خطأ سوف يكتفي بإلقاء الحجارة على الجنود الإسرائيليين المتمترسين خلف أسلحتهم الثقيلة، والذين كانوا يقنصون ويتصيدون الفلسطينيين دون هوادة، هذه الصورة تغيرت كثيراً. نسبة الخسائر ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين الأن هي (1: 3) هذه نسبة غير معهودة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأستطيع أن أقول بأنها غير معهودة في تاريخ الصراعات ما بين شعب مستعمر وقوة مستعمرة. إذن استطاعت الانتفاضة أن تحقق إنجازات حتى وإن لم تكتمل حتى الآن. أريد أن أنتقل إلى تأثير آخر على الشارع الإسرائيلي: قبل الانتفاضة كان المهاجرون اليهود يأتون إلى فلسطين من كل صوب وحدب: من روسيا ومن أثيوبيا ومن غيرها من بلدان العالم، معتقدين أن هذه هي حضيرتهم، وأن هذه هي واحة الديمقراطية التي تنتظرهم، وبأنها أرض الميعاد التي يجب أن تطأ أقدامهم عليها؛ لكن بعد انتفاضة الأقصى بدأنا نشاهد بأن هناك هجرة معاكسة عند الإسرائيليين إلى خارج فلسطين المحتلة. الانتفاضة بعثت فيهم قلقاً وذعراً وخوفاً غير مسبوق على الإطلاق. وتأثير آخر على صعيد المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة: كان المستوطنون هم الذين يمسكون بقبضة القرار السياسي الإسرائيلي، ولكن سرعان ما أتت الانتفاضة لكي تغير من هذه التفاعلات، ولكي يفكر المستوطنون جدياً وعملياً بالرحيل عن مستوطناتهم التي بنيت عنوة وبشكل مغتصب للأرض الفلسطينية. إذن هذه الانتفاضة ما زالت في أوجها. الهجمة الإسرائيلية والعدوان الإسرائيلي ما زال أيضاً في أوجه، ولكن مهما كلف الأمر من ثمن كما هو واضح فإن المنتفضين الفلسطينيين عازمون العزم على الاستمرار في هذه الانتفاضة حتى تحقيق الهدف الأسمى وهو طرد الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. - د. محمود الزهار: الحقيقة أن هناك دراسات كثيرة تتحدث عن هذا الموضوع، يعني الأثر النفسي. كل الصحف العبرية الآن تتحدث عن حالة الخوف الفردي المتمثل في المظاهر الآتية: فراغ كل المحلات الكبرى المعروفة بالسوبر ماركت، إفلاس عدد كبير من المطاعم والملاهي والمراقص، إفلاس الحافلات الكبرى من الركاب وخسائر كبيرة في شركة إيغد بالذات، غياب أي تجمع في أي من الأماكن العامة التي كانت تمتلئ نشاطاً، المؤسسات وشركات المشتريات التي تقوم بنقل المشتريات إلى البيوت، الهجرة المعاكسة من داخل فلسطين المحتلة إلى خارجها لعدد كبير من المرتزقة، وانخفاض حجم الاستجلاب من المهاجرين من الخارج إلى الداخل. هناك حديث كبير يحتاج إلى بحث أكثر من مصدر عن حجم الأدوية المستخدمة في العلاج النفسي كالمهدئات والمنومات واللجوء إلى أطباء نفسيين؛ وهذه طبعاً ليست سراً. نحن نتابعها من مصادرها الإسرائيلية الوضع العسكري شهد تراجعاً كثيراً. عندما ندرك أن هناك 49 قتيلاً ومئات الجرحى بعد عملية السور الواقي، والآن حوالي 65 قتيلاً بعد عملية عمونئيل وفي يوم (5/6 و 6/6 و 8/6 و 11/6 و15/6 و 18/6 و 19/6) كلها يعني في شهر واحد تقول إن هناك هزائم على المستوى العسكري.. إخفاق في أن تطوق ظاهرة الاستشهاد وأن تواجه كما حدث في عملية عموئيل، وفي عملية وادي الرامة في رام الله. هناك إدراك حقيقي أن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع أن يستخلص عبرة من أي حادث من المواجهة إلى الدرجة أنه في عملية عمونئيل ثلاث عمليات تمت في نفس المكان والأسلوب بين العملية الثانية والثالثة أقل من 24 ساعة، وكلها تشكل هزيمة في الحقيقة. معنى ذلك أن الجندي الإسرائيلي الذي كان لا يقهر الآن يقهر في معسكره وفي طريقه إلى المعسكر. - د. محمد الهندي: عند الحديث عن آثار الانتفاضة مع الكيان العبري في فلسطين فلم تعد هذه الآثار خافية على أحد. على المستوى النفسي يتحدث الصهاينة أنفسهم عن زيادة كبيرة في أعداد المترددين على العيادات النفسية، وعن الحالات العصبية وعن مبيعات هائلة للعقاقير المهدئة. باختصار فإن المجتمع الصهيوني يتكون أساساً من يهود قادمين من أوروبا بعقلية رأسمالية شكلوا مجتمعاً يحبون المال ويبحثون عن الملذة، ولذلك هم لا يستطيعون تحمل العمليات الاستشهادية التي تضرب فصائل هذا المجتمع بعنف، وتترك آثارها إما أن تدفعه للمصحات النفسية أو للهروب للخارج كما حدث مع حوالي مليون صهيوني لهم محل إقامة خارج إسرائيل، وكما عبرت حفيدة بيجن التي غادرت تل أبيب إلى حي (بروكلين) في واشنطن والتي قالت: أعلم أن جدي يتقلب في قبره مما فعلت، لكن ماذا أفعل؛ فليس في إسرائيل أمان. أما شعب فلسطين فعلى العكس تماماً؛ فهو شعب تعود على التضحية والفداء وتقديم القرابين، وتعايش مع المصائب حتى أصبحت جزءاً من وجودنا. على المستوى العسكري: الجيش الصهيوني تم إعداده كجيش نظامي قوي مدجج بأحدث أنواع السلاح والتكنولوجيا المتطورة ليواجهه ويهزم الجيوش العربية. اليوم هو يواجه أطفالاً يحملون حجارة ومقاليع، ويختفون خلف حاويات الشوارع، وهذا يخلق أزمة حقيقية في الجيش الصهيوني. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن العمليات الاستشهادية تكسر معادلات القوة والتكنولوجيا والتسلح؛ فمثلاً لو قتل طيار في عملية استشهادية فهذا يوازي إسقاط طائرة حربية حديثة، وهكذا يكون القياس صحيحاً في الحالات الأخرى. هناك إحباط سياسي كبير عند الذين راهنوا على اتفاق أوسلو سواء في الجانب الفلسطيني أو الصهيوني؛ فبعد أن أمل عرابو أوسلو من الصهاينة على إنهاء الكيانية الفلسطينية وإقامة كيان فلسطيني ملحق بإسرائيل له وظيفة واحدة هي قمع المقاومة الفلسطينية مع الاحتفاظ بالمستوطنات والقدس والسيادة جاءت الانتفاضة لتضع أوسلو وأصحابها في مأزق حقيقي يعري كل الأوهام التي تم تسويقها أمام مسائل الحل النهائي التي تم تأجيلها، والتي لا حل لها، ووجدنا أصحاب أوسلو الصهاينة وعلى رأسهم بيرس عرابها وصاحب جائزة نوبل للسلام يتحول بقدرة قادر إلى عراب لحكومة شارون وجرائمها. اقتصادياً نشير فقط إلى خسائر صهيونية بمليارات الدولارات، وإلى شلل في قطاعات البناء والزراعة التي كانت تعتمد أساساً على الأيدي العاملة العربية وإلى ضرب قطاع السياحة نظراً لغياب الأمن؛ كما تشير إلى شلل المستوطنات الزراعية (الكيبوتسات) والمستوطنات الصناعية، وإقفال أو نقل المصانع منها سبب توقف حوالي 150 ألف عامل عزل عن العمل. ليس هناك حل نهائي للقضية الفلسطينية والصراع في فلسطين وعلى فلسطين سيستمر، وليس هناك مقدرة لأي طرف على حسم الصراع، وإنما مراكمة نقاط سواء كانت نقاط ضعف أو نقاط قوة، والانتفاضة راكمت للشعب الفلسطيني نقاط قوة عديدة كان قد فقدها أثناء فترة المفاوضات، وأنه لا أمن لأحد في المنطقة بدون نيل الشعب الفلسطيني لحقوقه؛ كما أثبتت أن القوة العسكرية مهما بلغت في جبروتها لن تستطيع حسم المعركة وإلحاق الهزيمة بشعب فلسطين. أما ما تسمى بعملية التسوية فقد وصل إلى نهايته، وصل إلى الإخفاق؛ لأنه ما من حل للمسائل التي تم تأجيلها عن عمد والتي تمثل جوهر الصراع، وليس هناك أي إمكانية لردم الهوة بين الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به أي فلسطيني وبين الحد الأقصى الذي يمكن أن يوافق عليه أي حزب صهيوني في قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات. إسرائيلياً يهدفون أساساً إلى تفتيت التجمع السكاني الفلسطيني الكبير في الضفة الغربية (2 مليون) وعزلهم في كانتونات منفصلة بها كتل استيطانية وشوارع التفافية ليستمر التعامل مع القضية الفلسطينية وكأنها قضية داخلية إسرائيلية. وفلسطينياً ليس هناك من يعلن قبوله بأقل من دولة فلسطين على الأرض المحتلة عام 1967م. وأي عودة للمفاوضات من جديد تعني تأجيل هذه القضايا لسنوات طويلة. - د. محمود الزهار: في المجتمع الإسرائيلي أنا لا أؤمن أن هناك يميناً إسرائيلياً ويساراً إسرائيلياً؛ برامج معروفة؛ ولكن هناك حالة تحكم كل انتخابات، حالة خوف معينة تحكم نتائج الانتخابات؛ والدليل على ذلك: هذه المرة ينجح حزب العمل، والمرة التي بعدها ينجح حزب الليكود، وبعده يأتي حزب العمل، وبعده حزب الليكود. إذن من يعد بالأمن يكسب؛ خصوصاً أن كل واحد لا يأتي بالأمن ينهزم؛ فالذي بعده يعد بمزيد من الأمن فيعطونه أصواتهم حتى يثبت إخفاقه ؛ وهكذا حتى الآن لم يستطع أحد أن يوفر لهم الأمن. معنى ذلك أن الحالة النفسية هي التي تحكم القرار الإسرائيلي الشعبي في مستوى الانتخابات وما يسمى بالأيديولوجيين سواء كان من هذا التيار أو ذاك؛ هم قلة في المجتمع الإسرائيلي. الذي يضبط السلوك الإسرائيلي هو المصلحة، وأهم هذه المصالح هو الأمن. والأمن حتى الآن لا يستطيع أحد أن يوفره، وأنا على يقين أنه إذا استمرت الانتفاضة وضربت الأمن، واستمر ضرب الأمن الإسرائيلي الآن فسيخسر شارون، ولا أقول إن خسارة شارون ستأتي بالسلام لأن البعض يراهن على أن شارون هو عقبة السلام. أنا أقول إن خسارة شارون سوف تأتي بزعيم جديد يعدهم بالأمن فيخفق إلى أن يأتي وعد الله تبارك وتعالى ويتم التعامل مع هذه القضية تعاملاً مختلفاً عن مشاريع الاستسلام. البيان: مشاريع التسوية مع اليهود لم تتوقف، لكن هل أثرت عليها الانتفاضة؟ وهل أكَّدت ضرورة المقاومة والثبات عليها؟ أم أنها رجَّحت ضرورة السير في طريق التفاوض والتسوية السياسية؟ - د. هشام فرارجة: لمدة سبع سنوات عجاف منذ توقيع اتفاقيات أوسلو والشارع الفلسطيني كان في حالة انتظار وفي حالة ترقب وأمل لكي تفضي ما دامت تجري من مباحثات ولقاءات واجتماعات ومفاوضات عن نتائج يمكن للشعب الفلسطيني أن يقبلها وأن يتعايش معها. في حقيقة الأمر لم تفض هذه المفاوضات إلا إلى تكريس للاحتلال على الأرض مع الأسف الشديد، ولذلك وبخاصة بعد أن تمكنت المقاومة اللبنانية في عام 2000م من تثبيت نصرها على المحتلين الإسرائيليين في جنوب لبنان أصبح واضحاً تمام الوضوح أن خيار المقاومة بالرغم من انعدام التوازن في الإمكانات هو خيار ممكن وجائز، بل هو هو الخيار الذي يجب أن يكون. باندلاع انتفاضة الأقصى ووضوح الرؤيا أمام المنتفضين الفلسطينيين باتت الصورة أوضح من أي وقت مضى بأن خيار المقاومة هو الخيار الأمثل للتعامل مع هؤلاء المحتلين؛ لأنه واضح تماماً أنهم لا يفهمون ولا يتفهمون إلا لغة القوة ولغة الخسائر بالتأكيد. هذا لا ينفي بالضرورة التحرك الدبلوماسي، ولكن على أسس ومعطيات ودون أن يكون على حساب الخيار المقاوم، ونحن في انتفاضة الأقصى وجدنا صوراً ساطعة لمؤثرات الخيار المقاوم، والنهج المقاوم في الساحة الفلسطينية تجلى ذلك بأوضح ما تجلى في مخيم جنين، مخيم جنين بالتاكيد ارتكبت بحقه مجزرة نكراء حيث هدم الحجر وقتل البشر هناك دون هوادة، ولكن في ذات الوقت استطاع مخيم جنين لمدة تسعة أيام على الأقل، أن يصمد في وجه أعتى وأقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، استطاع ما استطاع أن يفعله هذا المخيم وأكبر مما استطاعت أن تفعله جيوش نظامية بكاملها، وليس هذا فحسب وإنما مخيم جنين استطاع أن يسطر أسطورة بقيادة (أبو جندل) في الصمود والتصدي بشكل غير مسبوق، وأن يلحق في صفوف الإسرائيليين خسائر لم يعهدوها من قبل. ثلاثة: قائد كتائب - قادة كتيبة من قبل الإسرائيليين تنحوا جانباً في قيادة المعركة ضد مخيم جنين حتى أتى مسؤول الأركان (شاؤول موفاز) وقاد المعركة بنفسه نظراً لحجم الخسائر التي وقعت بالإسرائيليين. نحن لا نقول خداعاً للنفس ولا نقول ذلك إيقاعاً بأنفسنا في الأوهام، بالتأكيد كانت هناك خسائر فلسطينية في كل شيء، وهو أمر متوقع؛ لأنه من طبيعة الأحوال أن تلحق بالشعب المحتل المستعمَر خسائر كبيرة؛ هذه هي طبيعة الاحتلال، ولكن ما كان مغايراً والذي دلل عليه النهج المقاوم هو أنه بالإمكان بالفعل إذا ما توفر القرار والإرادة إلحاق أفدح الخسائر في صفوف المحتلين رغم ضآلة الإمكانات وتواضعها؛ لذلك الآن النهج المقاوم في الساحة الفلسطينية هو النهج المقبول، وهو النهج المقنع، وهو النهج الذي يحرك الصراع بدلاً من السبع سنوات العجاف التي شاهدناها قبل اندلاع انتفاضة الأقصى. - د. محمود الزهار: الانتفاضة أظهرت أن الموقف الذي قال إن الكيان الإسرائيلي لا يفكر في الانسحاب ثبت صحته، والتحذير الذي كنا نطلقه في عام 1994م أننا نخشى، وهناك فرق بين نخشى ونتمنى. إننا نخشى أن يكون مشروع غزة أريحا أولاً غزة أريحا آخراً الآن تتضح معالمه هذا المشروع إن ثبت هزيمته، وأهم مشروع تسوية طرح هو مشروع أوسلو، وأنا أعتقد أن أوسلو انتهى لعدة أسباب عملياً: انتهى؛ لأن الكيان الإسرائيلي لا يريده قانونياً. انتهى؛ لأن مدته الزمنية انتهت والمشروع انتهى من ضمير الشارع الفلسطيني الذي كان يظن أن أوسلو يمكن أن تصبح سنغافورة جديدة، وعلى أرض الواقع هناك احتلال. الواقع أن الاحتلال يلغي أوسلو؛ لأن أوسلو هي حكم ذاتي. لا يمكن أن نقول إن هناك حكماً ذاتياً، ومشروع التسوية المطروح هو انتهى، ما هي التسويات الأخرى التي سوف تأتي؟ لا أحد يعلمها، والمفاوضات استمرت في الانتفاضة ولكن لا أستطيع أن أقول إن الانتفاضة كرست نهج المقاومة إلى الأبد. لا تزال بعض عيون الناس تتلمس طريقها إلى المفاوضات، وعندما يجدون مفاوضاً فسوف يفاوضون، لكن أنا أقول إن الشارع الفلسطيني الآن أصبح يؤمن بنهج المقاومة وهو نهج أصيل في الحفاظ على الإنجازات، وهو موقف مقدم جداً عن الموقف في السنوات الماضية التي كان يرى في العمليات الاستشهادية تعطيلاً للمشروع الوطني. اليوم أصبحت المقاومة هي إنجازاً على مستوى المشروع الوطني وهو تطور في الموقف الفلسطيني في مجمله. البيان: كيف تقوِّمون التعاطف الإسلامي معكم في ظل الانتفاضة الأخيرة؟ - د. محمود الزهار: العالم العربي المغلوب على أمره استطاع أن يكسر كثيراً من الحواجز. يعني: العالم العربي استطاع أن يصل إلى درجة أن يخرج فيها إلى الشارع. خرج إلى الشارع، وعندما خرج إلى الشارع تظاهر، وهو كان غير مسموح له. خرج إلى الشارع وأطلقت عليه الكلاب والغازات المسيلة للدموع، ولكن استطاع الشارع العربي في المحصلة أن يصل إلى مرحلة أن يفرض إرادته، وهناك مناطق خرجت فيها المسيرات، ولم تكن تشهد مسيرات قبل ذلك، وهناك مناطق غير مسوح لها الخروج خرجت خارج إطار معين فخرجت عن هذا الإطار خرجت من الجامعات، وأيضاً هناك تخوف من خروج هذه المسيرات أن تؤثر سلباً على وحدة النسيج والعلاقة بين هذا الشعب وسلطاته، فخرجت هذه المسيرات ووجهت وجهتها في اتجاه فلسطين، ولم تفعل شيئاً على المستوى الداخلي. إذن حتى على مستوى الانتفاضة الشعبية استطاعت أن تحسم الكثير من المخاوف حول العلاقة بين المتظاهر العربي والإسلامي وبين السلطة القامعة التي تقمع هذا المتظاهر، وأعطت فرصة للحكومات أن قضية فلسطين مقدمة حتى على الصراع الداخلي. هذه أيضاً إيجابية تضاف إلى رصيد الانتفاضة. في المحصلة أنا أعتقد أن ما حدث هو قضية تراكمية سوف يتم تطويرها لتغيير الجغرافيا السياسية في العديد من المناطق العربية الفاعلة والإسلامية، ولربما تكون واحدة من أهم العوامل التي ستفرزها المواجهة المرتقبة بين الغرب وبين العرب. - د. هشام فرارجة: في حقيقة الأمر ربما هناك مساران للتعامل مع موضوع من هذا الأمر. على الصعيد الرسمي والجماهيري بالفعل تابعنا وبعين ثاقبة هنا في فلسطين موقف الشعوب العربية والإسلامية إزاء ما كان يحدث في فلسطين من ارتكاب للمجازر بحق الأطفال والنساء، قصف الأطفال النائمين المستغرقين في نومهم كما حدث في حي الدرج في غزة قبل عدة أيام فقط، تابعنا وشاهدنا حجم الغضب والسخط عند هذه الجماهير التي خرجت في تظاهرات عارمة في كل بلد عربي تقريباً وفي الكثير من البلدان الإسلامية وتابعنا أيضاً وشاهدنا كيف كانت تنادي هذه الجماهير وهذه الشعوب بضرورة أن يفتح هذا الباب باب الجهاد هذا من ناحية، ولكن على الصعيد الرسمي يتساءل كل فلسطيني: لماذا هذا الاستمرار في مثل هذا الصمت المطبق من الناحية الرسمية؟ أليس الفلسطينيون عرباً؟ أليس الفلسطينيون يدافعون عن حرمة المسجد الأقصى وعن حرمة القدس وقدسيتها نيابة عن كل عربي ومسلم؟ لماذا يبقى الفلسطينيون مستفرداً بهم أمام أعتى قوة آلية ووحشية في المنطقة وهي الآلة العسكرية الإسرائيلية؟ بالتاكيد في الشارع الفلسطيني هناك غضب وعطش لموقف عربي ورسمي وإسلامي أكثر جدوى وتاثيراً مما شاهدناه حتى الآن. نحن نعرف طبيعة القيود والظروف، ولكن لا توجد ظروف أكثر وأعقد من الضغوط التي يعيشها الشعب الفلسطيني؛ ولذا لا يستطيع أن يقبل الشعب الفلسطيني بمسوغات الظروف التي قد تطرح هنا وهناك. هناك حاجة ماسة لتضامن كل الجهود رسمياً وشعبياً من أجل التخلص من هذا الاحتلال؛ لأنه لا يشكل خطراً على الفلسطينيين فقط؛ وإنما يشكل خطراً حقيقياً على المنطقة برمت