يوم مات إبراهيم حسن
كنتُ وصاحبي الكفيف أوَّلَ من دَخل قسمَ اللغويات في كلية اللغة العربية بالقاهرة، ذلك اليومَ انتظرنا طويلاً حتى جاء عاملُ القِسم وفتح لنا.
أجلستُه بجوار مَكتب أستاذنا العلّامة شيخ اللُّغويين بالجامعة العريقة... مكتب كبير عالٍ بشكلٍ ملحوظ عن بقية المكاتب...
ووقفتُ أمام دولاب الرسائل بالقسم... اسمه الكريم يزيِّن أغلبَها مشرِفًا ومناقشًا.
دخل علينا في تمام الثامنة صباحًا... كان يشكو من صداع بسيط.
جلسنا نَنتظر حضورَ الطلاب.
ساعة كاملة ونحن معه وحدنا!
يحكي لنا ذكريات شبابه... وعن رأيه في فلان وفلان.
أسرار وآراء وأفكار تحتاج إلى أعمار من أجل الإحاطة بها.
دعانا لمناقشة اليوم.
طالب دكتوراه من "تشاد" بإشرافه هو وأستاذنا الدكتور فايز دياب.
أخبرنا أنَّ الدكتور العمروسي هو المناقِش الخارجي.
وسألناه نحن عن مناقشة الغد.
طالبة دكتوراه في دراسات بنات المنصورة.
أثنى على الطالبة كثيرًا... قال: إنَّه صلى الفجر وعاد للقراءة في رسالتها رغم أنَّه أتمَّها.
سألنا عن الطريق إلى كلية البنات.
يعلم أنَّنا طلاب في المنصورة ويرحِّب بنا ويجلسنا بجواره دائمًا.
صاحبي ثمَّ أنا!
ويصرُّ على أن أكون أنا قارئه الوحيد.
أتاه باحثٌ يَنتظر المناقشةَ، طَمْأنه وربّت على كَتفه.
انتهت المحاضرة وانصرف الطلاب.
♦♦♦
وبقيتُ وصاحبي معه.
لا أدري لماذا سألتُه يومها عن أستاذي د. محمد الخطيب الذي أشرف عليه في الدكتوراه؟
قال: "محمد دا ولد فَلْتة... وعالِم بجد... وأنا بحبه".
♦♦♦
طلب منَّا أن نتركه ليستريح قليلاً قبل المناقشة.
ساعتها أدركتُ كم أثقلنا عليه... كان لا يشكو إلاَّ إذا بلغ الألمُ مداه!
تركناه ومَضينا.
♦♦♦
حدَّثني أستاذنا الدكتور العمروسي أنَّه أصرَّ على ألاَّ تبدأ المناقشة إلا بعد صلاة الظهر، وصلَّى بالجميع إمامًا.
♦♦♦
بدأت المناقشة... كان مشرِفًا مشاركًا، لكن د. فايز قدَّمه على نفسه.
خطب عن ابن جنِّي - موضوع البحث - خطبةً عصماء، لا يستطيع شاب في ميعة العشرين أن يخطب مثلَها صدقًا وحيوية!
أعطى الكلمةَ للطالب.
بدأ الطالب يُعرِّف بموضوع بحثه.
رأيتُه يميل قليلاً تجاه زميله د. فايز وكأنَّما يريد أن يُسرَّ إليه بشيء.
لم يتكلم..
لحظة واحدة... وانتهى كلُّ شيء!
وتأجَّلَت مناقشة الغد!
دارت بي الدنيا..
رغم كل الحزن... كان بداخلي شيء ما يَشعر بالسعادة.
نعم، سعيدٌ أنَّه ما زال في الدنيا من يرزق تلك الخاتمة الحسنة.
سعيد أنَّه أستاذي.
سعيد أنَّني رأيتُ بعينيَّ تلك الميتة السعيدة.
وما زال ملمس أنامله وهو يربّت بها على كتفي لا يفارقني إلى اليوم!
وأغلب الظن أنه لن يفارقني ما حييتُ!
ملحوظة هامة:
الأستاذ الدكتور إبراهيم حسن إبراهيم: هو شيخ اللغويين بجامعة الأزهر، درس النحوَ والصرفَ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة لسنوات عديدة، وقد ناقَش وأشرف على العديد من الرَّسائل العلمية في مصر والمملكة العربية السعودية، وقد أثرى المكتبةَ اللغوية بعدد من المؤلفات؛ منها: "دراسات لأسلوب النداء في القرآن الكريم"، و"سيبويه والضرورة الشعرية"، وشارك في تحقيق "تحفة الغريب في الكلام على مغني اللبيب"، وقد كان رحمه الله من أقدر مَن رأيتُ على شرح كتاب سيبويه، وحلِّ معضلاته، وله استدراكات جليلة نافِعة على تحقيق الشيخ عبدالسلام هارون للكتاب.
يوم مات إبراهيم حسن
كنتُ وصاحبي الكفيف أوَّلَ من دَخل قسمَ اللغويات في كلية اللغة العربية بالقاهرة، ذلك اليومَ انتظرنا طويلاً حتى جاء عاملُ القِسم وفتح لنا.
أجلستُه بجوار مَكتب أستاذنا العلّامة شيخ اللُّغويين بالجامعة العريقة... مكتب كبير عالٍ بشكلٍ ملحوظ عن بقية المكاتب...
ووقفتُ أمام دولاب الرسائل بالقسم... اسمه الكريم يزيِّن أغلبَها مشرِفًا ومناقشًا.
دخل علينا في تمام الثامنة صباحًا... كان يشكو من صداع بسيط.
جلسنا نَنتظر حضورَ الطلاب.
ساعة كاملة ونحن معه وحدنا!
يحكي لنا ذكريات شبابه... وعن رأيه في فلان وفلان.
أسرار وآراء وأفكار تحتاج إلى أعمار من أجل الإحاطة بها.
دعانا لمناقشة اليوم.
طالب دكتوراه من "تشاد" بإشرافه هو وأستاذنا الدكتور فايز دياب.
أخبرنا أنَّ الدكتور العمروسي هو المناقِش الخارجي.
وسألناه نحن عن مناقشة الغد.
طالبة دكتوراه في دراسات بنات المنصورة.
أثنى على الطالبة كثيرًا... قال: إنَّه صلى الفجر وعاد للقراءة في رسالتها رغم أنَّه أتمَّها.
سألنا عن الطريق إلى كلية البنات.
يعلم أنَّنا طلاب في المنصورة ويرحِّب بنا ويجلسنا بجواره دائمًا.
صاحبي ثمَّ أنا!
ويصرُّ على أن أكون أنا قارئه الوحيد.
أتاه باحثٌ يَنتظر المناقشةَ، طَمْأنه وربّت على كَتفه.
انتهت المحاضرة وانصرف الطلاب.
♦♦♦
وبقيتُ وصاحبي معه.
لا أدري لماذا سألتُه يومها عن أستاذي د. محمد الخطيب الذي أشرف عليه في الدكتوراه؟
قال: "محمد دا ولد فَلْتة... وعالِم بجد... وأنا بحبه".
♦♦♦
طلب منَّا أن نتركه ليستريح قليلاً قبل المناقشة.
ساعتها أدركتُ كم أثقلنا عليه... كان لا يشكو إلاَّ إذا بلغ الألمُ مداه!
تركناه ومَضينا.
♦♦♦
حدَّثني أستاذنا الدكتور العمروسي أنَّه أصرَّ على ألاَّ تبدأ المناقشة إلا بعد صلاة الظهر، وصلَّى بالجميع إمامًا.
♦♦♦
بدأت المناقشة... كان مشرِفًا مشاركًا، لكن د. فايز قدَّمه على نفسه.
خطب عن ابن جنِّي - موضوع البحث - خطبةً عصماء، لا يستطيع شاب في ميعة العشرين أن يخطب مثلَها صدقًا وحيوية!
أعطى الكلمةَ للطالب.
بدأ الطالب يُعرِّف بموضوع بحثه.
رأيتُه يميل قليلاً تجاه زميله د. فايز وكأنَّما يريد أن يُسرَّ إليه بشيء.
لم يتكلم..
لحظة واحدة... وانتهى كلُّ شيء!
وتأجَّلَت مناقشة الغد!
دارت بي الدنيا..
رغم كل الحزن... كان بداخلي شيء ما يَشعر بالسعادة.
نعم، سعيدٌ أنَّه ما زال في الدنيا من يرزق تلك الخاتمة الحسنة.
سعيد أنَّه أستاذي.
سعيد أنَّني رأيتُ بعينيَّ تلك الميتة السعيدة.
وما زال ملمس أنامله وهو يربّت بها على كتفي لا يفارقني إلى اليوم!
وأغلب الظن أنه لن يفارقني ما حييتُ!
ملحوظة هامة:
الأستاذ الدكتور إبراهيم حسن إبراهيم: هو شيخ اللغويين بجامعة الأزهر، درس النحوَ والصرفَ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة لسنوات عديدة، وقد ناقَش وأشرف على العديد من الرَّسائل العلمية في مصر والمملكة العربية السعودية، وقد أثرى المكتبةَ اللغوية بعدد من المؤلفات؛ منها: "دراسات لأسلوب النداء في القرآن الكريم"، و"سيبويه والضرورة الشعرية"، وشارك في تحقيق "تحفة الغريب في الكلام على مغني اللبيب"، وقد كان رحمه الله من أقدر مَن رأيتُ على شرح كتاب سيبويه، وحلِّ معضلاته، وله استدراكات جليلة نافِعة على تحقيق الشيخ عبدالسلام هارون للكتاب.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره