تأثر الإمام الزركشي بالحياة الاجتماعية والعلمية في عصره


أولاً: تأثره بالحياة الاجتماعية في عصره:

لقد كان لهذه الحالة الاجتماعية بعد توفيق اللّه عز وجل دور بارز في بعث هذا الفتى النابغ؛ إذ بدأ حياته بتعلم حرفة تعينه على شؤون حياته، فبرع في حرفة الـزَّرْكَش، لكن طموحه وهمته العالية أبت عليه الوقوف عند هذا الحد فبادر بفضل اللّه وتوفيقه إلى طلب العلم، وشرف العلم فوق كل شرف، ومن جد وجد ومن زرع حصد، ومن طلب العلا سهر الليالي، ورحم الله من قال:

العلم يبني بيوتا لا أساسا لها = والجهل يهدم بيت العز والشرفِ

لقد اختار الإمام الزركشي العلم طريقًا له رغم العوز الذي عاشه واضطره إلى امتهان مهنة الزَّركش، ولقد ترك الدنيا وراءه ظهريًا رحمه الله فأصبح بعد فضل الله من كبار العلماء البارزين في عصره وفي العصور التالية إلى عصرنا هذا.


اتجه إلى وجهته التي يرى فيها الخير والثواب بل والجنة، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ»[1].


واجه الصعوبات والعقبات والمجاعات والمحن والفتن التي واجهت المجتمع المصري بكل قوة وثبات فلم تعطل مسيرته العلمية ولم تفت من عضده بل جعلته مهتمًا بشكل أكبر بالعلم، وهذا يتضح جليًّا من خلال مخرجاته العلمية التي ما زالت حتى يومنا هذا مقصدًا للباحثين ومرجعًا في أبواب الشرع والدين فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة والعطاء.

 

ثانيًا: تأثره بالحالة العلمية في عصره:

رغم المشكلات السياسية التي عانى منها عصر المماليك، والمتاعب الاجتماعية الجمَّة، فإن المجتمع الإسلامي لم يخلُ من رجال جردوا أنفسهم لله، وخدموا العلم بأمانة وإخلاص، ففي هذا العصر ضحى الكثير من العلماء بالجاه والمال وزهدوا في السلطان، وسخروا أنفسهم لخدمة الدين والعقيدة ولم يبخلوا بنصح ولا توجيه، ولم يكتموا علمًا عن طالبه، ومن أولئك الإمام الزركشي الذي زهد في مهارةٍ بيده تكسبه مالاً واتجه إلى طريق العلم، والعيش على الكفاف، وعشق الرحلة في طلب العلم وهو في الثامنة عشرة من عمره، وصنف الكتب وهو في الرابعة والعشرين، فهو جدير بالمكانة العلمية العالية رحمه الله.


كانت حياته مقصورة على هذا الشأن، قيّد وقته بقوة العزيمة فلا يُرى إلا مع شيخ يفيد منه علمًا، أو معتكفًا في داره على كتـاب يدرس فيه ويؤلف، أو في جولة علمية في أسواق الكتب ليمتع فكره بفنون العلم وفوائده.


هذا المنهج الفريد، أكسب الزركشي مكانة علمية عالية، شهد له بذلك أعلام كبار، فقد قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "... ورأيت أنا بخطه من تصنيفه البرهان في علوم القرآن من أعجب الكتب وأبدعها، مجلدة ذكر فيها نيفًا وأربعين علمًا من علوم القرآن... "[2].


صنَّف عشرات الكتب في فنون من العلم شهد بجودتها وحسنها العلماء، وأفادوا منها علمًا ومعرفة؛ فكان بحق فقيهًا، أصوليًّا، محدِّثًا بارعًا، أديبًا ناقدًا.





[1] رواه أبو داوود ج/3، ص/354.

[2] إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ للحافظ ابن حجر العسقلاني، ج/3 ص 140- 141.