صفعات قادت إلى الخيرات

 

(7)

القعنبي

كان شابًّا ضائعًا يشرب النبيذ ويَقضي ليله ونهاره يصحَب الأحداث والأغمار من الصبيان والشباب، يأكلون ويشربون ويمرَحون بلا غاية تجمعهم أو هدف يُشجِّعهم، كان القعنبي يقعد كلَّ يومٍ على باب بيته ينتظر قدوم أصحابه فيتَّفقون فيما بينهم على ما يفعلون في يومهم، وهو هو ما يجتمعون ويخرجون لأجله كل يوم، لا غاية ولا هدف إلا قضاء الفراغ وتمرير الوقت.


وفي يوم من هذه الأيام قعد ينتظرهم على باب البيت فمرَّ موكب عظيم من أمامه جذَب نظرَه، كأنما تخيَّله موكب الخليفة أو موكب الأمير، فقام يستكشف الحدث ويتعرَّف على ما غاب عنه من أمرِه، كان صاحب الموكب يَمتطي حماره يسرع به إسراعًا، والناس خلفه يُهرَعون، وحين نظر إليه القعنبي لم يَعرفه، إذ لم يكن الخليفة ولا الأمير، وإنما كان واحدًا غيرهما ربما لم يعهد هو رؤيته، ولم يعرف - في الحقيقة - أن الواقف أمامه كان نجمًا من نجوم ذلك الزمان، فقد كان عالمًا من علماء الحديث الكبار الذين يَجتمع الناس حولهم ويحفُّون بموكبهم ربما أكثر من الخليفة والأمير معًا، حتى قال بعض خدم الخليفة يومًا وقد رأى أحد مواكب العلماء هذه واطَّلع عليها: "هذا الملك لا ملك الخليفة".


تقدَّم الشابُّ ناحية الموكب وتطلَّع في الوجه الغريب عنه وسأل من حوله:

• من هذا؟
فأجابه بعض من سمعه وقال:

• "هذا شُعبة"، إذًا هو علَم لا يُنسب؛ إذ اكتفى صاحب الإجابة باسمِه فقط، كشأن سائر الأعلام والنجوم الهاديات، لكن الشابَّ الغائب بعقله في غمرة السكر، الذاهبة حياته في خلَّة ضائعة وأيام مضيَّعة قال:

• "وأيُّ شيء شعبة"؟ كلمة تنمُّ عن كبْرٍ وتعالٍ وهزء وسخرية، وأنه لا يَعبأ بشيء مما يحدث حوله، هكذا: "وأيُّ شيء شعبة؟"


وعاد بعض من حوله يجيبونه باقتضاب يُنبئ عن عجب منه، هل فعلاً لا يدري من هو شُعبة؟! قائلين:

• "محدِّث" في كلمة واحدة، تشعر أنَّهم كانوا في شغل عن استطراد وحوار، وشعر الشابُّ بهذا فانقطع عن الأسئلة والاستفسارات، لكنَّه قرر أن يكمل الحوار مع الشخص الذي ألهب هذه المشاعر فتبعتْه قلوبها وعيونها وتابعته الآذان والأقلام تسمع وتكتب ما ينطق به، فقام إلى شعبة نفسه وواجهه قائلاً له:

• "حدثني"! ونظر شعبة فرأى شابًّا يرتدي ثوبًا أحمر ويسأله الزئبق الأحمر! فقال له على الفَور:

• "ما أنت من أصحاب الحديث فأحدِّثك"، وسمع الشاب الضائع الكلمة فإذا هي تقرَعه برفض طلبه، وما تعوَّد أبدًا على ذلك، فشهر سكِّينه في وجه شُعبة يهدِّده ويتوعَّده إن لم يحدِّثه ليفعلنَّ به ما تفعل هذه السكِّين في جسد من سلِّطت عليه، وقال:

• "أتحدِّثني أو أجرحك"؟! ومَن مثل شعبة ذكاءً وفطنة! فتخيَّر بفراسته من بضاعته ما يُجيب به تهديد الفتى لعله يرتدع، فقال له:

• حدَّثَنا منصور عن ربعيٍّ عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))[1].

 

وأصاب سهمُ شعبة مرماه، فإذا الكلماتُ تصعق الشابَّ وتهزُّه حتى إنَّه رمى سكِّينه من يده، وعزم على الإقلاع عن ذنبه ومفارقة المعصية، فرجع إلى بيته وطهَّره مما كان فيه، فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فأراقه، وكسر آنية النبيذ وآلات اللهو، وودَّع رفاق السوء والهوى، وكأنَّما أراد أن يترك رسالة إلى رفاقه بما آل إليه حاله لعلَّهم به يتأسَّون وفي مستقبل زمانهم يرشدون، ولم يشأ أن يلقَاهم أو يقابلهم لئلا يثنوه عن عزمه أو يضعف هو برؤيتهم فيحنَّ إلى صحبتهم فقال لأمِّه: الساعة أصحابي يَجيئون فأدخليهم وقدِّمي الطعام إليهم، فإذا أكلوا فخبِّريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا، ومضى من وقته إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يَطلب العلم والهدى، وهناك لزم مالكَ بنَ أنس فأثر عنه شيئًا كثيرًا حتى كان أعظم رواة الموطَّأ، وكانت نسختُه أصح الروايات للموطَّأ عن مالك، وذلك عجيب؛ فإن من بين رواة الموطَّأ جبالاً أمثال محمد بن الحسن إمام الأحناف!


ولكنَّ نيَّة الشاب التائب كانت قويَّة وصحيحة، وتوبته كانت صافية ونصوحًا، فصار كذلك.


وكانت كلمة شعبة هي التي حوَّلت القعنبي من سكِّير عربيد إلى إمام محدِّث كبير، ولعلَّ شُعبة لم يُلق لها بالاً، وفي هذا عظة وعبرة للذين يحبسون فضل عظاتهم عن العصاة، فلله كم من كلمة ضعضعت جبلاً من المعاصي كان يظنُّ قبلُ أنه لا يتضعضع ولا يلين.


رجع القعنبي - عبدُالله بن مسلمة وهذا اسمه - بعد فترة من مكثه في المدينة إلى بلدته، البصرة، فوجد شُعبة قد مات، فلم يسمع منه غير هذا الحديث[2].

 

حتى قال الحافظ أبو عمر بن عبدالبر - رحمه الله -: "لم يَروِ القعنبيُّ عن شعبة غير هذا الحديث"[3].

 

وقال الحافظ المِزيُّ - رحمه الله -: "وليس للقعنبيِّ عن شعبة سواه"[4].

 

و قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الإمام عبدالله بن مسلمة القعنبي - رحم الله الجميع -: "قال الحافظ أبو عمرو أحمد بن محمد الحيري: سمعت أبي يقول: قلت للقعنبيِّ: مالكَ لا تروي عن شعبة غير هذا الحديث؟ قال: كان شعبة يَستثقلني، فلا يُحدثني، يعني حديث: ((إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))[5].

 

وقد ذكر بعضهم - في سبب سماع القعنبي من شعبة هذا الحديث فقط - غير ذلك فقالوا: إنَّ القعنبي قدم البصرة ليسمع من شعبة ويُكثر، فصادف مجلسه يوم قدومه قد انقضى، وانصرف إلى منزله، فجاء فوجد الباب مفتوحًا وشعبة على البالوعة فدخل من غير استئذان وقال: أنا غريب، قصدت من بلد بعيد لتُحدِّثني، فاستعظم شعبة ذلك وقال: دخلتَ بيتي بغير إذني وتُكلِّمني على هذه الحالة؟! اكتب: حدَّثنا منصور فذكر له الحديث ثم قال: والله لا حدثتُكَ غيرَه ولا حدثتُ قومًا أنت معهم"[6].

 

لكن الحافظ الذهبي - رحمه الله - كذب هذه الحكاية قائلاً: "وقد رويت حكايةً في سماع القعنبي لذاك الحديث من شعبة لا تصحُّ وأنه هجم عليه في بيته، فوجده يَبول في بلوعة، فقال: حدثني، فلامه، وعنَّفه، وقال: تَهجُم على داري، ثم تقول: حدثني، وأنا على هذه الحالة؟! قال: إني أخشى الفوت، فروى له الحديث في قلَّة الحياء، وحلف ألا يُحدثه بسواه، وفي الجملة لم يدرك القعنبي شعبة إلا في آخر أيامه، فلم يكثر عنه"[7].

 

وفي سيرة القعنبيِّ فوائد جمَّة أولاها بالتأمُّل أن الماضي السيِّئ يمكن للإنسان أن يتجاوزه بسهولة ويقفز عليه إلى مستقبل مُشرق يُقابل هذا الماضي سوادًا ببياض، يقول المعنيون بطبائع الطيور المهاجرة: إنها قد تضلُّ طريقها مرة أو مرتين أو ثلاث مرات على الأكثر، ثم لا تلبث تلك الطيور أن تتجه إلى وجهتها وتستقيم عليها إلى أقصاها، فلا تيئس وحاول، ومن نظر في سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية ثم الإسلام استبان له هذا المعنى وظهر له بجلاء، فلا يمنعنَّك ماضيك السيئ أن تطلب المعالي، ولا يثبّطنّك شيطانك عن الحسنات والهدى إذا أورد على خاطرك ما تلبَّسْتَ به أمس من السيئات والضلال، فإن أعرضت عنه ارتفعت إلى العلا، وإن استمعت له هويت إلى الرَّدى.





[1] الحديث رواه البخاري (5769)، عن أبي مسعود البدري - واسمه عقبة بن عمرو - رضي الله عنه، وقد تصحَّف على بعض الرواة فذكروه عن ابن مسعود رضي الله عنه، وليس كذلك.

[2] كشف المشكل من حديث الصحيحين، (1 / 437) أبو الفرج بن الجوزي، سير أعلام النبلاء (261 / 10)، الذهبي، التوابين، فصل (توبة القعنبي)، ابن قدامة.

[3] التمهيد (10 / 69) ابن عبدالبر.

[4] تهذيب الكمال (1752) الحافظ جمال الدين المِزِّي.

[5] سير أعلام النبلاء (261 / 10)، الذهبي.

[6] المُنْتَخَب (1801 - 1803)، السمعاني.

[7] سير أعلام النبلاء (261 / 10)، الذهبي، وهناك قصة ثالثة في سبب عدم تحديث شعبة إياه بغير هذا الحديث، وهي ما ذكره ابن نصر البخاري في [مجلس من إملائه (ق / 10 / ب)] قال: "ما روى القعنبي عن شعبة غير هذا الحديث؛ وذلك أنه قال له شعبة: "أتتركني في بلد وترتحل إلى مالك؟!"

فألحَّ عليه القعنبيُّ وأخذ بلجام دابَّتِه فحدَّثَه بهذا الحديث، وحلف شعبة أن لا يُحَدِّثَه، والله أعلم.