صفعات قادت إلى الخيرات (6)
صانع الكساء.. شيخ النحاة والقراء
من هو علي بن حمزة، ذلك المرء الذي تعلَّم النحو على كِبَر فلم يَصِرْ إمامًا للنُّحاة فحسب، بل صار إمامًا للغة العربية بفروعها، وأحد أئمَّة القراءة السبعة؟
كان عليٌّ هذا رجلاً عاديًّا، وكان يعمل ببَيع الملابس، وكان مع ذلك كان يتردَّد على بعض الحلقات أوقات راحته من العمل أو بعد فراغه منه طلبًا لمعرفة الواجب عليه في دينه، كما كان ذلك شأن المسلمين في سابق الزمان وخيِّره.
وصار "عليٌّ" يلتقط بعض الكلمات والجُمَل، ويفيد من بعض الشيوخ مسائل وقواعد، وكأنَّما لمس مِن نفسه ذلك؛ فصار يحافظ على حضور الدروس لا سيَّما دروس علم النحو، وكان ذكيًّا لماحًا يَحتفظ بما يسمع في ذاكرة ألمعيَّة.
كان "عليٌّ" من أهل الكوفة واستوطن بغداد، وفي يوم كان يجلس في حلقة من حلقات العلم يتدارَسُ أهلُها كلام العرب نحوًا وصرفًا، وسمع المعلِّم يسأل طلابه سؤالاً، فأحبَّ الكسائي أن يجيبَ فنظر طلاب الحلقة إليه متأفِّفين يقولون: وهل لبائع الأكسية بذلك اهتمام؟
وقيل: كان سبب توجُّهه إلى الطلب ما ذكر الفراء أنه جلس يومًا إلى قوم وقد تعبَ مِن المشْي فقال: عييتُ، فقالوا له: تُجالسنا وأنت تلحن؟! إذا أردت التعب فقل: أُعييت، وإذا أردت انقطاع الحيلة فقل: عييت، فأنِفَ مِن هذه الكلمة ولزم الشيوخ حتى ملأ علمُه وذكرُه الدنيا وشغل الناس[1].
وكانت الكلمة صادمة لنفسِه المتشوِّقة، ورُوحه الولوع، وهمَّته الرفيعة، وشاء الله أن تثبَ الكلمةُ في نفسِه مِن جانب التثبيط إلى جانب التحدِّي، وكان مِن أثر ذلك أن لَزِمَ مجلسَ عمرو بن العلاء وخدَمه سبع عشرة سنة، وجلس كذلك في حلقة الخليل وقد حوَّلته الكلمة إلى جذوة نشاط؛ فقد سأله يومًا: عمَّن أخذتَ هذا العلم؟ فقال له الخليل: من بوادي الحجاز، فعزم الكسائي أمْرَه ورحَل إلى هناك فكتَب عن العرب شيئًا كثيرًا، ثم عاد إلى الخليل فوجده قد مات وتصدَّر مكانه يونس، فجرت بينهما مناظرات أقرَّ يونس للكسائي فيها بالفضل وأجلسه في موضعه.
فصار من بائع كساء عاديٍّ - ككثير من الناس - إلى إمام من أئمة النحو واللغة.
ولك أن تعلم أنَّ الدنيا حين افترقت في النحو - بعد ذلك - افترقت إلى فريقين؛ كوفيٍّ وبصريٍّ؛ فكان الكوفيون شيخهم الكسائي، كما أنَّ البصريين كان شيخهم سيبويه.
وكان من أثر ذلك هذه المناظرات التي جرت بين الكسائي وسيبويه وعموم شيوخ الكوفيين مع عموم البصريين النُّحاة من كلٍّ.
حتى قال الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في النحو فهو عيِّل على الكسائي.
ولك أن تعلم أيضًا أنه صار من أئمة القراءات المَعدودين في الدنيا؛ فقد انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة بن حبيب الزيات، وبلغ من علوِّ همَّته في ذلك أن حمزة كان يقول لتلامذته: اعرِضوا هذا الرأي على صاحب الكساء؛ لأنه كان يتَّشح بكساء ويَجلس في مجلس حمزة.
وقيل في سبب تسميته بالكسائي أقوالٌ أخرى، منها: أنه أحرم في كساء، وقيل: لأنه كان على حداثة سنه يبيع الكساء - كما أسلفنا - وقيل: لأنه كان من قرية مِن قُرى السواد يقال لها باكسايا.
الشاهد أنه لازم حمزة وأخذ القراءة عرضًا عنه أربع مرات، حتى إذا مات حمزة انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة، وصار أحد القرَّاء السبعة، حتى قال أبو عبيد في كتاب القراءات: "ليس هناك أضبط للقراءة ولا أقوم بها من الكسائي".
ولك أن تعلم - كذلك - أن الكسائي حين مات قُبض هو ومحمد بن الحسن - تلميذ أبي حنيفة وإمام الأحناف بعده - بالريِّ في يوم واحد، وكانا خرَجا مع الرشيد، فلما دُفنا قيل فيهما: دفن النحو والفقه في يوم واحد، وذلك سنة 189 هـ.
ولك أن تعلم - كذلك - أنَّ مِن أقوال العلماء فيه ما يهتزُّ لها الفؤاد طربًا:
قال فيه بعضهم: كان الكسائيُّ إذا قرأ القرآن أو تكلَّم كأنَّ ملَكًا ينطق على فيه.
وقال يحيى بن معين: ما رأيت بعينيَّ هاتين أصدق لهجةً من الكسائي.
وقال إسماعيل بن جعفر المدني - وهو من كبار أصحاب نافع -: ما رأيت أقرأ لكتاب الله تعالى من الكسائيِّ.
وقال أبو بكر بن الأنباري: "اجتمعَتْ في الكسائي أمور؛ كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب، وأوحد الناس في القُرآن، فكانوا يَكثُرون عنده فيَجمعهم ويَجلِس على كرسي ويَتلو القرآن من أوله إلى آخره وهم يَسمعون ويَضبِطون عنه حتى المَقاطِع والمبادئ".
وكان النَّاس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، ويُنقطون مصاحفَهم من قراءته.
رأى بعض العلماء الكسائي في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن، فقال له: ماذا فعل حمزة؟ قال له: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما نرَى الكَوكب[2].
وفي سيرة الكسائي فوائد جمَّة، أولاها بالتأمل أن التعلم لا زمن له، وأنه قد يرسخ في العلم ويفوق أقرانه من تعلم بعد كبره؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما العلم بالتعلم))[3]، فدع عنك المثبطات من مثل قولهم: "العلم في الكبر كالنقش على الماء"، فتالله كم من كبير أفلح في العلم حتى فاق مَن سبَقوه! وكم ثبطت مثل هذه الكلمة نوابغ وصدَّتهم عن العلم بعدما رُجي لهم تحقق ما طلبوه، قال ابن حجر - رحمه الله - عن الإمام التابعي الثقة صالح بن كَيسان - رحمه الله - (أثبَت أصحاب الزهري فيه بعد الإمام مالك)، قال: "وابتدأ بالتعلم وهو ابن سبعين سنة"[4]، ويقرب من هذا ما كان من أمر الإمام الفقيه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب - رحمه الله - قال الذهبي في السِّيَر: "إنه ما طلب الحديث حتى كبر"[5].
وغير هؤلاء من العلماء كثير، طلبوا العلم في الكِبَر، ولم يمنعهم كِبر سنِّهم من الطلب، بل قبل ذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أسلمت الكثرة الكاثرة منهم وهم كبار في السن، فما منعهم سنُّهم من الطلب والتعلم، حتى صاروا أساتذة الدنيا في العلم الشرعي.
[1] كما في تاريخ بغداد (11 / 404).
[2] راجع في ترجمة الكسائي: معرفة القراء الكبار (1 / 100)، الذهبي، النشر (1 / 172)، لابن الجزري، الأعلام (5 / 14) للزركلي.
[3] رواه الطبراني وغيره، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، وصحيح الجامع.
[4] تهذيب التهذيب (4 / 366)، ابن حجر.
[5] سير أعلام النبلاء (7 / 148)، الذهبي.
صفعات قادت إلى الخيرات (6)
صانع الكساء.. شيخ النحاة والقراء
من هو علي بن حمزة، ذلك المرء الذي تعلَّم النحو على كِبَر فلم يَصِرْ إمامًا للنُّحاة فحسب، بل صار إمامًا للغة العربية بفروعها، وأحد أئمَّة القراءة السبعة؟
كان عليٌّ هذا رجلاً عاديًّا، وكان يعمل ببَيع الملابس، وكان مع ذلك كان يتردَّد على بعض الحلقات أوقات راحته من العمل أو بعد فراغه منه طلبًا لمعرفة الواجب عليه في دينه، كما كان ذلك شأن المسلمين في سابق الزمان وخيِّره.
وصار "عليٌّ" يلتقط بعض الكلمات والجُمَل، ويفيد من بعض الشيوخ مسائل وقواعد، وكأنَّما لمس مِن نفسه ذلك؛ فصار يحافظ على حضور الدروس لا سيَّما دروس علم النحو، وكان ذكيًّا لماحًا يَحتفظ بما يسمع في ذاكرة ألمعيَّة.
كان "عليٌّ" من أهل الكوفة واستوطن بغداد، وفي يوم كان يجلس في حلقة من حلقات العلم يتدارَسُ أهلُها كلام العرب نحوًا وصرفًا، وسمع المعلِّم يسأل طلابه سؤالاً، فأحبَّ الكسائي أن يجيبَ فنظر طلاب الحلقة إليه متأفِّفين يقولون: وهل لبائع الأكسية بذلك اهتمام؟
وقيل: كان سبب توجُّهه إلى الطلب ما ذكر الفراء أنه جلس يومًا إلى قوم وقد تعبَ مِن المشْي فقال: عييتُ، فقالوا له: تُجالسنا وأنت تلحن؟! إذا أردت التعب فقل: أُعييت، وإذا أردت انقطاع الحيلة فقل: عييت، فأنِفَ مِن هذه الكلمة ولزم الشيوخ حتى ملأ علمُه وذكرُه الدنيا وشغل الناس[1].
وكانت الكلمة صادمة لنفسِه المتشوِّقة، ورُوحه الولوع، وهمَّته الرفيعة، وشاء الله أن تثبَ الكلمةُ في نفسِه مِن جانب التثبيط إلى جانب التحدِّي، وكان مِن أثر ذلك أن لَزِمَ مجلسَ عمرو بن العلاء وخدَمه سبع عشرة سنة، وجلس كذلك في حلقة الخليل وقد حوَّلته الكلمة إلى جذوة نشاط؛ فقد سأله يومًا: عمَّن أخذتَ هذا العلم؟ فقال له الخليل: من بوادي الحجاز، فعزم الكسائي أمْرَه ورحَل إلى هناك فكتَب عن العرب شيئًا كثيرًا، ثم عاد إلى الخليل فوجده قد مات وتصدَّر مكانه يونس، فجرت بينهما مناظرات أقرَّ يونس للكسائي فيها بالفضل وأجلسه في موضعه.
فصار من بائع كساء عاديٍّ - ككثير من الناس - إلى إمام من أئمة النحو واللغة.
ولك أن تعلم أنَّ الدنيا حين افترقت في النحو - بعد ذلك - افترقت إلى فريقين؛ كوفيٍّ وبصريٍّ؛ فكان الكوفيون شيخهم الكسائي، كما أنَّ البصريين كان شيخهم سيبويه.
وكان من أثر ذلك هذه المناظرات التي جرت بين الكسائي وسيبويه وعموم شيوخ الكوفيين مع عموم البصريين النُّحاة من كلٍّ.
حتى قال الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في النحو فهو عيِّل على الكسائي.
ولك أن تعلم أيضًا أنه صار من أئمة القراءات المَعدودين في الدنيا؛ فقد انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة بن حبيب الزيات، وبلغ من علوِّ همَّته في ذلك أن حمزة كان يقول لتلامذته: اعرِضوا هذا الرأي على صاحب الكساء؛ لأنه كان يتَّشح بكساء ويَجلس في مجلس حمزة.
وقيل في سبب تسميته بالكسائي أقوالٌ أخرى، منها: أنه أحرم في كساء، وقيل: لأنه كان على حداثة سنه يبيع الكساء - كما أسلفنا - وقيل: لأنه كان من قرية مِن قُرى السواد يقال لها باكسايا.
الشاهد أنه لازم حمزة وأخذ القراءة عرضًا عنه أربع مرات، حتى إذا مات حمزة انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة، وصار أحد القرَّاء السبعة، حتى قال أبو عبيد في كتاب القراءات: "ليس هناك أضبط للقراءة ولا أقوم بها من الكسائي".
ولك أن تعلم - كذلك - أن الكسائي حين مات قُبض هو ومحمد بن الحسن - تلميذ أبي حنيفة وإمام الأحناف بعده - بالريِّ في يوم واحد، وكانا خرَجا مع الرشيد، فلما دُفنا قيل فيهما: دفن النحو والفقه في يوم واحد، وذلك سنة 189 هـ. ولك أن تعلم - كذلك - أنَّ مِن أقوال العلماء فيه ما يهتزُّ لها الفؤاد طربًا:
قال فيه بعضهم: كان الكسائيُّ إذا قرأ القرآن أو تكلَّم كأنَّ ملَكًا ينطق على فيه.
وقال يحيى بن معين: ما رأيت بعينيَّ هاتين أصدق لهجةً من الكسائي.
وقال إسماعيل بن جعفر المدني - وهو من كبار أصحاب نافع -: ما رأيت أقرأ لكتاب الله تعالى من الكسائيِّ.
وقال أبو بكر بن الأنباري: "اجتمعَتْ في الكسائي أمور؛ كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب، وأوحد الناس في القُرآن، فكانوا يَكثُرون عنده فيَجمعهم ويَجلِس على كرسي ويَتلو القرآن من أوله إلى آخره وهم يَسمعون ويَضبِطون عنه حتى المَقاطِع والمبادئ".
وكان النَّاس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، ويُنقطون مصاحفَهم من قراءته.
رأى بعض العلماء الكسائي في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن، فقال له: ماذا فعل حمزة؟ قال له: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما نرَى الكَوكب[2].
وفي سيرة الكسائي فوائد جمَّة، أولاها بالتأمل أن التعلم لا زمن له، وأنه قد يرسخ في العلم ويفوق أقرانه من تعلم بعد كبره؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما العلم بالتعلم))[3]، فدع عنك المثبطات من مثل قولهم: "العلم في الكبر كالنقش على الماء"، فتالله كم من كبير أفلح في العلم حتى فاق مَن سبَقوه! وكم ثبطت مثل هذه الكلمة نوابغ وصدَّتهم عن العلم بعدما رُجي لهم تحقق ما طلبوه، قال ابن حجر - رحمه الله - عن الإمام التابعي الثقة صالح بن كَيسان - رحمه الله - (أثبَت أصحاب الزهري فيه بعد الإمام مالك)، قال: "وابتدأ بالتعلم وهو ابن سبعين سنة"[4]، ويقرب من هذا ما كان من أمر الإمام الفقيه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب - رحمه الله - قال الذهبي في السِّيَر: "إنه ما طلب الحديث حتى كبر"[5].
وغير هؤلاء من العلماء كثير، طلبوا العلم في الكِبَر، ولم يمنعهم كِبر سنِّهم من الطلب، بل قبل ذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أسلمت الكثرة الكاثرة منهم وهم كبار في السن، فما منعهم سنُّهم من الطلب والتعلم، حتى صاروا أساتذة الدنيا في العلم الشرعي.
[1] كما في تاريخ بغداد (11 / 404).
[2] راجع في ترجمة الكسائي: معرفة القراء الكبار (1 / 100)، الذهبي، النشر (1 / 172)، لابن الجزري، الأعلام (5 / 14) للزركلي.
[3] رواه الطبراني وغيره، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، وصحيح الجامع.
[4] تهذيب التهذيب (4 / 366)، ابن حجر.
[5] سير أعلام النبلاء (7 / 148)، الذهبي.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره