الشيخ محمد عوض في دبي


الشيخ محمد عوض من علماء دمشق والدعاة الربانيين المعروفين، ولد بدمشق، وتوفي بالمدينة المنورة سنة 1430هـ عن عمر يناهز ثمانية وسبعين عامًا، وقد زار الإمارات العربية المتحدة أكثر من مرة، وفي مساء الأحد 9/5/1999م كان هناك مجلس بدبي حضرهُ الشيخ محمد عَوَض، والشيخ محمد مطيع الحافظ، والشيخ عبد الكريم تتّان، وجمعٌ من المحبين، بدعوة من الشيخ خلدون مخلوطة إمام مسجد سوق الحمرية المركزي وخطيبه، وكان المدعوون أربعين شخصًا، ولكنْ حضر ضعفُهم.

 

♦ وقد افتُتح المجلس بتلاوة آيات من كتاب الله، منها قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

 

♦ وتكلَّم الشيخُ عبد الكريم تتان فقال: ما استفدتُه من الشيخ محمد عوض هو نقل الإسلام من النظري إلى العملي.

 

♦ ودعا إلى الالتزام بالفقه المذهبي، وإعادة دور المساجد، والدروس الفقهية المذهبية.

 

♦ وتكلَّم الشيخُ محمد عوض كلامًا مطولًا كنتُ قد دونتُ منه هذه الأقوال:

• نحنٌ جماعةٌ كسالى، ولو عرفنا فضلَ العلم والتعليم لم يبق في الدنيا جاهل.

 

♦ لما عُيِّنَ الشيخُ عبد الكريم الرفاعي في مسجد زيد بن ثابت (بدمشق) كان يقابِل المسجدَ خانٌ فيه خمرٌ وقتلٌ، وفي المسجد أربعون مصليًا فقال الشيخ: مِن هؤلاء سيكون العلماء، ومرَّ الشيخُ مرة على رجلٍ يشربُ الخمر فقال: تفضَّل سيدي. فقال له الشيخُ: الله يهديك، الله يهديك.

 

♦ قرأنا على الشيخ عبد الكريم (الدروس النحوية: الجزء الثاني) وقال: هاتوا رفقاءَكم ودرّسوهم، وقرأنا الفقهَ وقال كذلك.

 

♦ ومرةً دخلَ شاربُ الخمر ذلك - الذي قال للشيخ ما قال- فرحَّبَ به الشيخُ وأدناه وقال له: ادعُ لنا عند الختمة، فرفع يديه وقال: يا رب (حاجْتي) - أي كفاني ما أنا فيه - وتاب إلى الله.

 

ووسَّع الشيخُ المسجدَ وأصبح طابقين.

♦ وكان رجلٌ شاربٌ للخمر وقاتلٌ دخلَ المسجدَ مرة وأنا أخطبُ عن الزكاة، وتطرقتُ إلى شارب الخمر.. وبعد الصلاة عاتبني فقلتُ: والله ما رأيتُك... ثم تابَ... وقال: أريدُ أنْ أتزوج. فقال له الشيخُ عبد الكريم: اذهبْ إلى فلانٍ يزوجك. وقال له: اعملْ حفلًا وادعنا. وذهبنا، وطلبَ مني الشيخُ أن أخطب، فخطبتُ عن فضل التوبة.

 

وطلبَ الخاطبُ التائبُ أنْ يتكلَّم فقال: يا رجال أنا تبتُ إلى الله فتوبوا، فقالوا: تبنا، وخرجوا يبكون وهم يقولون: توبوا يا رجال، إنّا تُبنا، وأنا أسمِّي ذلك اليوم في دمشق: يوم التوبة.

 

♦ وتاب رجلٌ شاربُ خمر، وأراد عملًا يكسب منه رزقًا حلالًا، فقال لي الشيخُ: دبِّر له عملًا، وذهبتُ إلى محافظ دمشق د. ياسين الأسطة فقلتُ له: إمّا أنْ ترى له عملاً، وإمّا أنْ يعود فيشرب ويقتل، فقال: أوظفه. وجعلهُ ملاحظَ حدائق براتبٍ ممتاز، وسُرَّ الشيخُ عبد الكريم وقال: هذا يكفينا عند الله. وقد تابَ بتوبته آخرون.

 

♦ يا إخواني: يكفينا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور مَنْ تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)[1].

 

♦ أنا أقول: إنَّ دور الشباب في الدعوة إلى الله أعظمُ من دور المشايخ.

 

♦ كان لدينا شابٌّ من عائلةٍ كبيرة في دمشق وجاهًة ومالًا وزعامة، فقال الشيخُ عبد الكريم: هاتِهِ... وبدأتُ أسلِّمُ عليه ذهابًا وإيابًا فلم يردَّ عليَّ سنة، ومرةً رأيتُه مع رفقائه فتقدمتُ إليه وقلتُ له: أنا أحبُّك تعالَ معي إلى المسجد مرة واحدة، وأنا أضمنُ لك النجاح، ونجعلك نائبًا، فجاء، فاستقبله الشيخ، وقال له: اشتقنا إليك. وكسبه للدعوة، فجاء وأتى معه بإخوانه، وكان منه خيرٌ كثيرٌ.

 

♦ في عام 1962 كان هناك مؤتمرٌ من 40 دولة: كيف نعيد الشباب إلى المساجد؟ وقيل هنا الشيخ عبد الكريم فيمكن أنْ نسأله ونستفيد منه، فقال لهم: إنْ تواضعتم أيها العلماء للشباب جاؤوا معكم إلى المساجد، فإنَّ الشباب غرقى، ولا يعرفون من يتكلم، فإنْ جئتموهم من فوقهم لم يعرفوكم، وإنْ جئتموهم من تحت أنقذتموهم وجئتم بهم إلى الساحل، وهذا قول الله: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 215].

 

♦ كنتُ مع رئيس الجامعة في القاهرة فقال: كيف نقضي على الفقر؟

فقلت: بشقِّ تمرة.

قال: كيف؟

 

قلت: هكذا في الحديث.

قال: أي حديث؟

 

قلت: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)[2]، وفي مصر ستون مليوناً، فلو تصدَّق كلُّ واحدٍ منهم بشق تمرة جمعنا ثلاثين مليون تمرة.

فقال: والله قضينا على الفقر.

 

♦ خطبتُ على المنبر عن عفو الناس بعضهم عن بعض، ثم قلتُ: لنْ أتكلَّم حتى يعفو كلُّ واحدٍ منكم عن أخيه. فبكى الناسُ وعفوا، ثم تكلَّمت.

 

وفي اليوم الثاني ذهب رجلٌ من المصلين إلى "موفَّق قنطار" صاحب دار الفارابي، وقال له: كيف يفعلُ الشيخ محمد عوض هذا؟ يَطلبُ منّا أنْ نعفو عن إخواننا على المنبر ولي على شخص خمسون ألفاً فعفوتُ عنه، إذا رأيته لآخذنَّها منه - وكان قد رفع دعوى على ذلك الشخص فذهب إلى المحكمة وأسقطها-، فقال له موفَّق قنطار: إذا لم يَرجع لك حقُّك كاملاً وأكثر فخذْهُ مني.

 

وحين جاء موعدُ المحاكمة - وكانتْ استمرتْ سنين - ذهب الرجلُ المطلوبُ إلى المحكمة فوجدَ الدعوى أُسقطت، فحملَ المبلغَ وزيادةَ عشرة آلاف، وجاء إلى صاحب الحقِّ وقال له: خذ، أنتَ قلتَ: ستكسرُ رأسي وتأخذ حقَّك، والآن عفوتَ، ولن تكونَ أحسنَ مني.. فأخذ المبلغَ وجاء إليَّ وهو يقولُ: الله يجزيك الخير، الله يجزيك الخير.

 

♦ دعانا أبي مرةً وقال: أُشْهِدُ اللهَ أني أسقطت حقوقي عنكم، فليس لي حقوقٌ عليكم، حتى لا يتأخر دعائي لكم.

 

وأخيراً أنا لي إليكم حاجةٌ ولن أتكلَّم بعدها:

أنْ تدعوا لي ثلاث دعوات:

أنْ يغفرَ اللهُ ذنبي.

وأنْ يرزقني الحبَّ النبوي.

وأنْ لا يقطعنا عن العلم والدعوة بقاطعٍ حتى الموت، وأنْ يأتينا الموتُ ونحن على الدعوة والعلم.

 

ثم أنشد منشدٌ صيِّتٌ أناشيد، منها هذه الأبيات:

أتيتُ إليكَ يا ربَّ العبادِ
بأوزاري وذلِّي وانفرادي
وها أنا واقفٌ في الباب أبكي
زماناً ما بلغتُ به مُرادي
عسى عفوٌ يُبلِّغني الأماني
فقد بَعُدَ الطريقُ وقلَّ زادي

 

وختم الشيخُ محمد عوض حديثَه بقوله:

♦ كنّا في مجلسٍ كهذا مع الشيخ عبد الكريم الرفاعي فقال:

يا أولادي ما خلا قلبٌ من حب، فمَنْ تعلَّق بالعالي علا، ومَنْ تعلَّق بالداني دنا.

ومَنْ علَّق قلبَه برسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن الدنيا وما فيها تساوي قيمته.

كان شيخنا الشيخ عبد الكريم يقولُ عن هذا الحديث (المرء مع مَنْ أحبَّ)[3]: هذا ميزان.

 

قلت: كان أغلب هذا اللقاء من وحي قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].





[1] رواه مسلم.

[2] رواه البخاري ومسلم.

[3] رواه البخاري ومسلم.