زوجة بغدادية
أكثرُ ما يَحتاج إليه العالِمُ بَصَرُه، طالباً ومطلوباً، متعلِّماً ومعلِّماً، فضلاً عن حاجته إليه في سائر أموره.
وأكثرُ ما يَحمل الضريرُ همَّه، وجودُ مَن يَقرأُ له، ولا سيما إذا كان نهماً للعلم شديدَ التعلُّق بالكتاب، عظيمَ الحبِّ للاطلاع.
وإذا وُجد القارئ وكان هو الأنيسَ والجليسَ والسَّكَنَ فتلك نعمةُ لا يَعرف قدْرَها إلا أهلُها، وهذا ما حصل في بغداد ذاتَ يوم، وإليكم الخبر:
وُلِدَ في بغداد سنة (538هـ ) طفلٌ كان أهلُه مِن عُكْبرا (بُليدة على دجلة قرب بغداد)، لكنّه ما إنْ نشأ حتى أُصيب بالجدري، فعمي، كما كان يحصلُ ذلك كثيراً!
ومن الواضح أنَّ الله سخَّر له مَنْ يأخذ بيده في طريق العلم - وإنْ كانت المصادرُ لا تذكر لنا شيئاً عن ذلك -.
المهمُّ أنه أخذ العلومَ الشرعيةَ والعربيةَ والرياضية عن علماء بغداد في عصره، وبرعَ في الفقه والأصول، وحاز قصَبَ السَّبْق في علوم العربية، وصار فيها مِن الرؤساء المتقدمين.
وبعد مرحلة التعلُّم والتلقِّي جلسَ هذا الشابُّ الضريرُ يعلِّم مَن يقصده، وقد قصده خلقٌ كثيرٌ من الأقطار، وانتفعوا به، واشتَهَرَ اسمه في البلاد وهو حيٌ وبعُدَ صيتُه.
وكان يحبُّ الاشتغالَ بالعلم ليلاً ونهاراً، ما تمضي عليه ساعةٌ إلا وأحدٌ من الطلاب يقرأ عليه، أو يُطالِع له.
وقد هيأ اللهُ له طلاباً بررةً يقرؤون له، وهذا في النهار حين يكونون معه، فكيف بالليل حين يأوي إلى بيته، وكيف بالأوقات التي يكون فيها وحده؟
هنا تُحَلُّ المشكلةُ بامرأةٍ فاضلةٍ، تَقرأ للشيخ، وتكونُ له أنيساً وجليساً، بامرأةٍ بغداديةٍ مؤمنةٍ، لا شك أنَّ إيمانَها بالله، وتقديرَها للعلم دفعها إلى الموافقة على الاقتران بالشيخ الضرير، والعمل معه.
وعَرَفَ أهلُ بغداد هذا، فما كان من تلميذ الشيخ مؤرِّخ بغداد الكبيرالحافظ ابن النجار إلا أن كَتَبَ هذا في سيرة الشيخ في كتابه "تاريخ بغداد" فقال: (وكان الشيخ يُحِبُّ الاشتغال ليلاً ونهاراً، ما تمضي عليه ساعةٌ إلا وأحدٌ يقرأ عليه أو يُطالِع، حتى إنَّه بالليل تَقرأُ له زوجتُه في كُتُبِ الأدب وغيرِها).
وقد استطاع الشيخُ أن يُنجز أعمالاً علميةً كثيرةً جداً في فنون متعددة، واشتَهَرَت هذه المؤلفاتُ وقُرئت في حياته وبعد وفاته، وكان الشيخُ - رحمه الله - مهتماً بالقرآن وعلومه، فألَّف:
"تفسيراً" للقرآن، وَصَلَ إلينا وما زال مخطوطاً في إحدى المكتبات في إسطنبول.
وألَّف إعراباً للقرآن ويُسَمَّى: "التبيان في إعراب القرآن" في مجلدين، وقد وصل إلينا وطُبِع.
إلى غير ذلك من الكتب، كشروحه على "ديوان" المتنبي، و"المفصَّل" للزمخشري، و"الخُطَب النباتية" و"المقامات الحريرية".
ومنها "الناهض في علم الفرائض".
و"الاستيعاب في أنواع الحساب".
ولا شك أنَّ فضلاً كبيراً في هذه الإنتاج العلمي الكبير يعودُ إلى تلك الزوجة البغدادية، التي كانت للشيخ عيوناً قارئةً وراعيةً وحانيةً، وكلنا يَعلمُ أنَّ للقراء الذين يعملون مع الأضراء مشكلاتٍ كثيرة، تعكِّر صفوَ مَن يعملون معه ويساعدونه، ولكن إذا كانت الزوجةُ هي القارئة فستكون قراءةً مِن نوع آخر، قراءةً وراءها الحبُّ والحنان والإيمان، فتطولُ وتدومُ وتُثمر أجملَ الثمار، كما نرى في سيرة هذا العالِم الجليل المتفنن: عبدالله بن الحسين العُكْبَري البغدادي الذي تُوفي في سنة (616هـ ).
ومِن اللطائف أنَّ كنية الشيخ: "أبو البقاء" وقد بَقِي ذكرُه بما بَثَّه مِنْ علم في تلاميذه ومؤلفاتِهِ، فُذُكِرَ وذُكِرَتْ معه زوجتُهُ إذ كانت عضُداً له في ذلك.
ترى لو لَمْ تقفْ معه، كَمْ مِن العلم كان سيَذهبُ ويُدفنُ معه ويَضيعُ؟!
المصادر:
• "وفيات الأعيان" لابن خلكان (3/100).
• "سير أعلام النبلاء" للذهبي (22/91 - 92).
• "نكت الهميان" للصفدي ص178.
• "طبقات المفسرين" للداودي (1/213).
• "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط:قسم التفسير" (1/241).
• "الأعلام" للزركلي (4/80).
زوجة بغدادية
أكثرُ ما يَحتاج إليه العالِمُ بَصَرُه، طالباً ومطلوباً، متعلِّماً ومعلِّماً، فضلاً عن حاجته إليه في سائر أموره.
وأكثرُ ما يَحمل الضريرُ همَّه، وجودُ مَن يَقرأُ له، ولا سيما إذا كان نهماً للعلم شديدَ التعلُّق بالكتاب، عظيمَ الحبِّ للاطلاع.
وإذا وُجد القارئ وكان هو الأنيسَ والجليسَ والسَّكَنَ فتلك نعمةُ لا يَعرف قدْرَها إلا أهلُها، وهذا ما حصل في بغداد ذاتَ يوم، وإليكم الخبر:
وُلِدَ في بغداد سنة (538هـ ) طفلٌ كان أهلُه مِن عُكْبرا (بُليدة على دجلة قرب بغداد)، لكنّه ما إنْ نشأ حتى أُصيب بالجدري، فعمي، كما كان يحصلُ ذلك كثيراً!
ومن الواضح أنَّ الله سخَّر له مَنْ يأخذ بيده في طريق العلم - وإنْ كانت المصادرُ لا تذكر لنا شيئاً عن ذلك -.
المهمُّ أنه أخذ العلومَ الشرعيةَ والعربيةَ والرياضية عن علماء بغداد في عصره، وبرعَ في الفقه والأصول، وحاز قصَبَ السَّبْق في علوم العربية، وصار فيها مِن الرؤساء المتقدمين.
وبعد مرحلة التعلُّم والتلقِّي جلسَ هذا الشابُّ الضريرُ يعلِّم مَن يقصده، وقد قصده خلقٌ كثيرٌ من الأقطار، وانتفعوا به، واشتَهَرَ اسمه في البلاد وهو حيٌ وبعُدَ صيتُه.
وكان يحبُّ الاشتغالَ بالعلم ليلاً ونهاراً، ما تمضي عليه ساعةٌ إلا وأحدٌ من الطلاب يقرأ عليه، أو يُطالِع له.
وقد هيأ اللهُ له طلاباً بررةً يقرؤون له، وهذا في النهار حين يكونون معه، فكيف بالليل حين يأوي إلى بيته، وكيف بالأوقات التي يكون فيها وحده؟
هنا تُحَلُّ المشكلةُ بامرأةٍ فاضلةٍ، تَقرأ للشيخ، وتكونُ له أنيساً وجليساً، بامرأةٍ بغداديةٍ مؤمنةٍ، لا شك أنَّ إيمانَها بالله، وتقديرَها للعلم دفعها إلى الموافقة على الاقتران بالشيخ الضرير، والعمل معه.
وعَرَفَ أهلُ بغداد هذا، فما كان من تلميذ الشيخ مؤرِّخ بغداد الكبيرالحافظ ابن النجار إلا أن كَتَبَ هذا في سيرة الشيخ في كتابه "تاريخ بغداد" فقال: (وكان الشيخ يُحِبُّ الاشتغال ليلاً ونهاراً، ما تمضي عليه ساعةٌ إلا وأحدٌ يقرأ عليه أو يُطالِع، حتى إنَّه بالليل تَقرأُ له زوجتُه في كُتُبِ الأدب وغيرِها).
وقد استطاع الشيخُ أن يُنجز أعمالاً علميةً كثيرةً جداً في فنون متعددة، واشتَهَرَت هذه المؤلفاتُ وقُرئت في حياته وبعد وفاته، وكان الشيخُ - رحمه الله - مهتماً بالقرآن وعلومه، فألَّف:
"تفسيراً" للقرآن، وَصَلَ إلينا وما زال مخطوطاً في إحدى المكتبات في إسطنبول.
وألَّف إعراباً للقرآن ويُسَمَّى: "التبيان في إعراب القرآن" في مجلدين، وقد وصل إلينا وطُبِع.
إلى غير ذلك من الكتب، كشروحه على "ديوان" المتنبي، و"المفصَّل" للزمخشري، و"الخُطَب النباتية" و"المقامات الحريرية".
ومنها "الناهض في علم الفرائض".
و"الاستيعاب في أنواع الحساب".
ولا شك أنَّ فضلاً كبيراً في هذه الإنتاج العلمي الكبير يعودُ إلى تلك الزوجة البغدادية، التي كانت للشيخ عيوناً قارئةً وراعيةً وحانيةً، وكلنا يَعلمُ أنَّ للقراء الذين يعملون مع الأضراء مشكلاتٍ كثيرة، تعكِّر صفوَ مَن يعملون معه ويساعدونه، ولكن إذا كانت الزوجةُ هي القارئة فستكون قراءةً مِن نوع آخر، قراءةً وراءها الحبُّ والحنان والإيمان، فتطولُ وتدومُ وتُثمر أجملَ الثمار، كما نرى في سيرة هذا العالِم الجليل المتفنن: عبدالله بن الحسين العُكْبَري البغدادي الذي تُوفي في سنة (616هـ ).
ومِن اللطائف أنَّ كنية الشيخ: "أبو البقاء" وقد بَقِي ذكرُه بما بَثَّه مِنْ علم في تلاميذه ومؤلفاتِهِ، فُذُكِرَ وذُكِرَتْ معه زوجتُهُ إذ كانت عضُداً له في ذلك.
ترى لو لَمْ تقفْ معه، كَمْ مِن العلم كان سيَذهبُ ويُدفنُ معه ويَضيعُ؟!
المصادر:
• "وفيات الأعيان" لابن خلكان (3/100).
• "سير أعلام النبلاء" للذهبي (22/91 - 92).
• "نكت الهميان" للصفدي ص178.
• "طبقات المفسرين" للداودي (1/213).
• "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط:قسم التفسير" (1/241).
• "الأعلام" للزركلي (4/80).
لقراءة المقال كاملاً من مصدره