الشيخ العلامة المحدث

عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

(1331-1420)هـ[1]

 

لقد استفاد شيخنا ابن عثيمين من شيخه وشيخنا: ابن باز - رحمهم الله - فائدة عظيمة جليلة، حيث طالت مدة الإفادة منه، فقد درس عليه طالباً للعلم أولاً في الرياض، حال انتقال والد الشيخ محمد وعمه لكسب الرزق، حيث درس عليه في بيت الشيخ ابن باز بشارع العطايف شمال الجامع الكبير بالرياض وحال دراسة الشيخ ابن عثيمين في المعهد العلمي ثم في الكلية فقد درس عليه الحديث من خلال قراءة صحيح البخاري على الشيخ ابن باز في الجامع الكبير بالرياض، والمسمى بجامع الإمام فيصل بن تركي، وقرأ عليه أيضاً في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في مجلدات الفقه وفي رسائل أخرى متفرقة للشيخ ابن تيمية - كما أفادني شيخنا ابن عثيمين رحمه الله بنفسه لما سألته -.

 

وفي الحقيقة يعتبر الشيخ ابن باز: الشيخ الثاني المؤثر على ابن عثيمين. كما توالت الإفادات من شيخه ابن باز بعد ذلك إلى وفاته رحمه الله.



• يقول الشيخ محمد بن عثيمين متحدثاً عن هذه الصلة مع شيخه ابن باز – رحمها الله -، ورحلته للعلم في الرياض:

((...لأني بقيت في حفظ القرآن قريبا حوالي ثلاث سنوات، ثم إني انتقلت إلى الجلوس في حلقة شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - فهو الذي أدركت عليه العلم كثيراً، لأنه- رحمه الله - له طريقة خاصة في تدريسه وهو أنه يجمع الطلبة على كتاب واحد، ثم يقوم بشرحه، حتى أحيانا - رحمه الله - نقرأ عليه في التفسير، فيفسر لنا القرآن الكريم، ما يعتمد على أي كتاب آخر، يفسره ويحلّل ألفاظه، ويستنبط ما يستنبط منه من فوائد؛ درسنا عليه - رحمه الله - وكان مركز دروسنا عليه في علم الفقه وقواعده وأصوله، وقد حصّلنا ولله الحمد منه شيئا كثيراً؛ بالإضافة إلى ذلك كان يدرسنا في التوحيد أيضاً، ويدرسنا في النحو، وبقينا على هذا مدة معه - رحمه الله -وفي الحقيقة أن له عليّ فضلا كبيرا من الله-سبحانه وتعالى - ذكر لي أن والدي- رحمه الله - وكان في الرياض أول ما بدأ التطور في الرياض، أحب والدي أن أنضم إليه هناك، ولكن شيخنا رحمه الله عبد الرحمن بن سعدي كتب له يقول دعوا لنا هذا يكون من نصيبنا - هذا الولد يكون من نصيبنا -فجزاه الله عني خيرا-؛ فبقيت عنده مدة ثم انقطعت عن الدراسة. لأنه حصل عند الناس نشاط في الأراضي في عمارتها في الأرض، مكان يقال له الوادي، وكنا نحن من الذين اشتغلوا في ذلك مدة، ولكن الله سبحانه وتعالى منّ بفضله فعدنا إلى الدراسة على الشيخ- رحمه الله-؛ وفي عام 1372هـ أشار علينا بعض الإخوان[2] أن نلتحق بالمعاهد العلمية التي فتحت في الرياض، واستشرت شيخنا عبد الرحمن في ذلك، وأشار عليّ أن أدرس فيها. ووافق على ذهابي لأنني سأذهب إلى طلب العلم في الرياض في المعاهد العلمية، وفعلاً ذهبت إلى هناك ودرست في المعهد واتصلت بشيخنا الثاني عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وكان لي عليه دروس في بيته خاصة، وكذلك أيضا في المسجد، قرأنا عليه في علم الحديث لأنه كان - وفقه الله وأمد في حياته على خير الإسلام والمسلمين - كان له إلمام كبير في علم الحديث ورغبة أكيدة وفتح لنا جزاه الله خيرا أبواباً جيدة في هذا الموضوع فقرأنا عليه من "صحيح البخاري" وقرأنا عليه أيضا في "مقدمة التفسير" لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا يحضرني الآن كل ما قرأت عليه، المهم أنني انتفعت بقراءتي عليه من حيث التوجيه والانتقال من العكوف على الكتب الفقهية وتمحيص الأقوال وتلخيصها، انتقلت من هذه المرحلة إلى مرحلة الحديث ولست من الذين يصح أن ينسبوا إلى علم الحديث ولكني اتجهت إلى علم الحديث. وكان الأثر المباشر من الشيخ نفسه، وأيضا الإنسان إذا تذوق العلم وعرف فائدته يكون له حافزاً من نفسه؛ بقيت في الرياض إلى سنة 73، ثم رجعت إلى عنيزة. وأتممنا الدراسة في المعهد، لأننا بدأنا من السنة الثانية، وفي ذلك الوقت كان نظام القفز، أن الطالب يدرس في الفترة الصيفية دروس السنة المستقبلة، ثم يمتحن فيها في الدور الثاني وأرتقي فيها إلى السنة الثالثة، فأنا قفزت، يعني قرأت في الثانية واستخرجت منها، ثم قفزت وأدركت الثالثة، ثم أخذت الرابعة في سنة 74 بالانتساب، لأن المعهد العلمي كان قد فتح في عنيزة وكان محتاجا إلى مدرسين، فرجعت في عام 74 إلى عنيزة وابتدأت التدريس في معهد عنيزة من عام 1374هـ، وأخذت السنة الرابعة بعد ذلك بالانتساب[3]، وبقيت هكذا منتسباً حتى أتممت ولله الحمد، كلية الشريعة بالانتساب...))[4].

 

• وفي سنة 1404هـ جرت على شيخنا ابن عثيمين رحمه الله فتنة تولاها بعض الناس، حول اتهامه رحمه الله، بالقول بالحلول في صفات الله لما أصلَّ رحمه الله الفرق بين صفتي المعية: المعية العامة والمعية الخاصة. وأن المعية العامة من الصفات الذاتية الحقيقية، أي المتعلق بذات الله لا تنفك عنه أبداً، فهي ملازمة له، في مقابل الصفات الفعلية المتعلقة بإرادة الله ومشيئته، وأنها صفة من الصفات الذاتية بهذا الاعتبار، لا باعتبار أهل الحلول والاتحاد الفاسد. وكونها حقيقية أي على والوجه اللائق بالله، وأنها غير مجازية.

 

أيَّد سماحة الشيخ ابن باز شيخنا بهذا الموضوع، وذلك لما نصحه أن يحذف كلمة ((ذاتية حقيقة)) من كلام الشيخ ابن عثيمين في هذا الصدد، وفهم على غير معناه، وحمل على غير محمله اللائق به، واللائق بشيخنا رحمه الله.

 

فقال الشيخ ابن باز في تقديمه لكتاب الشيخ الجليل الذي ألفه بعد هذه الفتنة في قواعد الأسماء والصفات وسماه: "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى":

((الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فقد أطلعت على المؤلف القيم الذي كتبه صاحب الفضيلة العلامة أخونا الشيخ محمد بن صالح العثيمين، في الأسماء والصفات وسماه: "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى". وسمعته من أوله إلى آخره، فألفيته كتاباً جليلاً، قد اشتمل على بيان عقيدة السلف الصالح في أسماء الله وصفاته، كما اشتمل على قواعد عظيمة، وفوائد جمة في باب الأسماء والصفات، وأوضح معنى المعية الواردة في كتاب الله - عز وجل - الخاصة والعامة عند أهل السنة والجماعة، وأنها حق على حقيقتها، لا تقتضي امتزاجاً واختلاطاً بالمخلوقين، بل هو - سبحانه - فوق عرشه كما أخبر عن نفسه، وكما يليق بجلاله - سبحانه - وإنما تقتضي علمه واطلاعه وإحاطته بهم، وسماعه لأقوالهم وحركاتهم، وبصره بأحوالهم وضمائرهم، وحفظه وكلاءته لرسله وأوليائه المؤمنين، ونصره لهم، وتوفيقه لهم إلى غير ذلك مما تقتضيه المعية العامة والخاصة من المعاني الجليلة، والحقائق الثابتة لله - سبحانه - كما اشتمل على إنكار قول أهل التعطيل، والتشبيه، والتمثيل، وأهل الحلول والاتحاد، فجزاه الله خيراً، وضاعف مثوبته، وزادنا وإياه علماً وهدىً وتوفيقاً، ونفع بكتابه القراء وسائر المسلمين، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.

 

قاله ممليه الفقير إلى الله تعالى، عبدالعزيز بن عبدالله بن باز سامحه الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

 

عبدالعزيز بن عبدالله بن باز))[5].

 

• كما يبرز أثر سماحة الشيخ ابن باز على تلميذه الشيخ ابن عثيمين في العناية بالحديث، والتعديل على الصحيح منه في العقائد والأحكام، والأخلاق والسلوك، والحفاوة العظيمة بذلك.

 

فإن هذا من أهم خصائص أهل السنة والجماعة، على غيرهم من طوائف الأهواء والبدع والضلا، فشعارهم ودثارهم الحفاوة بالسنة والعناية بها والصدور عنها.

 

• وسئل شيخنا رحمه الله: عن زيادة ((إنك لا تخلف الميعاد)) في الذكر الذي بعد الأذان؟

فأجاب قائلاً: ((هذه الزيادة محل خلاف بين علماء الحديث: فمنهم من قال: إنها غير ثابته لشذوذها، لأن أكثر الذين رووا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، والمقام يقتضي ألا تحذف، لأنه مقام دعاء وثناء وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه لأنه متعبد به.


ومن العلماء من قال: إن سندها صحيح وأنها تقال ولا تنافي غيرها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: إن سندها صحيح حيث أخرجها البيهقي بسند صحيح))[6].


• وقال الشيخ على حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنه - أن امرأة أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟... ": ((...قال الشيخ ابن باز إنه صحيح وذلك في الرسالة التي ألفها في زكاة الحلي)) [7].


كما استفاد منه لما رافق شيخنا ابن باز في التوعية الإسلامية في الحج منذ سنة 1392هـ وفي اللقاءات العلمية والشخصية المتواصلة وفي المراسلات والمباحثات الكثيرة بينهما ثم في رئاسة سماحة الشيخ ابن باز لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، حيث كان الشيخ ابن عثيمين عضواً فيها منذ سنة 1412هـ إلى وفاتهما رحمهم الله.

 

والحقيقة أني لا أحصي كثرة ثناء الشيخ ابن عثيمين ومدحه لشيخه ابن باز في دينه وعقيدته وعلمه واختياراته وزهده، ووفور عقله..





[1] ألف عن سماحة شيخنا تآليف كثيرة منها: "الرسائل المتبادلة بين الشيخ ابن باز والعلماء" و"جوانب من سيرة الإمام ابن باز" للشيخين: الموسى والحمد، و"الإنجاز في ترجمة الإمام ابن باز" للشيخ الرحمة و"الإبريزية في التسعين البازية" للدكتور الشتوي و"ترجمة الشيخ ابن باز- للشيخ ابن قاسم، و" ابن باز فقيد أمة" للدكتور الشويعر وغيره. كما أعدت عنه رحمه الله أطاريح علمية عليا في منهجه في العقيدة، واختياراته الفقيهة، وجهوده الدعوية... إلخ.

[2] هو الشيخ علي الحمد الصالحي (1333-1415)هـ، كما أفادنا شيخنا رحمهم الله.

[3] وكان هذا في سنة 1376هـ في خريجي الدفعة الثانية من كلية الشريعة، كما سبق!.

[4] من لقاء إذاعي بصوت الشيخ ضمن برنامج "هؤلاء علموني" المذاع في 15/10/1403هـ.

[5] مقدمة الشيخ ابن باز لكتاب الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله: "القواعد المثلى" ص 5-6.

[6] مجموع فتاوى ورسائل المجلد 12.

[7] الشرح الممتع على زاد المستقنع (6/276).