ورحل!!


وتلك الورود.

 

تموتُ في كلِّ الفصول، وتنتظر بشوق فصلَ الربيع.

 

عمرُها قصير، وعِطرُها أبقى.

 

ذلك لأنَّنا نأسر عِطرَها السائل داخل القوارير.

 

تُرى، كيف سيكون للمساء أريجٌ من غير أن نكسبَ من قارورة عِطرها بعضَ القطرات؟!

♦ ♦ ♦ ♦ ♦


ورحَلَ مانعٌ الجهني، رحلَ بجسده ورُوحه، وبقي عطاؤُه وأخلاقياتُه تنبض داخلَ أرواحنا. رحل ولم يرحلْ! كيف لتلك المتناقضات أن تأتلف؟! ولعَمري، إنَّ مَن له ذاك الائتلاف قليل، لم تشهدِ الحروف رثائياتٍ محمومة بالآلام، كما تشهد الآن.

 

ولا قلوبًا تنشدُ العَزاء، كما ترى الآن.

 

حتى لحظات الخير الأخيرة لك كانتْ تنتظرك بشوق، كانت هي على موعد معك، ولم تكن أنت؛ ذلك لأنَّها اعتادتْ منك الحضور، فلا ضيرَ أن تتجرَّع الآن مرارةَ الغِياب.

 

وحُقَّ عليك قول أبي الحسن الأنباري:

عُلُوٌّ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَمَاتْ
لَحَقٌّ أَنْتَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتْ

 

سيِّدي الحاضر الغائب، ما أجملَ العطاءَ حين يكون بصمت!

 

ما أجملَ العطاءَ حين يحكي العطاء نفسه، من دون حاجةٍ أن يُهذَى به صباحَ مساءَ!

 

ما أجملَ العطاءَ، حين يكون العطاء عطاءً! والأجمل أن يصلَ إليه الآخرون قبلَ أن يصل هو إليهم.

 

وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَا فَوَاضِلُ كَفِّهِ
عَلَى النَّاسِ حَتَّى غَيَّبَتْهُ الصَّفَائِحُ

 

مُنعتَ اليوم يا "مانع" عن الناس، ولكنَّ الناس لم تُمنع عنك.

 

سَكنتْ حروفُهم، وسُكِب مِدادُهم، وأضحينا نقرؤك في ملامحِ وجوههم، في انسكابة دموعهم، وحرقة قلوبهم.

 

وصرْنا للحظة نتقاسمُ معهم لحظات بكائية معبَّأة بالألم.

 

سَأَبْكِيكَ مَا فَاضَتْ دُمُوعِي فَإِنْ تَغِضْ
فَحَسْبُكَ مِنِّي مَا تُجِنُّ الْجَوَانِحُ

 

وَحَسب الإنسان أنَّه منها راحل، وعلمه وفضله فيها باقٍ.

 

أيُّها الراحل:

رحلتَ وتركتَ لنا رجلاً لا يتكرَّر أبدًا.

رحلت، وقفيتَ من ورائك موعظةً تستيقظ أبدًا في أنفسنا.

 

وَهَذِهِ الدَّارُ لاَ تُبْقِي عَلَى أَحَدٍ
وَلاَ يَدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شَانُ

♦ ♦ ♦

 

حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِي
مَا هَذِهِ الدُّنيَا بِدَارِ قَرَارِ
بَيْنَا تَرَى الْإِنْسَانَ فِيهَا مُخْبِرًا
أَلْفَيْتَهُ خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا
صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالْأَكْدَارِ

 

وتبقى كلمة..