وداعا أبي الحبيب
(في رثاء د. مانع الجهني)
على رغم أنَّني لمَّا أتجاوز السنوات التِّسع، فإنِّني يا أبي الغالي، أحسُّ بالألَم يعتصر قلبي لفقدانك وذَهابك عنَّا، تكلَّم الناس كثيرًا عنك بعدَ موتك، وأشادوا بفِعالِك إنسانًا مسلمًا داعيًا إلى الله -تعالى- كتبوا عنك داعيةً وكاتبًا ومفكِّرًا وإنسانًا وصَدِيقًا، وكانت دائمًا تختلط مشاعرُ الفخر بك وبفِعالك مع مشاعر الحُزْن العميق لفقدك، فأحمد اللهَ أن رزقني أبًا، نِعْم السيرة سيرتُه، قلَّ بين الرِّجال مثيلُه، لكن كيف لي يا أبي أن أُخفي عن مُحبِّيك جانبًا آخرَ ناصعًا من حياتك، إنَّها شخصية الأب في والدي مانع الجهني - رحمه الله تعالى.
لا أنسى فرحَك الشديد منذُ اللَّحْظة الأولى التي ترزق فيها طفلاً، ثم على رغم عظيم مشاغلك تحمِلُنا ونحن صغار، تساعد أمِّي كلَّما سنحتْ لك الفرصة للاهتمام بنا، تُسارِع إلى أخْذنا إلى الطبيب حين نحتاج إلى العِلاج، وأنت في ذروة انشغالك، تلقمنا اللُّقمة واللقمتَين حين نتناول معًا وجبة الطعام، وتُداعِبُنا بأحاديثك اللطيفة؛ لتُشجِّعنا على تناول الطَّعام بعدَ أن ينفد صبرُ أمي في إقناعنا بأن نأكل، وإن نسيتُ فلا أنسى تلك الأيَّام الجميلةَ التي قضيناها معك قبلَ يومين فقط مِن لقائك لربِّك، حين أخذتَنا في رحلة إلى مكَّة المكرمة والطائف، على رغم صِغر أعمارنا، حرصتَ على أن نؤدي العمرة معك، تحمل الرضيعَ، وتُمسِك يدَ الصغير خوفًا علينا من أن نضيعَ بين الأعداد الكبيرة من الناس، وتُلقِّننا الدُّعاء بين الحين والآخر، ومع ارتباطاتك الكثيرة في ذلك الوقت حاولتَ أن تُفرِّغ نفسَك؛ لتُمتِّعنا برحلة إلى الطائف، ولا أنسى حين سُقتَ السيارة في "طريق الهَدَا" ذَهابًا وعودة، وكيف كنتَ تقطع الطريق معنا، إمَّا بحكاية مُضحِكة، أو بطُرْفة ذكيَّة، أو بقصَّة مفيدة.
وكيف وقفتَ تلبيةً لرغبتنا لنشاهدَ القرودَ المنتشرة في طريق الهدى، نرمي الطعام ونُلوِّح لها بأيدينا، وأنت تبتسم، تغمرُك السعادةُ لسعادتنا، ثم لا أنسى كيف شاركتَنا اللَّعِب في حديقة الملك فهد بالطائف، ركبتَ معنا بعضَ الألعاب حين طلبنا منك ذلك، ولم ترغبْ أن تردَّنا خائبين، كم كنت سعيدة يا أبي بمشاركتك لنا الفرحة!
ثم ذلك (التلفريك) في الشفا بالطائف، والذي مازحتَنا في شأنه بقولك: إنَّك تخاف ركوبَه، وأصررْنا عليك أن نركبه سويًّا، فوافقتَ تحمينا بيديك وعينيك، وابتسامتُك لا تفارقك، فأنت سعيدٌ بسعادتنا.
كيف لي يا أبي الحبيب أن أنسى جلساتِك الممتعة المفيدة معنا؟!
كنتُ أراك بحرًا زاخرًا بالمعرفة، فإن جلسْنا معك فإمَّا أن تكون صامتًا، وفي صمتك وقارٌ وهيبة، وإمَّا أن تتكلَّم بما هو مفيد، فإمَّا أبياتٌ من الشِّعر تُردِّدها، وقد كنتَ تحب الشِّعر كثيرًا، وإمَّا قصَّة تحكيها لنا، وكثيرًا ما كنا نلتف حولك ونُمسك بك؛ لتحكيَ لنا قصَّة قبلَ أن ننام، أو ونحن جلوس على مائدة الغداء، وفي بعض الأحيان حين تكون مُتعبًا كنتَ تتخلَّص مِن هذا بتحويلنا إلى والدتي لتقومَ بالمهمَّة، كان أسلوبُك يشدُّني كثيرًا، فقد كانت رُوحُ الدعابة سمةً من سماتك، تأخذ الأمور ببساطة، وتنظر إلى المشاكل على أنَّها شيء صغير، حتى لو كانت في حقيقتها كبيرة.
أمَّا دَرْسُك الأسبوعيُّ بعد صلاة الجُمُعة لإخوتي كبارًا وصغارًا، فقد كان عادةً حرصتَ عليها منذُ سنوات، يلتفُّ حولك الجميع، تنتصب الأعين كلُّها نحوَك، والكل آذان صاغية يستمعون إلى حديثك، حيث تقرأ القرآن والتفسير، وتقوم بالشَّرح والتوضيح لكلِّ ما يغمض علينا، كنتُ دائمًا أتوق إلى حضور هذا المجلس، وقد كنتَ وعدتَني أن أحضرَه السنة القادمة، وها أنت تذهب إلى جوار ربِّك قبلَ أن تُحقِّق لي ما وعدتَني.
أبي الحبيب، كنتَ دائمًا كالطود الشامخ، أرى فيك عزَّة النفس والإباء الممزوجَيْن بتواضع جمٍّ، قلَّ أن تجتمعَ في شخصية واحدة، فأشعرُ بالفخرِ أنَّني ابنتُك، وكنتُ أنظر إلى حياتك اليوميَّة، فأراك تعيش لغيرك لا لنفسِك، عمل دؤوب وفِكر مُنشغل بهموم الآخرين، تعلَّمتُ من صمتك وحديثك دُروسًا في الحياة، كم كانتْ تُدهشني بساطتك وسعيُك وراءَ الآخرة لا الدنيا، على رغم أنَّك وجدتَ المنصبَ والمال، ولكنَّهما كانَا عبدَيْن لك، ولم تكن عبدًا لهما، لم يغرَّك قطُّ غِنى الأغنياء، ولا مظهرُ المترفين؛ لأنَّك كنت دائمًا تبحث عن عقول الرِّجال وفِعالهم، لا مالهم ولا جاههم، كم كنتَ تحثُّنا على القناعة وبساطة العيش، وكلَّما أردْنا أن نشتريَ الغالي من الثياب تُذكِّرنا أنَّ هناك من المسلمين مَن هم في حاجة إلى كِسرة خبز.
لا أنسى يا أبي، كيف كنَّا نجمع في حصالتنا الصغيرة بعضَ ما نُوفِّره من مصروفنا لنُعطيَك إيَّاه تبرُّعًا للمحتاجين، وكنتَ تفرح كثيرًا لذلك وتُشجِّعنا عليه، حتى لو كان التبرُّع ريالاً واحدًا. كان حِفظُنا للقرآن الكريم من أكبر اهتماماتك، وكلَّما انتهينا من حِفظ جزء من القرآن ننتظرُ منكَ الجائزة التي لم تبخلْ بها علينا أبدًا.
أبي الغالي، كنتَ مدرسةً جامعة لكلِّ معاني الخير لا ينضب عطاؤها أبدًا، بل يزيد ويَزيد، وها أنت الآن تتوقَّف عجلة الزمان معك؛ لتنتقلَ إلى جوار ربٍّ كريم رحيم، وإن كان فقدُك آلمنا وأحزننا، فعزاؤنا أنَّك تركتَ وراءَك السِّيرة الرائعة، والذِّكر العطِر.
نسأل الله -تعالى- أن يجمعنا بكَ في جنَّات الفِردوس، إنَّه على ذلك قدير.
وداعا أبي الحبيب
(في رثاء د. مانع الجهني)
على رغم أنَّني لمَّا أتجاوز السنوات التِّسع، فإنِّني يا أبي الغالي، أحسُّ بالألَم يعتصر قلبي لفقدانك وذَهابك عنَّا، تكلَّم الناس كثيرًا عنك بعدَ موتك، وأشادوا بفِعالِك إنسانًا مسلمًا داعيًا إلى الله -تعالى- كتبوا عنك داعيةً وكاتبًا ومفكِّرًا وإنسانًا وصَدِيقًا، وكانت دائمًا تختلط مشاعرُ الفخر بك وبفِعالك مع مشاعر الحُزْن العميق لفقدك، فأحمد اللهَ أن رزقني أبًا، نِعْم السيرة سيرتُه، قلَّ بين الرِّجال مثيلُه، لكن كيف لي يا أبي أن أُخفي عن مُحبِّيك جانبًا آخرَ ناصعًا من حياتك، إنَّها شخصية الأب في والدي مانع الجهني - رحمه الله تعالى.
لا أنسى فرحَك الشديد منذُ اللَّحْظة الأولى التي ترزق فيها طفلاً، ثم على رغم عظيم مشاغلك تحمِلُنا ونحن صغار، تساعد أمِّي كلَّما سنحتْ لك الفرصة للاهتمام بنا، تُسارِع إلى أخْذنا إلى الطبيب حين نحتاج إلى العِلاج، وأنت في ذروة انشغالك، تلقمنا اللُّقمة واللقمتَين حين نتناول معًا وجبة الطعام، وتُداعِبُنا بأحاديثك اللطيفة؛ لتُشجِّعنا على تناول الطَّعام بعدَ أن ينفد صبرُ أمي في إقناعنا بأن نأكل، وإن نسيتُ فلا أنسى تلك الأيَّام الجميلةَ التي قضيناها معك قبلَ يومين فقط مِن لقائك لربِّك، حين أخذتَنا في رحلة إلى مكَّة المكرمة والطائف، على رغم صِغر أعمارنا، حرصتَ على أن نؤدي العمرة معك، تحمل الرضيعَ، وتُمسِك يدَ الصغير خوفًا علينا من أن نضيعَ بين الأعداد الكبيرة من الناس، وتُلقِّننا الدُّعاء بين الحين والآخر، ومع ارتباطاتك الكثيرة في ذلك الوقت حاولتَ أن تُفرِّغ نفسَك؛ لتُمتِّعنا برحلة إلى الطائف، ولا أنسى حين سُقتَ السيارة في "طريق الهَدَا" ذَهابًا وعودة، وكيف كنتَ تقطع الطريق معنا، إمَّا بحكاية مُضحِكة، أو بطُرْفة ذكيَّة، أو بقصَّة مفيدة.
وكيف وقفتَ تلبيةً لرغبتنا لنشاهدَ القرودَ المنتشرة في طريق الهدى، نرمي الطعام ونُلوِّح لها بأيدينا، وأنت تبتسم، تغمرُك السعادةُ لسعادتنا، ثم لا أنسى كيف شاركتَنا اللَّعِب في حديقة الملك فهد بالطائف، ركبتَ معنا بعضَ الألعاب حين طلبنا منك ذلك، ولم ترغبْ أن تردَّنا خائبين، كم كنت سعيدة يا أبي بمشاركتك لنا الفرحة!
ثم ذلك (التلفريك) في الشفا بالطائف، والذي مازحتَنا في شأنه بقولك: إنَّك تخاف ركوبَه، وأصررْنا عليك أن نركبه سويًّا، فوافقتَ تحمينا بيديك وعينيك، وابتسامتُك لا تفارقك، فأنت سعيدٌ بسعادتنا.
كيف لي يا أبي الحبيب أن أنسى جلساتِك الممتعة المفيدة معنا؟!
كنتُ أراك بحرًا زاخرًا بالمعرفة، فإن جلسْنا معك فإمَّا أن تكون صامتًا، وفي صمتك وقارٌ وهيبة، وإمَّا أن تتكلَّم بما هو مفيد، فإمَّا أبياتٌ من الشِّعر تُردِّدها، وقد كنتَ تحب الشِّعر كثيرًا، وإمَّا قصَّة تحكيها لنا، وكثيرًا ما كنا نلتف حولك ونُمسك بك؛ لتحكيَ لنا قصَّة قبلَ أن ننام، أو ونحن جلوس على مائدة الغداء، وفي بعض الأحيان حين تكون مُتعبًا كنتَ تتخلَّص مِن هذا بتحويلنا إلى والدتي لتقومَ بالمهمَّة، كان أسلوبُك يشدُّني كثيرًا، فقد كانت رُوحُ الدعابة سمةً من سماتك، تأخذ الأمور ببساطة، وتنظر إلى المشاكل على أنَّها شيء صغير، حتى لو كانت في حقيقتها كبيرة.
أمَّا دَرْسُك الأسبوعيُّ بعد صلاة الجُمُعة لإخوتي كبارًا وصغارًا، فقد كان عادةً حرصتَ عليها منذُ سنوات، يلتفُّ حولك الجميع، تنتصب الأعين كلُّها نحوَك، والكل آذان صاغية يستمعون إلى حديثك، حيث تقرأ القرآن والتفسير، وتقوم بالشَّرح والتوضيح لكلِّ ما يغمض علينا، كنتُ دائمًا أتوق إلى حضور هذا المجلس، وقد كنتَ وعدتَني أن أحضرَه السنة القادمة، وها أنت تذهب إلى جوار ربِّك قبلَ أن تُحقِّق لي ما وعدتَني.
أبي الحبيب، كنتَ دائمًا كالطود الشامخ، أرى فيك عزَّة النفس والإباء الممزوجَيْن بتواضع جمٍّ، قلَّ أن تجتمعَ في شخصية واحدة، فأشعرُ بالفخرِ أنَّني ابنتُك، وكنتُ أنظر إلى حياتك اليوميَّة، فأراك تعيش لغيرك لا لنفسِك، عمل دؤوب وفِكر مُنشغل بهموم الآخرين، تعلَّمتُ من صمتك وحديثك دُروسًا في الحياة، كم كانتْ تُدهشني بساطتك وسعيُك وراءَ الآخرة لا الدنيا، على رغم أنَّك وجدتَ المنصبَ والمال، ولكنَّهما كانَا عبدَيْن لك، ولم تكن عبدًا لهما، لم يغرَّك قطُّ غِنى الأغنياء، ولا مظهرُ المترفين؛ لأنَّك كنت دائمًا تبحث عن عقول الرِّجال وفِعالهم، لا مالهم ولا جاههم، كم كنتَ تحثُّنا على القناعة وبساطة العيش، وكلَّما أردْنا أن نشتريَ الغالي من الثياب تُذكِّرنا أنَّ هناك من المسلمين مَن هم في حاجة إلى كِسرة خبز.
لا أنسى يا أبي، كيف كنَّا نجمع في حصالتنا الصغيرة بعضَ ما نُوفِّره من مصروفنا لنُعطيَك إيَّاه تبرُّعًا للمحتاجين، وكنتَ تفرح كثيرًا لذلك وتُشجِّعنا عليه، حتى لو كان التبرُّع ريالاً واحدًا. كان حِفظُنا للقرآن الكريم من أكبر اهتماماتك، وكلَّما انتهينا من حِفظ جزء من القرآن ننتظرُ منكَ الجائزة التي لم تبخلْ بها علينا أبدًا.
أبي الغالي، كنتَ مدرسةً جامعة لكلِّ معاني الخير لا ينضب عطاؤها أبدًا، بل يزيد ويَزيد، وها أنت الآن تتوقَّف عجلة الزمان معك؛ لتنتقلَ إلى جوار ربٍّ كريم رحيم، وإن كان فقدُك آلمنا وأحزننا، فعزاؤنا أنَّك تركتَ وراءَك السِّيرة الرائعة، والذِّكر العطِر.
نسأل الله -تعالى- أن يجمعنا بكَ في جنَّات الفِردوس، إنَّه على ذلك قدير.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره