عبدالقادر ملا، الذي قتل ليحيا


عبدالقادر ملا اسمٌ يحمل الكثير من معاني الثبات والتضحية، يحمل الكثيرَ من الاعتزاز وعدم الانكسار مهما قَسَتِ الظروف، اسمٌ يُعلِّمُنا الصمود ضدَّ كلِّ مَن يحاول المساس بعقيدتِنا ومبادئنا مهما بلغت قوَّته وعَلَت وجاهتُه.

 

قرأتُ كثيرًا لسيد قطب الذي ترَك لنا كلمته الذهبية: "كلماتُنا وأفكارنا تظلُّ جثثًا هامدة حتى إذا مِتْنا في سبيلِها وغذَّيناها بدمائِنا، انتفَضَت حيَّة وعاشت بين الأحياء"، قدَّم هذه الكلمة قولاً وعملاً، فمات في سبيل عقيدته ومبادئه، (سيد قطب) رمزُ التضحية والثبات مات، لكن أثبت عبدالقادر أن في كل زمانٍ (سيد قطب) جديد، وفي كل زمان رمز للتضحية جديد، وأراد هو أن يكون (سيد قطب) العصر.

 

عبدالقادر ملا القيادي الإسلامي المعارِض مساعد الأمين العام للجماعة الإسلامية - أكبر الأحزاب الإسلامية في بنغلاديش - حُكِم عليه بالسجن المؤبَّد، فعارَض الحكم ونفى عن نفسه التُّهم، فأكرموه بأن حكموا عليه بالإعدام.

 

عبدالقادر الذي كان ينادي بعدم الانفصالِ عن باكستان عام 1971م حفاظًا على الروح الإسلامية، كان جزاؤه أن حكَمَت عليه الحكومةُ بالإعدام، ووصفته بأنه مجرم حرب، إلا أنه ظل ثابتًا ثبوت الجبال ولم يتوسَّل يومًا للإفراج عنه، ولم يسترحم أحدًا.

 

عبدالقادر أكَّد لنا أن روح (سيد قطب) ستسري في كل عصر، فحينما طُلِب منه أن يطلب عفوًا رئاسيًّا قال:

"إنني لم ولن أطلب عفوًا رئاسيًّا من أحدٍ، فلا أحد في هذا الكون يستطيع أن يتحكَّم في حياة أو موت أحد، فالله - سبحانه وتعالى - هو وحدَه يُقرِّر طبيعة موت عباده، فالحكم لن ينفذ بقرار أحد، وإنما سينفذ بقرار رب العالمين، وأنا مؤمن بقضاء الله وقدره".

 

عبدالقادر بعد أن حكموا عليه كان يُردِّد في زهْو وفرح: "إذا قدَّر الله لي أن أموت موتة الشهداء، فهذا أعظم ما اكتسبته في حياتي".

 

قُتل عبدالقادر، ولكن في لغة العزَّة والتضحية لم يَمُت، بل هو حي في قلوب الملايين، هو حي بمبادئه وأفكاره، حيٌّ بعزيمته وترفُّعه عن استرحام الظلمة.

 

قُتل عبدالقادر، وكعادة المجتمع المسلم ظل خانعًا ساكتًا لم يُحرِّك ساكنًا، قُتِل عبدالقادر ولم يمت، مَن مات هو المجتمع المسلم، ضمائرنا ماتت، فأراد عبدالقادر أن يعطينا مثالاً للحياة غير الحياة التي نعيشها، فقدَّم نفسه.

 

قُتل عبدالقادر ليؤكِّد أن الخنوع الذي نحن فيه بداعي السلام، إنما هو في الحقيقة جبن وضعف، وأن السلام المزعوم إنما هو من طرف واحد، بينما أعداؤنا يفعلون ما يشاؤون.

 

قُتل عبدالقادر وترك وصمةَ عارٍ في جبين كل عالِمٍ وكاتب لم يتحرَّك قلبُه لقتله.

 

في كل عصر سيد، وسيد عصرنا عبدالقادر، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.