الوداع

( في رثاء الدكتور مانع الجهني )


كيف أبدأ؟! وبماذا أبدأ؟! وبأيِّ لغةٍ أكتب؟! فرَّت منِّي الحروف، وتشتَّتت الكلمات والعبارات، وقالت: لن تستطيعَ أن تُلمَّ شتاتَنا وتكتب منَّا مقالاً في رِثاء شيخنا؛ لأنَّه أكبرُ من أن تكتبَ عنه، أو أن نُوفِّيه حقَّه، قل لي بربِّك: عمَّ تكتب؟! عن أبٍ، أمْ عن داعية، أمْ عن مجاهد، أم عن مناضل، أم عن شيخٍ نذر نفسَه لخِدمة الإسلام والمسلمين في شتَّى بقاع الأرض؟!

 

رحمك الله يا والدي، لقد رحلتَ عن هذه الدُّنيا الفانية، لم تكنْ تُعطيها اهتمامًا، نظرتُك كانت دائمًا إلى الأمام، لم تنظر إلى الخَلْف، همُّك كلُّه للآخرةِ، كنتَ تعمل كلَّ شيء يُقرِّبُك إلى الله، تتغاضَى عن صغائر الأمور، استصغرتَ الدنيا فذلَّت لك طائعةً، أغثتَ الملهوف، وكفلتَ اليتيم، وأطعمتَ الجائع، وكسوتَ الفقير، وجاهدتَ في سبيل الدَّعوة، وفي لحظة، وفي طرفة عين فقدَك كلُّ هؤلاء! بكتْكَ الأرامل والأيتام، والفقراء والمساكين، وبكيناك نحنُ قبلهم، بكيناك أبًا رحيمًا عطوفًا، بكيناك إمامًا وداعية، لم تكن تعرفُ الظلمَ، كنت عادلاً مُشفقًا حنونًا، ربَّيتَنا أفضلَ تربية، وعلَّمتنا أُسسَ الحياة، زرعتَ في نفوسنا الاعتمادَ - بعد الله - على الذَّات، والخوض في غمار الحياةِ على رغم صعوبتها، حقًّا، ما أعظمَ فقدَك يا والدي! ما أبشعَ فراقَك وما أصعبَه! رحلتَ فجأة عن هذه الدنيا، رحلت ولم أودِّعكَ، ولم أحظَ بقُبلةٍ على جبينك الطاهر، رحلتَ وبين حنايا ضلوعي نارٌ تَحرِق على فراقك، وزفرات تَغلي في قلبي وآهاتٍ وأنَّات، ولكنْ هذا قدرُ الله فينا، ونحن راضون بقضاء الله وقدرِه، ولا أقول إلاَّ: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، ولا حولَ ولا قوَّة إلاَّ بالله.

 

ابنُك البار محمد الجهني

بلومنجتون- الولايات المتحدة الأمريكية