ترجمة أبي الوليد الباجي


هو أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، رحل إلى المشرق سنة 426، وأخذ عنه حافظ المغرب أبو عمر بن عبدالبر، وبينَه وبين الإمام ابن حزم مُناظَرات وفصول، قال القاضي عياض: حاز الرئاسة والشرف بالأندلس، فسَمع منه وتفقَّه عليه خلق كثير، وقال القاضي أبو علي بن سكرة: ما رأيت مثله على سمته وهيبته، وتوقير مجلسه، وهو أحد أئمة المسلمين.

 

وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب (العواصم من القواصم):

بعد ذكره ما وقع في بلاد المغرب من الفتن: عَطفْنا عنان القول إلى مصائب نزلت بالعلماء في طريق الفتوى، لما كثرت البدع وذهب العلماء، وتعاطت المبتدعة منصب الفقهاء، وتعلَّقت بهم أطماع الجهال، فقالوا بفساد الزمان، ونفوذ وعد الصادق - صلى الله عليه وسلم - في قوله: ((اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا))، وبقيت الحال هكذا، فماتَت العلوم إلا عند آحاد الناس، واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل، وذلك بقدرة الله - تعالى - وجعل الخلف يتَّبع السلف حتى آلت الحال إلى أن ينظر في قول مالك وكبراء أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طلمنكة وأهل صلبوة وأهل طليطلة، وصار الصبي إذا عقِل وسلكوا به أمثل طريقة لهم، علموه كتاب الله - تعالى - ثم نقلوه إلى الأدب، ثم إلى الموطأ، ثم إلى المدوَّنة ثم إلى وثائق ابن العطار، ثم إلى أحكام ابن سهل، ثم يقال: قال فلان الطليطلي وفلان المخريطي وابن مغيث - لا أغاث الله يديه - فيرجع القهقرى، ولا يزال إلى الوراء.

 

ولولا أن الله - تعالى - منَّ بطائفة تفرقت في ديار العلم، وجاءت بلباب منه كالقاضي (أبي الوليد الباجي) وأبي محمد الأصيلي، فرشُّوا مِن ماء العلم على هذه القلوب الميتة، وعطَّروا أنفاس الأمة الزفرى، لكان الدِّين قد ذهب، ولكن تدارك الباري - سبحانه - بقدرته ضرر هؤلاء بنفع هؤلاء، وتماسَكت الحال قليلاً، والحمد لله - تعالى؛ ا .هـ.

 

المصدر: مجلة الإصلاح، العدد الثاني عشر، شعبان سنة 1347 هـ، ص14