الشيخ صالح الحصيّن

" زاهدٌ " بمرتبة وزير!

 

حين تختلط مشاعر الدهشة بالحزن، والفخر بالعزاء، حين تبحث عن شخصٍ حظي بعَشَرة ألقاب رسمية وفخرية لا يصدِّر بها خطابًا شخصيًا ولا ودّيًا شفهيًا، وحين تسمع مراسل إمارة القصيم يبعثه أميرها فيجد شخصًا يركب سُلّمًا، ويدهن جدران مزرعته بنفسه وقد تساقطت بقعه على شعره وثوبه فيظنه عاملاً، وحين يبلُغُك خبر مجاهدٍ ذادَ عن حياض الشريعة حين هاجمتها القوانين الوضعية عند رئاسته لهيئة الخُبراء، بَلْهَ ذلك كله لتسترشدَ عن السَّيف المُشهَر لحماية عِرض القضاءِ وشرفهِ من غوغاء الإعلام، وإذا أردت مسؤولاً تضبط ساعتك على مواعيد قدومه وانصرافه، وتتعجب من خدمته شِبه المجانية للاقتصاد الإسلامي حتى غدا منافسًا لدودًا لأضرُب الربا والمماكسات، وإذا أردت عالمًا يتجنب الفتوى دائمًا وإذا سُئل أحال السؤال لطالب علم بجواره.

 

إنه رجل نشأ في حِلية التواضع وسلامة الصدر، مع قوة في الحق وتعرية للباطل حتى يتهاوى نفسه في نفسِهِ.

 

أيها السادة.. أنا أتكلم عن شخصية ذات نسقٍ مختلف، ترى أن الاشتغال بالتزود المعرفي والعمل الخيري هو أمتع بكل المقاييس من أعمال الحكومة؛ ولو تسنّم دفة القيادة!

 

اختصرتُ ورقة عملٍ لي في مؤتمر يُعنى بالقضاء، فأرسلتُها له مقالةً ترتعش حياءً بين يديه الثابتتين إيمانًا، فتلقيتُ بعد ثلاثة أشهرٍ اتصالاً وقد ابتدأ كلامه: معي الشيخ محمد؟ قلت مَن - ظننته سائلاً عن علم -؟ فأجابني: معك أخوك صالح الحصين!

 

ولم أستوعب أنه معالي الشيخ، الوزير، عضو هيئة كبار العلماء إلا بعد دقيقتين؛ منتظرًا سؤالَه عن المسألة الفقهية التي لا يعرف حُكمها لأجيبَه - يا للهول!

 

وقررَ مكافأةً للمقال؛ بأن يُطلعني على خطاب احتسابي له دفاعًا عن عِرض الدولة - كما يُعبّر عن القضاء - وطلب رأيي المتهالِك أمام عقلية فذّة تتجاوزني أكثر من 50 عاماً!

 

هو مدرسة خاصةٌ في نكران الذات؛ لا يطيق دروسها إلا مَن اطّرح النعقَ بتضخيمِ الإنجازات والتملّقِ بشهاداتٍ علمية خاوية؛ تزبّبٌ قبل التحصرُم.

 

وكم تطربني كثيرًا فائدته: " العبارة التي قرأتها ولم أنسها حتى الآن هي: (كن كما أنت) أي لا تتظاهر بأنك أغنى، أو أذكى، أو أعلم، أو أتقى، أو أفضل مما أنت في الحقيقة".

 

إن خدمته للقانون بإدخال ما لا يخالف الشريعة الغرّاء ساهم كثيرًا في إرساء دعامةٍ قويةٍ ضد نَزعَات الوضعيين، إذ كان موفَّقًا في مراعاة الاختلاف الثقافي بين واقع النظام الإسلامي والنظام الغربي في السياسة والاقتصاد والمرأة والأيدلوجيات التي تحافظ على خصوصية المملكة.

 

أخيرًا.. هي شجناتٌ في صدر، وقطرات عن بحر، قال سعيد بن المسيّب: شهدت جنازة زيد بن ثابت فلما دُفن في قبره قال ابن عباس: "يا هؤلاء من سَرّهُ أن يعلم كيف ذهابُ العلم فهكذا ذهاب العلم، و أيمُ الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثير".

 

اللهم نحن شهودك في أرضك؛ ولا نعلم عن عبدك الصالح "صالح الحصيّن" إلا خيرًا، فاغفر له.