أعظم المصائب
وحديث عن الشيخ فكري بن محمود (الجزار)
- رحمه الله تعالى -
الحمد لله الحيِّ الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون، والصلاة والسلام على من قال له ربُّه: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 30].
أمَّا بعدُ:
فأعظم المصائب: أن يكون لك إنسان (والد أو مربٍّ، أستاذ أو شيخ، أخ أو صديق)، تحبُّه ويحبُّك، تستشيرُه في كلِّ أمرك، تعلَم حبَّه وحِرصه عليك، وتستفيد من مشورته، وتستقوي به على المِحَن، وتتعلَّم مِن لحْظه قبل لفْظه، تتأدَّب وتتديَّن، وترى من وُفور عقله، وصائب حِكمته، ونافذ بصره، وحُسْن عَلاقته وصِلته بمَن حوله، واحترام كلِّ مَن يعرفه له، وتتشرَّف وتفتخر بمعرفتك له، وعَلاقتك به - ثم تَفقِده فجأةً، فتشعر أن شِقَّك قد سقط، وأنَّ قوَّتك قد ضعُفت، وأنَّ عزيمتك قد وهنت، وأنت مع ذلك تذكُره في كلِّ موقف يمرُّ بك، وتتذكَّر نصائحه وإرشاداته وتَعامُله مع مِثل هذه المواقف، وتتخيَّل لحظةَ أن تعود مِن غربتك وتذهب إلى حيث كنت تذهب إليه، فلا تجده؛ فلا تتخيَّل أنك لن تراه!
ذلكم هو فضيلة الشيخ فكري بن محمود (الجزار) - عليه سحائب الرَّحمات - بالنسبة لي ولكثير من تلامذته ومحبِّيه، لم يكن شيخًا فحسبُ، بل كان والدًا مربيًا، وأخًا صديقًا، وحبيبًا حنونًا...!
ذلكم هو المُحقِّق الكبير، والمدقِّق المُتقِن، العالم العامل، التقي الديِّن، الإمام الصابر، كلُّ مَن عرَفه واقترب منه وارتبط به، ردَّد قائلاً: (الشيخُ فكري عيني التي أرى بها)! وقد دبَّجتُ مسوَّدة مقالة سمَّيتُها: "شذى الأزهار، في ترجمة الشيخ فكري الجزار"، وعزمت أن أسجِّل مع الشيخ ترجمته، وأسأله عن تفاصيل حياته، وقد فعلتُ، ولكنَّه - وللأسف! - كان لقاءً واحدًا يتيمًا، ويا ليته تكرَّر! فقد شغلتْنا شواغلُ الحياة!
ولكن حسْبُنا من القلادة ما أحاط بالعنق، فلا عليَّ أنْ أشير إلى شيء يسير عن حياة الشيخ وما أعرِفه عنه، ولمُستَزيدٍ أن يستزيد من أخباره من معارفه وتلاميذه ومحبِّيه، أو أن يُضيف معارفُه وتلامذته ومحبُّوه عنه ممَّا يعرفون.
اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو الشيخ فكري بن محمود بن رجب بن سلامة (الجزار)، ووالداه من بلدتنا (قرية الأخميين - مركز القناطر الخيرية - محافظة القليوبية - مصر المحروسة)، وهو من مواليد القاهرة (حي الشرابية) عام 1951م، وبها نشأ مع والده المهندس محمود، وكانت لجدَّته (سماها لي الشيخ، ونِسيتُ اسمها الآن) أكبرُ الأثر في صلاحه، وتعويده على الصَّلاة والالتزام.
نشأته، وطلبه للعِلم، وحبُّه للقراءة، وسيرته العِلميَّة والعَملية: نشأ الشيخ نشأة مرفَّهة مدلَّلة؛ فقد كان والده مهندسًا، ويحيا حياة البشوات وأهل البَندر، وأحبَّ الشيخ القراءة منذ الصِّغر، فأقبل عليها بنَهمٍ شديد، وبدأ بقراءة صحيح البخاري، وكان صعبًا عليه، خصوصًا قراءة الإسناد، فبدأ يُمسِك بالقلم ويُسجِّل ملاحظاته، وتَمرَّس في القراءة في كلِّ الفنون، وما زال يقرأ ويَطَّلِع، ويُعلِّق ويُدقِّق، إلى أن توفَّاه الله تعالى، وقد جمع - رحمه الله تعالى - مكتبة عظيمة، حوت من فنون العلم، وكان يهتمُّ بها اهتمامًا بالغًا، ويُنظِّمها ويُرتِّبها، ويُتابِع ما جدَّ من الإصدارات، في شتى العلوم، وله اهتمامٌ خاصٌّ بكتب الطب والتداوي، وهو من قراء صحيفة الأهرام والجمهورية الدائمين، وله تعليقات على مقالات كثيرة، لو جُمِعت لصارت مجلدًا كبيرًا.
أمَّا عن مشايخه، فلم يُقدِّر الله تعالى للشيخ أن يتتلمذ على الشيوخ، أو أن يدرس عليهم مباشرةً، ولكنَّه كان لا يرى لطالب العلم أحسن من التتلمذ على أهل العلم، ويذمُّ الأخْذَ عن الصُّحف مباشرة لمن لم يتأهَّل لذلك، ويعترِف بأنَّ ما حدَث معه من عدم تتلمُذه على الشيوخ كان لا يَدَ له فيه، وقد حاول أن يَلتقي بمن يستطيع ويأخُذ عنهم، ولكن كانت تحول دون ذلك أمورٌ كثيرة.
وكان - رحمه الله تعالى - مع ذلك محبًّا للعلماء الربانيِّين، مُعظِّمًا لأقوالهم، متَّبعًا للحقِّ من كلامهم بحسب ما ظهر له، وكثيرًا ما يُثني عليهم؛ أمثال محدِّث الشام العلامة الألباني، وسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، والفقيه العلَّامة ابن عثيمين، كما كان محبًّا لآل شاكر (أحمد محمَّد شاكر، ومحمود محمد شاكر)، وأيضًا العلامة عبدالسلام هارون، والعلَّامة الطناحي، وشغوفًا بعلومهم، مترسمًا خُطاهم في التحقيق، مضيفًا أو مستدركًا ما لاح له؛ مثلما فعل في كتاب "التنبيهات على التصحيفات والتحريفات"، وقد تُوفِّي الطناحي - رحمه الله تعالى - قُبيلَ الأضْحى (1419هـ، 3/1999م)، وكان الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - يَعتزِم لقاءَه بعدَ الأضحى، ولكن قدَّر الله وما شاءَ فَعَل، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!
وكان للشيخ - رحمه الله تعالى - اهتمامٌ عجيب بتدبُّر القرآن الكريم، وله استنباطاتٌ عجيبة، بعضها يَذكُر الشيخُ أنَّه لم يُسبق إليه؛ يشهد بذلك كتابه المطبوع "نظرات واختيارات، في مناسبة خواتيم الآيات، مع فوائد بديعات"، ومسوَّدة كتابه "مِنَّة الرحمن، في تفسير القرآن".
وقد الْتحق الشيخ - رحمه الله تعالى - بأربع كليات، ولم يُقدِّر الله تعالى أن يتمَّ واحدة منهن! التحق بكلية العلاج الطبيعي، وكلية الترجمة الفورية بالأزهر، وكلية التجارة، وكلية العلوم..
وللشيخ - رحمه الله تعالى - رحلة كبيرة مع التَّحقيق، بل هو محقِّق مدقِّق لكل ما يقرأ، وكان يُقيِّد كل ذلك بالقلم؛ فهو لم يكن يقرأ إلا والقلم في يده...
فقد عمِل الشيخُ - رحمه الله تعالى - في دار الحرمين للطبع والنشر، وكان شريكًا فيها، ولكنَّه تركها لبعض الخِلافات التي نشِبتْ مع الشركاء، والتي لم تُعجب الشيخ..
وفي مسيرة التحقيق والتدقيق عمِل الشيخ في مجلة البلاغ مدقِّقًا ومُصحِّحًا، وتميَّز على أقرانه، وظهَر نبوغه، وأثارت دقة ملاحظاته إعجاب مُشرفيه، وكان من أعماله أنْ شارك في بعض الأعمال مع العلَّامة المدقِّق المحقِّق بكر بن عبدالله أبي زيد - رحمه الله تعالى - كان ذلك أثناء جمْع موسوعة أعمال ابن القيِّم للشيخ - رحمه الله تعالى - بدار الصحيفة التي كان يعمل الشيخ فكري مصحِّحًا فيها، وكان الشيخ بكر - رحمه الله تعالى - قد عَهِد بجمْعِها إلى أحد المصريِّين، وكانت قد وقعَتْ منه - المصري - أخطاءٌ فاحشةٌ وشنيعة، وكان تدخُّل الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - سببًا في إيقاف هذا العمل في حينه؛ صيانةً للعلم، وللإمام ابن القيِّم، ولمكانة الشيخ بكر - رحمه الله تعالى – وأخبرني الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - أنَّه ما زال يحتفظ بتلك الأوراق مصوَّرة بهذه الأخطاء التي وصل بعضها إلى عبارات كُفريَّة.
كما أنَّ الشيخ - رحمه الله تعالى - قد انتدبَه أحد الأثرياء السُّعوديِّين - وقد أثنى عليه الشيخ جدًّا - وأرسل له تأشيرة عملٍ، واتَّفقا على أن يقوما بإنشاء دار لتحقيق التراث، يكون الشيخ هو المسؤولَ العِلمي، والمُشرِف عليها، ويكون هذا السعوديُّ هو المموِّلَ، وبالفعل سافر الشيخ إلى السُّعودية، وحدثتْ ضائقة ماديَّة عند هذا السعودي، فعاد الشيخ إلى مصر، ثم انفرجت الأزمة وكاد المشروع أن يتمَّ، وأرسل الرجل للشيخ، ولكن قدَّر الله أن يُغيَّب الشيخ في سجون الظلم والطغيان في مصر، وانتهى بذلك ذلك المشروعُ الكبير..
وقبل أربع سنوات تولَّى الإشراف العِلمي على مكتب "الجديد النافع" العِلمي الكويتي، والذي كان مقرُّه في القاهرة، وقد أشرف على بعض إصداراته، إلى أنْ ترك العمل؛ نظرًا لظروفه.
وكان من خبر الشيخ العجيب الذي يُذكِّرنا بشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: أنه كان يقرأ ويُحقِّق، بل ألَّف كثيرًا من الكتُب، وحرَّر كثيرًا من التعليقات والتنبيهات في غيابات السُّجون، من ذلك (تصحيفات كتاب معاني القرآن للفراء، ومنة الرحمن في تفسير آيات القرآن)، وغير ذلك، وفي كشاكيله وكتاباته تأريخٌ لمراحل سَجْنه وتنقُّلاته في المعتقلات!
وقد قرأتُ عليه في سجن دمنهور من كتاب "المقتضب" في النحو لأبي العباس المبرِّد، فرأيتُ منه فَهْمًا عجيبًا، وذكاءً متوقدًا، وإتقانًا متينًا للنحو واللغة! وحكَى لي - رحمه الله - أنَّه حرَّر مسألة لُغويَّة ذات مرَّة، فأثنى عليه البعض قائلاً له: هذا لا يُحسِنه إلا دكتور في دار العلوم!
وقد كان للشيخ في سجن دمنهور درسٌ عجيب جدًّا؛ لم أرَه لغيره، ولم أسمع أنَّ أحدًا قام به! هذا الدرس هو قراءة في كتاب - أي كتاب - لا لجَرْد الكِتاب ولا لشَرْحه! بل لمعرفة كيف تُقرأ الكتُب؛ كلُّ الكتب، وكيف يُفهم كلام أهل العلم، متى يقف القارئ؟ ومتى يَصِل الكلام؟ وكيف يُوجَّه كلام المؤلِّف؟ وغير ذلك! وقد كان هذا الكتاب هو كتاب "التُّحفة السَّنية، شرح المقدِّمة الآجُروميَّة".
وكان للشيخ - رحمه الله تعالى - آراؤه واجتهاده التي يُخالِف فيها غيره، ولكنه يُخالِف بأدب، ويُنكِر بعلم، وهو ثابت على ما يَعتقِده حقًّا وصوابًا؛ من ذلك قول الشيخ بحُرمة لعب (كرة القدم)، وأيضًا اعتقاده حُرمة التصوير الفوتوغرافي إلَّا لحاجة ضروريَّة.
دَعوته وصبره على البلاء:
بدأ الشيخ - رحمه الله تعالى - دعوته في أوائل السبعينيَّات، وكان من جيل الروَّاد، وكان المشايخ - أمثال الشيخ نشأت أحمد، والدكتور محمَّد عبدالمقصود العفيفي - يُقدِّمونه لإلقاء الدَّرس إذا رأوه! وخطَب ودرَّس، ولكنَّه توقَّف عن الخطابة والتدريس ممَّا يَقرُب عن 25 سنة؛ لظروف كثيرة، أظهرُها الضَّغطُ الأمني، ولم يحظَ الشيخ بالشُّهرة لهذا، وما كان يحبها أصلاً، وقد عاوَد الشيخ التدريس قُبيل وفاته بحوالي عام، فكان له درس يوم الأربعاء في الشرابية، ولكن ظروف مرضه، وكِبَر سِنه حالت دون استمراره.
على أنَّه - رحمه الله تعالى - كان لا يفوِّت فرصةً يأمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله تعالى بقلب ثابتٍ، وجأش قويٍّ، ورِفْق ومراعاة لأحوال المدعوِّين، وتقدير للظروف؛ ففي جنازة ابن عمِّه الحاج عبدالعاطي سلامة - وهو من أطيب أهل البلدة - أَعطى الشيخ فكري موعظةً بليغة، وحينما دُعي عند ابن ابنِ عمِّه أيمن حمودة سلامة على الغداء أيضًا، أتْحَفَنا بنُبذ من عِلمه، وما فتئ يأمر وينهى، ويُعلِّم ويُفيد، وهكذا هو في كلِّ موقف، وأكثر ما تَميَّز به الشيخ - رحمه الله تعالى - الدَّعوة العَمليَّة؛ فقد كان يدعو بعمله أكثرَ ممَّا يدعو بقوله، وكان في كل أمرٍ ينظُر إلى أمر الدين أولاً، وإن أَنْسَ لا أَنْسَ أوَّل درس سمعتُه منه مع أصحابي العَشَرة، وهو عن لزوم شرعيَّة كلِّ أمر نقوم به؛ فكان يقول لي ما معناه: هدفي هو أن أُفهِم الناس معنى الإسلام، وأن يَرجِعوا في كلِّ شؤونهم إلى الشريعة الغراء!
أمَّا صبره على البلاء، فقد ابتُلي الشيخ في الله تعالى بلاءً شديدًا؛ فقد اعتُقِل على مدار 25 سنة في سجون الظُّلم والطُّغيان في مصر، من غير تُهمةٍ ومن غير جَريرة، إلَّا عَلاقة الشيخ الطيِّبة بالناس والدُّعاة، وشِدَّته وصَراحته في الحقِّ، والشيخ - رحمه الله تعالى - لم يكن ينتمي لأيِّ تيار، أو لأيِّ حزب، أو لأيِّ جماعة، ولكن عَلاقته بالناس كانت حَسنة، إلَّا مَن أَنكر عليهم فلمَ يرجعوا عن خطئهم، فكان الشيخ يَهجُرهم في الله تعالى، وكان شديدًا في هذا الأمر - فاتَّهمتْه سلطات أمن الدولة في مصر بأنَّه من المُنظِّرين لتنظيم الجهاد، واعتُقِل في حادثة مقتل السادات حوالي سنتين، ثم خرج، واعتُقل بعدها حوالي ستة أشهر، وفي المرة الأخيرة اعتُقل حوالي 8 سنوات، وهي التي قابلْناه فيها وعرفْناه بعد أن لم نكن نعرفه أو نسمع عنه، أو يُحدِّثنا أحد مِن ذوينا بأمره، وهذا من الجحود الذي نحياه، أو عدم معرفتنا بعظمائنا! تنقَّل خلال هذه المُدد بين سجون مصر كلها فيما أحسب؛ من ليمان طرة، إلى وادي النطرون 1، 2، إلى ليمان أبو زعبل، ثم إلى سجن دمنهور، ثم أخيرًا إلى الوادي الجديد؛ كعقوبة على صَلابته في تعامُله مع ضبَّاط أمن الدولة، وهكذا كان - رحمه الله تعالى - لا يَلين معهم أبدًا، ولم يُقدِّم لهم أيَّة تنازلات أو ترخُّصات، وكان دائمًا ما يدعو عليهم قائلاً: اللهم انتقم منهم! خصوصًا إذا تذكَّر تعذيبهم وتشريدهم لإخوانه.
وأيضًا ابتُلي الشيخ - رحمه الله تعالى - في جسده؛ فقد كان يعاني من مرض السكري، وله معه أحوال غريبة حارَ معه الأطباء فيها، وقد توفي - رحمه الله تعالى - جراء غيبوبة السكر التي كانت تَنتابه كثيرًا.
مُصنَّفاته: له من الكتُب المطبوعة: "مختصر النبراس في المخالِف للشريعة من كلام الناس"، و"التنبيهات في التصحيفات والتحريفات"، وهو كتاب عجب؛ فيه أشياء لم يُسبَق إليها فيما أعلم، وكتاب عن "تناسب خواتيم الآيات وفوائد بديعات"، وكتب كثيرة تحت الطَّبع لم يُتمَّها الشيخ - رحمه الله تعالى - لعلَّ الله تعالى يأذن بكشف النِّقاب عن مُخدَّراتها، ويُسفِر نورها في الآفاق.
وقد نشرت بعض كتبه وتحريراته على (شبكة الألوكة)، وهذا رابط صفحته عليها:
http://www.alukah.net/Authors/View/Literature_Language/3836/
وله من التعاليق الحِسان، والفوائد الفرائد، والتنبيهات على التصحيفات والتحريفات، على كلِّ كتاب قرأه؛ فقد حدَّثني أنه منذ الصغر ومنذ نشأ لا يقرأ إلَّا بالقلم (والقلم ذو الحِبر الأسود؛ لأنه أوضح)، كما أنَّ له محاضراتٍ علميَّة، وخطبًا مفيدة، مسجَّلة على شرائط كاسيت؛ لعلَّ الله تعالى يُقيِّد لها مَن يُفرِّغها كتابة، ويُحرِّرها ويَنشُرها.
أمَّا عن سِيرته العَمَلية، فقد كان الشيخ - رحمه الله تعالى - عِصاميًّا، يأكُل من عملِ يده، فعمل في الجزارة، وكانت جزارته عجبًا! حكى لي أنَّ له زبائن مخصوصين لا يأكلون اللَّحم إلَّا من يده؛ فكان يذبح العجل ويُقسِّمه ويغلِّفه، ويذهب بالتاكسي إلى بيوتهم، ويوزِّع عليهم طلباتهم بنفسه، وهكذا تُقسَّم الذبيحة، ولا ينتظر مَن يشتري منه، ولا يُعلِّق الذبيحة كما هو الحال مع سائر الجزارين! كما أنَّ للشيخ محلَّ عطارة كبيرًا في حي الشرابية، وهو مُشارِك لصديق له فيه، وللشيخ اهتمامٌ عجيب بالعطارة والتوابل والأعشاب، والعسل الأبيض والزيوت الطبيعيَّة، ويَصِف منها العلاج للمَرضى.
أخلاقه وبِره وكرمه: أمَّا عن أخلاق الشَّيخ - رحمه الله تعالى - فقد رأيت ورأى مَن عاشَرَه من حُسن خُلُقه عجبًا، وأَعجَبُ ذلك وأكثر شيء تعلَّمناه منه: صِلة الرَّحم، وحُسْن سؤاله وتَفقُّده لأهله ومعارفه وتلامذته؛ فقد علَّمنا وعرَّفنا معنى كلمة (الأهل) منه حينما كان يُعاتِبنا ويقول: (يا واد نحن أهل!)، كان لهذه الكلمة وقعٌ عظيم جدًّا على قلبي، مع أنه كان يُقابَل بالجفاء! وكان في آخر أيَّامه يسأل عني وعن والديَّ وزَوجي وأولادي كأحنِّ أبٍ، وكأصدق صديق، وإلى قُبيل وفاته بأيَّام، وإن تأخَّرت عليه في الاتِّصال، اتَّصل بي هو وعاتبني أني لا أُطمئِنه على أحوالي وأهلي وأولادي!
وكان الشيخ - رحمه الله تعالى - ذا ذوق عالٍ، وأدَب رفيع؛ يَعرِف هذا مَن عاشَرَه، ودخل بيته، وخَبَر حياته..
وأمَّا عن كَرمه، فما رأيت إنسانًا في كَرمه، وكان بيته مليئًا بالخيرات، ويحتفي بزائريه احتفالًا عجيبًا، ويقوم على خِدمتهم بنفسه، حتى في السِّجن! فقدْ كنَّا عشرة إخوة، الْتقينا به في مدرسة يوسف - عليه السلام - (أعني سِجن الدُّعاة - مُعتقل دمنهور)، فدعانا وأطعمَنا، وكان يقوم على خِدمتنا جميعًا، وإذا أراد أحدُنا أن يساعده في شيء، انتهره بشدَّته ووقاره اللَّذين يمتلِئان بالحبِّ والبذل والعَطاء، وقد كان الشيخ عجيبًا في صناعة أشهى المأكولات، ويضَع عليها من التوابل والأعشاب ما يَزيد في حُسْن طعمها، مع نظافة وتنظيم عجيبينِ، كنَّا نلاحظه ونتعلَّم منه، ونقول له ممازحين: نريد أن نأتي بزوجاتنا يتعلَّمْنَ منكم يا شيخنا، فيَضحَك - رحمة الله عليه! - وما زالت زوجتي - حفظها الله تعالى - تذكُر طبق المكرونة باللحم المفروم الذي أتيتُ به من عنده، وتتمنَّى أن تصنع مثله!
بل كنَّا نحبُّ الذَّهاب إليه؛ لما يُتحِفنا به من أنواع المأكولات والفاكهة التي يختارها ويشتريها بعناية فائقة!
وفاته:
تُوفِّي الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - يوم الخميس 23 جمادَى الأولى 1434هـ، الموافق 4 أبريل لعام 2013م، في غيبوبة مرض السكر التي كانت تُعاوِده بين الفينة والأخرى، وقد كثُرت عليه في أيَّامه الأخيرة.
هذا، ولم يكن الشيخ من المشهورين؛ لمَا ذكرتُ، ونحسب أن الله تعالى قد كتب له الأجر الحَسَن، والذِّكر الجميل؛ فقد قام محبُّوه وتلامذتُه وأقرباؤه البارُّون بإنشاء صفحة باسمه على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) بعنوان: "محبي الشيخ فكري محمود (الجزار)"؛ رجاء نشر عِلمه، والانتفاع به، ويكون من صحيفة حسناته المفتوحة، وهذا رابطها:
https://www.facebook.com/groups/489551617781928/
والله يستعمِلنا لخدمة تُراث الشيخ (المكتوب منه والمسموع)، ونشْر عِلمه في الآفاق...
ولكلِّ قارئ من أصدقاء الشيخ، وتلامذته ومعارفه ومحبِّيه أن يُضيف على هذه المقالة ويَزيد ما يعرِفه من أخباره، فلقد كتبتُها في ظروف قاسية من الغربة والانشغال، وألَم فقْد الشيخ - رحمه الله تعالى.
أقول: فحين يعيش المرء هذه اللحظات القاسية، ويُعاين ألَمَ فقْد أمثال هؤلاء العلماء الربانيِّين، والدُّعاة المخلصين، يشعُر بعِظم وقْع خبر موت خيرِ الخَلق - صلَّى الله عليه وسلَّم - على صحابته الكرام، ويعلم حقَّ اليقين وعين اليقين قولَ أمِّ المؤمنين عائشةَ - رضي الله عنها -: "لمَّا توفِّي رسول الله، ارتدَّت العرب، واشرأبتِ اليهوديَّة والنصرانيَّة، وعمَّ النِّفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية؛ لفقْد نبيِّهم"[1].
فيسترجع الإنسان، ويتحلَّى بالصَّبر، ولا يقول إلا ما يُرضي الربَّ، ويتواصى بالدَّعاء للشَّيخ، ويَستيقن أنَّ هذا الدِّين حيٌّ وباقٍ، وأنَّ أتباعه ليسوا باقين، وأنَّه واحدٌ منهم، قريبًا ما يأتي عليه الدَّور في الرحيل عن هذه الدنيا؛ فيسأل المليك العلَّام أن يتوفَّاه على ما تَوفَّى عليه الصالحين من عِباده، وأن يُلحِقه بنبيِّه الكريم، وأصحابه وأتباعه الميامين.
[1] [تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (2/ 201)].
أعظم المصائب
وحديث عن الشيخ فكري بن محمود (الجزار)
- رحمه الله تعالى -
الحمد لله الحيِّ الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون، والصلاة والسلام على من قال له ربُّه: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 30].
أمَّا بعدُ:
فأعظم المصائب: أن يكون لك إنسان (والد أو مربٍّ، أستاذ أو شيخ، أخ أو صديق)، تحبُّه ويحبُّك، تستشيرُه في كلِّ أمرك، تعلَم حبَّه وحِرصه عليك، وتستفيد من مشورته، وتستقوي به على المِحَن، وتتعلَّم مِن لحْظه قبل لفْظه، تتأدَّب وتتديَّن، وترى من وُفور عقله، وصائب حِكمته، ونافذ بصره، وحُسْن عَلاقته وصِلته بمَن حوله، واحترام كلِّ مَن يعرفه له، وتتشرَّف وتفتخر بمعرفتك له، وعَلاقتك به - ثم تَفقِده فجأةً، فتشعر أن شِقَّك قد سقط، وأنَّ قوَّتك قد ضعُفت، وأنَّ عزيمتك قد وهنت، وأنت مع ذلك تذكُره في كلِّ موقف يمرُّ بك، وتتذكَّر نصائحه وإرشاداته وتَعامُله مع مِثل هذه المواقف، وتتخيَّل لحظةَ أن تعود مِن غربتك وتذهب إلى حيث كنت تذهب إليه، فلا تجده؛ فلا تتخيَّل أنك لن تراه!
ذلكم هو فضيلة الشيخ فكري بن محمود (الجزار) - عليه سحائب الرَّحمات - بالنسبة لي ولكثير من تلامذته ومحبِّيه، لم يكن شيخًا فحسبُ، بل كان والدًا مربيًا، وأخًا صديقًا، وحبيبًا حنونًا...!
ذلكم هو المُحقِّق الكبير، والمدقِّق المُتقِن، العالم العامل، التقي الديِّن، الإمام الصابر، كلُّ مَن عرَفه واقترب منه وارتبط به، ردَّد قائلاً: (الشيخُ فكري عيني التي أرى بها)! وقد دبَّجتُ مسوَّدة مقالة سمَّيتُها: "شذى الأزهار، في ترجمة الشيخ فكري الجزار"، وعزمت أن أسجِّل مع الشيخ ترجمته، وأسأله عن تفاصيل حياته، وقد فعلتُ، ولكنَّه - وللأسف! - كان لقاءً واحدًا يتيمًا، ويا ليته تكرَّر! فقد شغلتْنا شواغلُ الحياة!
ولكن حسْبُنا من القلادة ما أحاط بالعنق، فلا عليَّ أنْ أشير إلى شيء يسير عن حياة الشيخ وما أعرِفه عنه، ولمُستَزيدٍ أن يستزيد من أخباره من معارفه وتلاميذه ومحبِّيه، أو أن يُضيف معارفُه وتلامذته ومحبُّوه عنه ممَّا يعرفون.
اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو الشيخ فكري بن محمود بن رجب بن سلامة (الجزار)، ووالداه من بلدتنا (قرية الأخميين - مركز القناطر الخيرية - محافظة القليوبية - مصر المحروسة)، وهو من مواليد القاهرة (حي الشرابية) عام 1951م، وبها نشأ مع والده المهندس محمود، وكانت لجدَّته (سماها لي الشيخ، ونِسيتُ اسمها الآن) أكبرُ الأثر في صلاحه، وتعويده على الصَّلاة والالتزام.
نشأته، وطلبه للعِلم، وحبُّه للقراءة، وسيرته العِلميَّة والعَملية: نشأ الشيخ نشأة مرفَّهة مدلَّلة؛ فقد كان والده مهندسًا، ويحيا حياة البشوات وأهل البَندر، وأحبَّ الشيخ القراءة منذ الصِّغر، فأقبل عليها بنَهمٍ شديد، وبدأ بقراءة صحيح البخاري، وكان صعبًا عليه، خصوصًا قراءة الإسناد، فبدأ يُمسِك بالقلم ويُسجِّل ملاحظاته، وتَمرَّس في القراءة في كلِّ الفنون، وما زال يقرأ ويَطَّلِع، ويُعلِّق ويُدقِّق، إلى أن توفَّاه الله تعالى، وقد جمع - رحمه الله تعالى - مكتبة عظيمة، حوت من فنون العلم، وكان يهتمُّ بها اهتمامًا بالغًا، ويُنظِّمها ويُرتِّبها، ويُتابِع ما جدَّ من الإصدارات، في شتى العلوم، وله اهتمامٌ خاصٌّ بكتب الطب والتداوي، وهو من قراء صحيفة الأهرام والجمهورية الدائمين، وله تعليقات على مقالات كثيرة، لو جُمِعت لصارت مجلدًا كبيرًا.
أمَّا عن مشايخه، فلم يُقدِّر الله تعالى للشيخ أن يتتلمذ على الشيوخ، أو أن يدرس عليهم مباشرةً، ولكنَّه كان لا يرى لطالب العلم أحسن من التتلمذ على أهل العلم، ويذمُّ الأخْذَ عن الصُّحف مباشرة لمن لم يتأهَّل لذلك، ويعترِف بأنَّ ما حدَث معه من عدم تتلمُذه على الشيوخ كان لا يَدَ له فيه، وقد حاول أن يَلتقي بمن يستطيع ويأخُذ عنهم، ولكن كانت تحول دون ذلك أمورٌ كثيرة.
وكان - رحمه الله تعالى - مع ذلك محبًّا للعلماء الربانيِّين، مُعظِّمًا لأقوالهم، متَّبعًا للحقِّ من كلامهم بحسب ما ظهر له، وكثيرًا ما يُثني عليهم؛ أمثال محدِّث الشام العلامة الألباني، وسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، والفقيه العلَّامة ابن عثيمين، كما كان محبًّا لآل شاكر (أحمد محمَّد شاكر، ومحمود محمد شاكر)، وأيضًا العلامة عبدالسلام هارون، والعلَّامة الطناحي، وشغوفًا بعلومهم، مترسمًا خُطاهم في التحقيق، مضيفًا أو مستدركًا ما لاح له؛ مثلما فعل في كتاب "التنبيهات على التصحيفات والتحريفات"، وقد تُوفِّي الطناحي - رحمه الله تعالى - قُبيلَ الأضْحى (1419هـ، 3/1999م)، وكان الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - يَعتزِم لقاءَه بعدَ الأضحى، ولكن قدَّر الله وما شاءَ فَعَل، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!
وكان للشيخ - رحمه الله تعالى - اهتمامٌ عجيب بتدبُّر القرآن الكريم، وله استنباطاتٌ عجيبة، بعضها يَذكُر الشيخُ أنَّه لم يُسبق إليه؛ يشهد بذلك كتابه المطبوع "نظرات واختيارات، في مناسبة خواتيم الآيات، مع فوائد بديعات"، ومسوَّدة كتابه "مِنَّة الرحمن، في تفسير القرآن".
وقد الْتحق الشيخ - رحمه الله تعالى - بأربع كليات، ولم يُقدِّر الله تعالى أن يتمَّ واحدة منهن! التحق بكلية العلاج الطبيعي، وكلية الترجمة الفورية بالأزهر، وكلية التجارة، وكلية العلوم..
وللشيخ - رحمه الله تعالى - رحلة كبيرة مع التَّحقيق، بل هو محقِّق مدقِّق لكل ما يقرأ، وكان يُقيِّد كل ذلك بالقلم؛ فهو لم يكن يقرأ إلا والقلم في يده...
فقد عمِل الشيخُ - رحمه الله تعالى - في دار الحرمين للطبع والنشر، وكان شريكًا فيها، ولكنَّه تركها لبعض الخِلافات التي نشِبتْ مع الشركاء، والتي لم تُعجب الشيخ..
وفي مسيرة التحقيق والتدقيق عمِل الشيخ في مجلة البلاغ مدقِّقًا ومُصحِّحًا، وتميَّز على أقرانه، وظهَر نبوغه، وأثارت دقة ملاحظاته إعجاب مُشرفيه، وكان من أعماله أنْ شارك في بعض الأعمال مع العلَّامة المدقِّق المحقِّق بكر بن عبدالله أبي زيد - رحمه الله تعالى - كان ذلك أثناء جمْع موسوعة أعمال ابن القيِّم للشيخ - رحمه الله تعالى - بدار الصحيفة التي كان يعمل الشيخ فكري مصحِّحًا فيها، وكان الشيخ بكر - رحمه الله تعالى - قد عَهِد بجمْعِها إلى أحد المصريِّين، وكانت قد وقعَتْ منه - المصري - أخطاءٌ فاحشةٌ وشنيعة، وكان تدخُّل الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - سببًا في إيقاف هذا العمل في حينه؛ صيانةً للعلم، وللإمام ابن القيِّم، ولمكانة الشيخ بكر - رحمه الله تعالى – وأخبرني الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - أنَّه ما زال يحتفظ بتلك الأوراق مصوَّرة بهذه الأخطاء التي وصل بعضها إلى عبارات كُفريَّة.
كما أنَّ الشيخ - رحمه الله تعالى - قد انتدبَه أحد الأثرياء السُّعوديِّين - وقد أثنى عليه الشيخ جدًّا - وأرسل له تأشيرة عملٍ، واتَّفقا على أن يقوما بإنشاء دار لتحقيق التراث، يكون الشيخ هو المسؤولَ العِلمي، والمُشرِف عليها، ويكون هذا السعوديُّ هو المموِّلَ، وبالفعل سافر الشيخ إلى السُّعودية، وحدثتْ ضائقة ماديَّة عند هذا السعودي، فعاد الشيخ إلى مصر، ثم انفرجت الأزمة وكاد المشروع أن يتمَّ، وأرسل الرجل للشيخ، ولكن قدَّر الله أن يُغيَّب الشيخ في سجون الظلم والطغيان في مصر، وانتهى بذلك ذلك المشروعُ الكبير..
وقبل أربع سنوات تولَّى الإشراف العِلمي على مكتب "الجديد النافع" العِلمي الكويتي، والذي كان مقرُّه في القاهرة، وقد أشرف على بعض إصداراته، إلى أنْ ترك العمل؛ نظرًا لظروفه.
وكان من خبر الشيخ العجيب الذي يُذكِّرنا بشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: أنه كان يقرأ ويُحقِّق، بل ألَّف كثيرًا من الكتُب، وحرَّر كثيرًا من التعليقات والتنبيهات في غيابات السُّجون، من ذلك (تصحيفات كتاب معاني القرآن للفراء، ومنة الرحمن في تفسير آيات القرآن)، وغير ذلك، وفي كشاكيله وكتاباته تأريخٌ لمراحل سَجْنه وتنقُّلاته في المعتقلات!
وقد قرأتُ عليه في سجن دمنهور من كتاب "المقتضب" في النحو لأبي العباس المبرِّد، فرأيتُ منه فَهْمًا عجيبًا، وذكاءً متوقدًا، وإتقانًا متينًا للنحو واللغة! وحكَى لي - رحمه الله - أنَّه حرَّر مسألة لُغويَّة ذات مرَّة، فأثنى عليه البعض قائلاً له: هذا لا يُحسِنه إلا دكتور في دار العلوم!
وقد كان للشيخ في سجن دمنهور درسٌ عجيب جدًّا؛ لم أرَه لغيره، ولم أسمع أنَّ أحدًا قام به! هذا الدرس هو قراءة في كتاب - أي كتاب - لا لجَرْد الكِتاب ولا لشَرْحه! بل لمعرفة كيف تُقرأ الكتُب؛ كلُّ الكتب، وكيف يُفهم كلام أهل العلم، متى يقف القارئ؟ ومتى يَصِل الكلام؟ وكيف يُوجَّه كلام المؤلِّف؟ وغير ذلك! وقد كان هذا الكتاب هو كتاب "التُّحفة السَّنية، شرح المقدِّمة الآجُروميَّة".
وكان للشيخ - رحمه الله تعالى - آراؤه واجتهاده التي يُخالِف فيها غيره، ولكنه يُخالِف بأدب، ويُنكِر بعلم، وهو ثابت على ما يَعتقِده حقًّا وصوابًا؛ من ذلك قول الشيخ بحُرمة لعب (كرة القدم)، وأيضًا اعتقاده حُرمة التصوير الفوتوغرافي إلَّا لحاجة ضروريَّة.
دَعوته وصبره على البلاء:
بدأ الشيخ - رحمه الله تعالى - دعوته في أوائل السبعينيَّات، وكان من جيل الروَّاد، وكان المشايخ - أمثال الشيخ نشأت أحمد، والدكتور محمَّد عبدالمقصود العفيفي - يُقدِّمونه لإلقاء الدَّرس إذا رأوه! وخطَب ودرَّس، ولكنَّه توقَّف عن الخطابة والتدريس ممَّا يَقرُب عن 25 سنة؛ لظروف كثيرة، أظهرُها الضَّغطُ الأمني، ولم يحظَ الشيخ بالشُّهرة لهذا، وما كان يحبها أصلاً، وقد عاوَد الشيخ التدريس قُبيل وفاته بحوالي عام، فكان له درس يوم الأربعاء في الشرابية، ولكن ظروف مرضه، وكِبَر سِنه حالت دون استمراره.
على أنَّه - رحمه الله تعالى - كان لا يفوِّت فرصةً يأمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله تعالى بقلب ثابتٍ، وجأش قويٍّ، ورِفْق ومراعاة لأحوال المدعوِّين، وتقدير للظروف؛ ففي جنازة ابن عمِّه الحاج عبدالعاطي سلامة - وهو من أطيب أهل البلدة - أَعطى الشيخ فكري موعظةً بليغة، وحينما دُعي عند ابن ابنِ عمِّه أيمن حمودة سلامة على الغداء أيضًا، أتْحَفَنا بنُبذ من عِلمه، وما فتئ يأمر وينهى، ويُعلِّم ويُفيد، وهكذا هو في كلِّ موقف، وأكثر ما تَميَّز به الشيخ - رحمه الله تعالى - الدَّعوة العَمليَّة؛ فقد كان يدعو بعمله أكثرَ ممَّا يدعو بقوله، وكان في كل أمرٍ ينظُر إلى أمر الدين أولاً، وإن أَنْسَ لا أَنْسَ أوَّل درس سمعتُه منه مع أصحابي العَشَرة، وهو عن لزوم شرعيَّة كلِّ أمر نقوم به؛ فكان يقول لي ما معناه: هدفي هو أن أُفهِم الناس معنى الإسلام، وأن يَرجِعوا في كلِّ شؤونهم إلى الشريعة الغراء!
أمَّا صبره على البلاء، فقد ابتُلي الشيخ في الله تعالى بلاءً شديدًا؛ فقد اعتُقِل على مدار 25 سنة في سجون الظُّلم والطُّغيان في مصر، من غير تُهمةٍ ومن غير جَريرة، إلَّا عَلاقة الشيخ الطيِّبة بالناس والدُّعاة، وشِدَّته وصَراحته في الحقِّ، والشيخ - رحمه الله تعالى - لم يكن ينتمي لأيِّ تيار، أو لأيِّ حزب، أو لأيِّ جماعة، ولكن عَلاقته بالناس كانت حَسنة، إلَّا مَن أَنكر عليهم فلمَ يرجعوا عن خطئهم، فكان الشيخ يَهجُرهم في الله تعالى، وكان شديدًا في هذا الأمر - فاتَّهمتْه سلطات أمن الدولة في مصر بأنَّه من المُنظِّرين لتنظيم الجهاد، واعتُقِل في حادثة مقتل السادات حوالي سنتين، ثم خرج، واعتُقل بعدها حوالي ستة أشهر، وفي المرة الأخيرة اعتُقل حوالي 8 سنوات، وهي التي قابلْناه فيها وعرفْناه بعد أن لم نكن نعرفه أو نسمع عنه، أو يُحدِّثنا أحد مِن ذوينا بأمره، وهذا من الجحود الذي نحياه، أو عدم معرفتنا بعظمائنا! تنقَّل خلال هذه المُدد بين سجون مصر كلها فيما أحسب؛ من ليمان طرة، إلى وادي النطرون 1، 2، إلى ليمان أبو زعبل، ثم إلى سجن دمنهور، ثم أخيرًا إلى الوادي الجديد؛ كعقوبة على صَلابته في تعامُله مع ضبَّاط أمن الدولة، وهكذا كان - رحمه الله تعالى - لا يَلين معهم أبدًا، ولم يُقدِّم لهم أيَّة تنازلات أو ترخُّصات، وكان دائمًا ما يدعو عليهم قائلاً: اللهم انتقم منهم! خصوصًا إذا تذكَّر تعذيبهم وتشريدهم لإخوانه.
وأيضًا ابتُلي الشيخ - رحمه الله تعالى - في جسده؛ فقد كان يعاني من مرض السكري، وله معه أحوال غريبة حارَ معه الأطباء فيها، وقد توفي - رحمه الله تعالى - جراء غيبوبة السكر التي كانت تَنتابه كثيرًا.
مُصنَّفاته: له من الكتُب المطبوعة: "مختصر النبراس في المخالِف للشريعة من كلام الناس"، و"التنبيهات في التصحيفات والتحريفات"، وهو كتاب عجب؛ فيه أشياء لم يُسبَق إليها فيما أعلم، وكتاب عن "تناسب خواتيم الآيات وفوائد بديعات"، وكتب كثيرة تحت الطَّبع لم يُتمَّها الشيخ - رحمه الله تعالى - لعلَّ الله تعالى يأذن بكشف النِّقاب عن مُخدَّراتها، ويُسفِر نورها في الآفاق.
وقد نشرت بعض كتبه وتحريراته على (شبكة الألوكة)، وهذا رابط صفحته عليها:
http://www.alukah.net/Authors/View/Literature_Language/3836/
وله من التعاليق الحِسان، والفوائد الفرائد، والتنبيهات على التصحيفات والتحريفات، على كلِّ كتاب قرأه؛ فقد حدَّثني أنه منذ الصغر ومنذ نشأ لا يقرأ إلَّا بالقلم (والقلم ذو الحِبر الأسود؛ لأنه أوضح)، كما أنَّ له محاضراتٍ علميَّة، وخطبًا مفيدة، مسجَّلة على شرائط كاسيت؛ لعلَّ الله تعالى يُقيِّد لها مَن يُفرِّغها كتابة، ويُحرِّرها ويَنشُرها.
أمَّا عن سِيرته العَمَلية، فقد كان الشيخ - رحمه الله تعالى - عِصاميًّا، يأكُل من عملِ يده، فعمل في الجزارة، وكانت جزارته عجبًا! حكى لي أنَّ له زبائن مخصوصين لا يأكلون اللَّحم إلَّا من يده؛ فكان يذبح العجل ويُقسِّمه ويغلِّفه، ويذهب بالتاكسي إلى بيوتهم، ويوزِّع عليهم طلباتهم بنفسه، وهكذا تُقسَّم الذبيحة، ولا ينتظر مَن يشتري منه، ولا يُعلِّق الذبيحة كما هو الحال مع سائر الجزارين! كما أنَّ للشيخ محلَّ عطارة كبيرًا في حي الشرابية، وهو مُشارِك لصديق له فيه، وللشيخ اهتمامٌ عجيب بالعطارة والتوابل والأعشاب، والعسل الأبيض والزيوت الطبيعيَّة، ويَصِف منها العلاج للمَرضى.
أخلاقه وبِره وكرمه: أمَّا عن أخلاق الشَّيخ - رحمه الله تعالى - فقد رأيت ورأى مَن عاشَرَه من حُسن خُلُقه عجبًا، وأَعجَبُ ذلك وأكثر شيء تعلَّمناه منه: صِلة الرَّحم، وحُسْن سؤاله وتَفقُّده لأهله ومعارفه وتلامذته؛ فقد علَّمنا وعرَّفنا معنى كلمة (الأهل) منه حينما كان يُعاتِبنا ويقول: (يا واد نحن أهل!)، كان لهذه الكلمة وقعٌ عظيم جدًّا على قلبي، مع أنه كان يُقابَل بالجفاء! وكان في آخر أيَّامه يسأل عني وعن والديَّ وزَوجي وأولادي كأحنِّ أبٍ، وكأصدق صديق، وإلى قُبيل وفاته بأيَّام، وإن تأخَّرت عليه في الاتِّصال، اتَّصل بي هو وعاتبني أني لا أُطمئِنه على أحوالي وأهلي وأولادي!
وكان الشيخ - رحمه الله تعالى - ذا ذوق عالٍ، وأدَب رفيع؛ يَعرِف هذا مَن عاشَرَه، ودخل بيته، وخَبَر حياته..
وأمَّا عن كَرمه، فما رأيت إنسانًا في كَرمه، وكان بيته مليئًا بالخيرات، ويحتفي بزائريه احتفالًا عجيبًا، ويقوم على خِدمتهم بنفسه، حتى في السِّجن! فقدْ كنَّا عشرة إخوة، الْتقينا به في مدرسة يوسف - عليه السلام - (أعني سِجن الدُّعاة - مُعتقل دمنهور)، فدعانا وأطعمَنا، وكان يقوم على خِدمتنا جميعًا، وإذا أراد أحدُنا أن يساعده في شيء، انتهره بشدَّته ووقاره اللَّذين يمتلِئان بالحبِّ والبذل والعَطاء، وقد كان الشيخ عجيبًا في صناعة أشهى المأكولات، ويضَع عليها من التوابل والأعشاب ما يَزيد في حُسْن طعمها، مع نظافة وتنظيم عجيبينِ، كنَّا نلاحظه ونتعلَّم منه، ونقول له ممازحين: نريد أن نأتي بزوجاتنا يتعلَّمْنَ منكم يا شيخنا، فيَضحَك - رحمة الله عليه! - وما زالت زوجتي - حفظها الله تعالى - تذكُر طبق المكرونة باللحم المفروم الذي أتيتُ به من عنده، وتتمنَّى أن تصنع مثله!
بل كنَّا نحبُّ الذَّهاب إليه؛ لما يُتحِفنا به من أنواع المأكولات والفاكهة التي يختارها ويشتريها بعناية فائقة!
وفاته:
تُوفِّي الشيخ فكري - رحمه الله تعالى - يوم الخميس 23 جمادَى الأولى 1434هـ، الموافق 4 أبريل لعام 2013م، في غيبوبة مرض السكر التي كانت تُعاوِده بين الفينة والأخرى، وقد كثُرت عليه في أيَّامه الأخيرة.
هذا، ولم يكن الشيخ من المشهورين؛ لمَا ذكرتُ، ونحسب أن الله تعالى قد كتب له الأجر الحَسَن، والذِّكر الجميل؛ فقد قام محبُّوه وتلامذتُه وأقرباؤه البارُّون بإنشاء صفحة باسمه على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) بعنوان: "محبي الشيخ فكري محمود (الجزار)"؛ رجاء نشر عِلمه، والانتفاع به، ويكون من صحيفة حسناته المفتوحة، وهذا رابطها:
https://www.facebook.com/groups/489551617781928/
والله يستعمِلنا لخدمة تُراث الشيخ (المكتوب منه والمسموع)، ونشْر عِلمه في الآفاق...
ولكلِّ قارئ من أصدقاء الشيخ، وتلامذته ومعارفه ومحبِّيه أن يُضيف على هذه المقالة ويَزيد ما يعرِفه من أخباره، فلقد كتبتُها في ظروف قاسية من الغربة والانشغال، وألَم فقْد الشيخ - رحمه الله تعالى.
أقول: فحين يعيش المرء هذه اللحظات القاسية، ويُعاين ألَمَ فقْد أمثال هؤلاء العلماء الربانيِّين، والدُّعاة المخلصين، يشعُر بعِظم وقْع خبر موت خيرِ الخَلق - صلَّى الله عليه وسلَّم - على صحابته الكرام، ويعلم حقَّ اليقين وعين اليقين قولَ أمِّ المؤمنين عائشةَ - رضي الله عنها -: "لمَّا توفِّي رسول الله، ارتدَّت العرب، واشرأبتِ اليهوديَّة والنصرانيَّة، وعمَّ النِّفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية؛ لفقْد نبيِّهم"[1].
فيسترجع الإنسان، ويتحلَّى بالصَّبر، ولا يقول إلا ما يُرضي الربَّ، ويتواصى بالدَّعاء للشَّيخ، ويَستيقن أنَّ هذا الدِّين حيٌّ وباقٍ، وأنَّ أتباعه ليسوا باقين، وأنَّه واحدٌ منهم، قريبًا ما يأتي عليه الدَّور في الرحيل عن هذه الدنيا؛ فيسأل المليك العلَّام أن يتوفَّاه على ما تَوفَّى عليه الصالحين من عِباده، وأن يُلحِقه بنبيِّه الكريم، وأصحابه وأتباعه الميامين.
[1] [تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (2/ 201)].
لقراءة المقال كاملاً من مصدره