إذا أردْتَ أن تنفرج منك الأسارير، وترتاح منك النَّفْس، ويَسْمو بك الفِكْر، ويُغذَّى فيك العقل، فاحضر درسًا "للأستاذ سليمة".

 

وإذا أردت أن تتذوَّق الأدب في أجْمل معانيه، وتستمع إلى الشِّعر في أطرف مبانيه، وتتعلَّم العربية من أيسر أبوابِها، فالْزَم "الأستاذ سليمة".

 

وإذا أردت أن تَطْرب وتعْجَب، وتلهو وتَلْعب، وأنت تَعُبُّ العلم عبًّا، وتَزُقَّ الفَهْم واللُّغة والبلاغة والعروض زقًّا، فعليك بـ"الأستاذ سليمة".

 

وقد كنتُ أحسب بادِيَ الرَّأي أننا - معشرَ الطَّلبة - وحْدَنا الْمفتونون "بالأستاذ سليمة"، والْمُعجبون بدَرْسه وأُنْسه، وحديثه وكلامه، فلما شبَبْتُ عن الطَّوق، وصِرْت مدرِّسًا، وخالطْتُ من خالطت من المدرِّسين والأساتيذ، أدركْتُ أنَّ كُلَّ مَن صحب "الأستاذ سليمة" مفتونٌ به، معجب بِمَواهبه، مفيدٌ من أدبه ومَجالسه، وأنَّ زملاءه من المدرِّسين يتهادُونَه ويترقَّبون مَجْلسه، ويتَساهَمون على القرب منه، والإفادة من أدبه وشعْرِه وقصَصِه، وحاله ومَقاله، بل لعلَّ بعْضَهم أكثَرُ حرصًا على ذلك من الطَّلبة.

 

أجَل، أدركْتُ أن الرَّجُل مَجْمَع مواهب، فما شئْتَ من شعر ونَثْر، وفنٍّ وقصص، وحكاية خبَر، وحَبْك طُرَف، وصوتٍ حسَن، وأنس وطرَب.

 

إذا كتب أعجب، وإذا شدا أطرب، وإذا عَلَّم داخَلَ الفِكْر والعقل واستَلَب، وإذا جالس وآنَس استَحْوذ على أهل المَجلس، بل كان ربَّ المجلس.

إِنَّ الْكَلاَمَ يَزِينُ رَبَّ الْمَجْلِسِ

 

وقد حَظِينا به أستاذًا للعربيَّة في آخر المرحلة الثَّانوية؛ أيْ: ما يُدعى بالبكالوريا، فما ترَك لونًا من ألوان الإفادة إلاَّ أتْحفَنا به، لَخَّص لنا قواعد النَّحو في وُرَيقات، بعد أن كان ينثرها فوائد من خلال موضوعات الأدَب، وقصائد الشِّعر التي يَشْرحها لنا أو يستشهد بِها، وقدَّم لنا درْسَ البلاغة كما تُقدَّم الوجبات مَشْفوعةً بأمثلةٍ من واقع حياتنا اليوميَّة، ومُناداةِ البائعين على سِلَعِهم، وتَهكُّم المتهكِّمين، وتَمْثيل الممثِّلين، أمَّا العَروض فهو دَرْس الغناء والطَّرَب؛ إذْ ربَطَ لنا فيه كلَّ بَحرٍ عروضيٍّ بِما يُناسبه وينطبق عليه من أغانٍ وأناشيد كان يُنْشِدها بصوتٍ رخيم نَدِيٍّ، يَسْحَرُ مستَمِعيه، ويسلب ألبابَ حاضريه.

 

وأمَّا الأدب فأمْرٌ عجَب، يستولي فيه على أذواق الطَّلبة، ويستحوذ على عقولِهم، ويسمو بِهم إلى عوالِمَ لا عهد لَهم بِها، تُعِينه على ذلك حافظةٌ نادرةٌ، وبَدِيهة مُواتية، وحضورٌ آسِر، وفِقْهٌ حاضر، "وخيْر الفقه ما حُوضر به"، وحُسْن تَأتٍّ واستشهاد، وروعة تَمثيلٍ واستطراد، وإلى ذلك كلِّه أسلوبٌ يَجمع بين الجزالة والسُّهولة.

 

أَذْكر أنَّه كان يكلِّفنا بكتابة موضوعات في الأدب، ثُمَّ إذا فرَغْنا منها وصحَّحَها، أملى علينا موضوعاتٍ نَمُوذجيَّة من تأليفه كان الطَّلبة يتَسابقون إلى حِفْظها؛ لِما فيها من حُسْن السَّبْك، والإحاطة بالمطلوب، مع الإيجاز والاختصار، بل إنَّ طلبة المدارس والشُّعَب الأخرى كانوا يصوِّرون هذه الموضوعات، ويتناقلونها فيما بينهم، وقد احتفظْتُ بِها أمَدًا من الزَّمان أستعين بِها على التدريس وأعيرها لِمَن يرجو الإفادة منها، إلى أنْ عدا عليها من لا يستَحِقُّها، ففارقَتْني وفارقْتُها أسيفًا حسيرًا.

 

لقد أوتِيَ الرجل بكلمةٍ واحدة مَقْدرة عجيبة على تقريب البعيد، وتسهيل الحَزْن، وتذليل الصَّعب، وانقادَتْ له الْمَدارك تُتابعه وتَنْهلُ من علمه وفضله.

 

ولَم يَمْنعه كلُّ ذلك من تشجيع المواهب، ونَفْث روح الثِّقة في الطَّلبة، وتقدير المتفوِّقين منهم، ومكافأة المتميِّزين، وكان لي من ذلك أوْفَى نصيبٍ؛ فما أنْ عرفَ حُبِّي للعربية ووجْدِي بِها، وجِدِّي في دروسها وفنونِها، حتَّى أغدق عليَّ عطاياه قولاً وفعلاً، شكلاً ومضمونًا؛ أعْنِي مُكافأةً ودرجاتٍ، فقد أتْحفني بدراسة عن شاعر الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - حسَّانِ بن ثابت - رضي الله عنه - ما زلْتُ أحتفظ بِها، بعد أن منَحنِي من أعلى الدَّرجات ما جعل بعض الطَّلبة يتساءلون - وهم يتمَيَّزون غيظًا -: أيْعُقل أن أُعْطَى مثل هذا في الامتحان النهائيِّ؛ أيْ: في امتحان الثانوية العامَّة (البكالوريا)؟

 

فما كان أعظمَ جوابِه إذْ قال: "نعَم"، قولةَ الواثق من اجتهاد طالبه، الرَّافعِ لِمَعنوياته، الراسمِ له مستقبلاً حافلاً في دنيا العربيَّة، وقد كان بِحَمد الله وفضله ومَنِّه.

 

وحرصْتُ على صحبته حرْصَ الْمُريدين، وسعَيْت إلى مودَّتِه سعْيَ المُحبِّين، وحظيت منه بالنَّوال والعطاء، فكان يُغْدق عليَّ من فوائده وتلخيصاته وأملياته وموضوعاته، الَّتي كان يتفنَّن في كتابتها، حتَّى غدَتْ مهْوَى أفئدة الطَّلبة على اختلاف مُستوياتِهم وتَخصُّصاتِهم.

 

ثم إنه أسدى إلَيَّ يدًا لست أنساها، حين رشَّحني - ولَمَّا أتَخرَّجْ من الجامعة - للتَّدريس عند أحْذَق مديرٍ ومدرِّس عرفَتْه مدارسُ دمشق، وهو الأستاذ "هشام الناشف" - رَحِمه الله، وأسبغ عليه مغفرتَه ورضوانه - فمضَيْتُ واثِقَ الخطوة فصيحَ اللِّسان قويَّ الْجَنان، وفتح لي بذلك بابًا من الخير، ترادفَتْ نِعَمُه ظاهرةً وباطنة؛ إذْ درسْتُ في الثانوية المحسنية - أعرَقِ مدارس دمشق - ورشَّحني للتدريس أيضًا في ثانوية ابن خَلْدون، فاعتذرْتُ مردِّدًا:

تَكَاثَرَتِ الظِّبَاءُ عَلَى خِرَاشٍ
فَمَا يَدْرِي خِرَاشٌ مَا يَصِيدُ

 

ولَم تنقطع صِلَتِي بأستاذي أبِي أنَس، وهذه كُنْيته، فما زلت أتردَّد عليه كلَّما أُبْتُ إلى دمشق، أستَمِع منه حلْوَ الحديث ونديَّ الشِّعر وطليَّ الخبَر والقصَّة، وأستمتع بِما ينظمه في مُناسباتٍ كثيرة تدعو إليها صِلاتُه الاجتماعيَّة، ومَحبَّة الناس له.

 

وما زلْتُ أذكر بكلِّ الوُدِّ تلك القصيدةَ التي نظَمَها في وداع زميلٍ له - كان صديقًا لوالدي رَحِمهما الله - هو الأستاذ "عبدالفتاح غندور" يقول في مطلَعِها:

وَيْحَ الْمُعَلِّمِ مَا تَرَاهُ يُلاَقِي
سُدَّتْ عَلَيْهِ مَنَافِذُ الأَرْزَاقِ
وَدَّعْتُ فِي دَارِ السَّلاَمِ صَوَانِيًا
... بَيْنَ فَلاَفِلٍ وَتَسَاقِي

 

وهو يَذكر فيها معاناة المعلِّم، وما يقع عليه من حَيْف وجَوْر، برغم ما يقدِّمه من عطاء وعِلْم، وتصل به المرارة حدَّها حين يقول فيها صارِخًا:

قَالُوا النِّقَابَةُ صَوْتُكُمْ قُلْتُ العَمَى
هِيَ أَصْلُ دَائِي وَهْيَ أُسُّ بَلاَقِي

 

يُريد: "بلائي"، ولكن القافِيَةَ اضْطَرتْه إلى مُراعاة لغة العصر!

 

ثم يَختم بالقول:

إِنْ لَمْ يَنَالُوا بِالْهَوَادَةِ حَقَّهُمْ
نَالُوهُ يَوْمًا وَالدِّمَاءُ سَوَاقِي

 

و"الأستاذ سليمة" من أبناء هذه الأُمَّة الْخيِّرة، التي شبَّهَها قائِدُها وأُسْوتُها ورسولُها - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالغيث، لا يُدْرَى أوَّله خيْر، أم آخره؛ إذْ لَم يُثْنِه التَّقاعدُ عن حَمْل راية العربية، ولَم يقعد به كِبَر السنِّ عن الجهاد في سبيلها، ومُتابعة الطَّريق في نُصْرتها ونَشْر أدَبِها وروائعها، فقد أصدر نَحوًا من ثلاثين مَجموعة قصصيَّة وشِعْرية في مَجال أدب الطِّفل، وحاز الكثير من الجوائز والتقديرات في بلده وخارجَ بلده، كجائزة وزارة الصِّحة السُّورية عام 2002 - 2003، وجائزة مكتب التَّربية لِدُول الخليج عام 2002، وجائزة ثقافة الطِّفل العربي في الإمارات عام 2002 - 2007، وجائزة نقابة المعلِّمين السُّورية عام 2010.

 

ولا زال عطاؤُه لِهذه اللُّغة متألِّقًا متميِّزًا، يُحاضِر في مَحبَّتِها ونُصرتِها، ويُبْدِع في أدَبِها، ويُؤَلِّف لأطفالِها، ويتغنَّى بِها، ويغنّي لَها قائلاً:


شَعَّ مِنْهَا النُّورُ كَالْبَدْ
رِ وَمَا أَحْلَى تَمَامَهْ
لُغَتِي يَعْشَقُ قَلْبِي
وَالْهَوَى يُذْكِي ضِرَامَهْ
وَقَعَ القَلْبُ مُعَنًّى
أَنَا لاَ أُخْفِي هُيَامَهْ
وَأَنَا النَّشْوَانُ أُسْقَى
مِنْ سَجَايَاهَا مُدَامَهْ
وَأَنَا فِي حُبِّهَا كَالطْ
طِفْلِ لاَ يَبْغِي فِطَامَهْ.