الأستاذ الدكتور مكي الحسني وجه مشرق من وجوه دمشق العريقة، فهو يجمع إلى العلم النسب الشريف، وإلى التخصص الدقيق معرفةً واسعةً باللغة وأسرارها، وإلى ذلك كله خلقًا رفيعًا، ودينًا قويمًا، ومكانةً جليلةً تليق بأمثاله من كرام الرجال.

ولا غرو أن أصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق - وهو المتخصص بالفيزياء الذريَّة - بعد أن غدا مرجعًا لكل كاتب في دنيا الكتابة العلميَّة باللغة العربية، وهو أمر لا يحسنه إلا من منح علمًا نافعًا، وتدقيقًا ضالعًا، وتقصيًا واسعًا في لغة العرب، وهذا ما اجتمع لدى أُستاذنا الجليل د. مكي؛ إذ إنه منذ عرفته - عام 1987 في بيت شيخ نحاة العصر الأستاذ سعيد الأفغاني - مَعْنِي بالأخطاء الشائعة في النطق والكتابة، قرأ ما كتبه فيها أرباب اللغة والنحو، واطلع على ما أصدرته مجامع اللغة العربية من قرارات بشأنها، وتتبع ما نشر في الدوريات والمجلات من مقالات عُنيت بالتصحيح اللغوي، فاجتمع له من ذلك كله علم غزير، وتخصص نادر تَبدَّى في هذه المقالات القَيِّمَة التي يتحفنا بها منذ عام 2002 تحت عنوان: (نحو إتقان الكتابة العلمية باللغة العربية)، وما زال حتى كتابة هذه السطور، وقد بلغت حلقاتها نحوًا من عشرين حلقةً.

وقد انتفع بها - فيما أعلم - خَلْقٌ كثير من أهل العلم والبحث والكتابة العلميَّة، أعرف منهم نخبةً من زملائنا المعنيين بالكتابة العلمية والترجمة الراقية لأحدث العلوم العصريَّة في جامعة (دمشق)، ومركز الدراسات والبحوث العلمية، والمعهد العالي للعلوم التطبيقيَّة والتكنولوجيا، والجمعية العلمية السورية للمعلومات، فكانت هذه المقالات مثابةً لهم ومرجعًا يرجعون إليه في كل ما أَشْكَلَ عليهم؛ من تعبيرات واستعمالات ودلالات.

بل إن كثيرًا من أهل العربية المتخصصين في علومها وآدابها - وأرجو أن أكون واحدًا منهم - باتوا يحتكمون إلى هذه المقالات فيما يشكل عليهم من أمر بعض الاستعمالات، لا سِيِّما تلك التي حجَّر فيها بعض النقاد واسعًا، وضيِّقوا على الناس استعمال اللغة؛ لضيق اطلاعهم على ما جاء في تراث العربية، فجاءت مقالات أستاذنا الحسني مصدقة تلك المقولة الرائعة: "من يعلم كثيرًا يغفر كثيرًا"؛ إذ إنه أثبت في كثير من المواضع صحة استعمال تعبير ينكره بعض المتنطِّعين، وساق على ذلك من الحجج والشواهد والأمثلة ما يقطع على المخالفين سبل الإنكار والتعنُّت.

من ذلك مثلاً - والأمثلة كثيرة وافرة - تجويزه استعمال "رئيس ورئيسي"، والمتنطِّعون ينكرون "الرئيسي"، وإباحته النسبة إلى جمع التكسير، وما جمع بألف وتاء، والمتحفِّظون يقصرون النسبة على المفرد، وتسويغه استعمال "المثابة" بمعنى المنزلة والمكانة، وأولئك يمنعون، وتعديته الفعل (نبَّه) باللام و"إلى"، على حين يحلو لبعضهم أن يقصر هذه التعدية على حرف "على"، وتسويته في التعبير عن معنى المشاركة والمقاسمة بفعلي (أسهم وساهم)، والنقَّاد ينكرون.

كل ذلك جعل أستاذنا الحسني مرجعًا ثبتًا في باب التصويب اللغوي، وحجة يُهْتَدَى بها في إتقان الكتابة العلمية باللغة العربية.

وقد توَّج هذه المعرفة بمساهمته المشكورة مع الأخ الصديق الأستاذ (مروان البواب) في إخراج كتاب "معجم أخطاء الكُتَّاب"؛ للأستاذ (صلاح الدين الزعبلاوي)، وهو واحد من أئمة هذا الضرب من التصنيف فيما أدركناه من زمن.

هذا؛ وقد أتاح له تخصصه العلمي الدقيق، ومعرفته الواسعة باللغات، أن تكون له نظرات في إصلاح المعجم العربي وصناعة المعجم الحديث، الذي يواكب حركة التأليف في المعجمات المعاصرة، فوضع تصوُّرًا لبناء معجم عربي حديث لا ينقضي العجب من حسنه ونظامه ودقَّته، وإحاطته وعنايته بنفي ما لحق بمعجماتنا العربية من خلل وعيب، وزيادة كل ما من شأنه الإفادة في أبهى صورة وأجمل ترتيب، ولئن حالت حوائل دون إنجاز هذا المعجم البديع، إني لعلى يقين أن أستاذنا الجليل ما زال يجاهد بعزم ومضاء في سبيل هذه الغاية النبيلة.

ولا يفوتني هنا أن أذكر شهادة طالما سمعتها من صفيِّه وخليله، الصديق الكبير الأستاذ (يوسف الصيداوي) - رحمه الله تعالى - يشهد فيها أنه لم ير نظيرًا للدكتور (مكي) في متابعته للعمل، وسرعة كتابته لأي خاطر يخطر له، ودقته في تحبير ما يكتب.

وما زال أستاذنا الحسني يتحفنا - كلما أُبْنَا من غيبتنا عن أحبتنا - بحلقاته الجديدة في الكتابة العلمية، ونظراته الثاقبة في صناعة المعجم، وآرائه السديدة في خدمة اللغة ورفع راية العربية، ويضفي علينا من جوده وكريم شمائله ما يعجز اللسان عن وصفه وشكره، فجزاه المولى عنا خير الجزاء، وسدد الله خطاه وبلَّغه سؤله.
فَيَا تِرْبَ الْعُلُومِ  وَمَنْ  إِذَا  مَا        دُعِي  لِلْعِلْمِ   بَادَرَ   بِارْتِيَاحِ
لَقَدْ قَلَّدْتَ جِيْدَ  الْعِلْمِ  عُقْدًا        يَرُوقُ نَضَارَةَ الْمُقْلِ الصِّحَاحِ
إِذَا  اْلعُلَمَاءُ   أَقْعَدَهَا   كِفَاحٌ        لِنَيْلِ الْعِلْمِ  قُمْتَ  بِلا  كِفَاحِ
فَحُزْتَ الْجُلَّ مِنْهُ بِلا  سِلاحٍ        فَكَيْفَ وَأَنْتَ شَاكٍ  بِالسِّلاحِ
ليس لي في الختام إلا أن أسأل الله العلي القدير أن يحفظ أستاذنا الجليل وينفع به، ويكثر من نفعه، وينسأ في أجله، ويبارك في عمله، ويجعله ذُخرًا له، وزُلْفى عنده؛ إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين.