من آثارهن (2)
زعامة بنت عتبة وحكمتها
لم تعُد تُبْصِر مساحاتٍ خضراءَ، ولا أفقًا مشرقًا، ولَم تَعُدْ تسير على أرْض ممهَّدة، محفوفة بالزُّهور وألوان الفراشات؛ إذ كانت تلك قمَّةَ السَّخافات بالنسبة لامرأةٍ غطَّت أُفُقها بِحُجب حِقْد أسود، وافترشت الضَّغينة؛ لكنَّها اتَّخذت كلَّ سبيل لحَبْك خطَّة مرْسومة مدْروسة، حدَّدتْ فيها ما أرادتْ من الزَّمان والمكان والإنْسان، فقد رَسَمتْ لنفْسِها دربًا سارتْ عليْه خطْوة خطْوة، ولم تكتفِ بالتَّنظير لغيرِها فتسْلك سبيل الفاشِلات.
بعد ما فقدتْ صاحبةُ القدح المعلَّى بِكْرَها وأباها، وعمَّها وأخاها، في موقعةٍ فرَش التَّاريخُ جناحيْه تواضعًا لها - معركة بدْر - عندما أَيْقنت بعظم مصابِها، طار صوابُها، وتفتَّت كبِدُها، بل واعتبرت نفسَها أعظمَ نساءِ العرَب مصابًا، وقالت شعرًا حزينًا دامعًا، رثَت فيه أحبَّتها.
لكنَّها لم تستَسْلِم لتيَّارات الحزن الجارف، فقد خنقت عبراتِها، وجعلتْها مدادًا لِخطط رسمت في خيالِها المحلِّق، ولربَّما كانت تقهْقِه حبورًا حينما تتخيَّل حبكتها، إذ غدت واقعًا يوافق شماتة اللحظة وزهوها.
وَلم تكتفِ سيِّدة مكَّة آنذاك بذلِك، بل طالبتْ مَن حولَها من النِّسْوة التكتُّم الخانِق على آلامِهنَّ؛ لكيْلا يشمت بهنَّ الأعداء، بذلك حاكت من حقْدها وحقْدهنَّ ما يشبه القنبلة الموْقوتة، فضربت ضربةً نفذتْ في خاصرة الزَّمن، إذ تعانق اسمها بِذِكْر جريمتِها في الجاهليَّة، ألا وهي: "لوْك كبِد سيد الشُّهداء - رضِي الله عنه".
ألا ليْتَ شِعْري: ألا يُمْكِن أن نتعلَّم من حكمة تلك المرْأة، فنحوِّل أنْهار دموعنا، وعواصف آهاتنا، وشلالات دمائنا، إلى خطط محبوكة مدروسة، تلقم عدوَّنا حجارة حقدِنا عليه بنجاحاتٍ مُتتابِعة نحقِّقُها في شتَّى الميادين؟!
بدل أن تبقى المسلِمة لقمة سائغةً يلوكها الأعداء متى شاؤوا، ويدوسونَها حين يُريدون، متَّبعين شتَّى الوسائل لتشْتيت طاقات المسلِمة وبعثرة جهودها!
إنَّ مرأى متَّخذات القرار من الكافِرات يستنفر كلَّ ذرَّة تحدٍّ وشموخ وعزَّة لدى المسلِمات، وقليل من التأمُّل لواقعنا الأليم يبيِّن لنا أنَّ مَن يسحق المرأة - بل ويحتقِر الإنسانيَّة جمعاء - هنَّ النِّساء أنفسهنَّ، عندما يتبوَّأْنَ سدَّة الحكم، ويصبِحْنَ هنَّ الآمِرات الناهيات، فقد تبْدو الأمَّة الإسلاميَّة بِخيْلِها ورجلها أمام أنظارِهنَّ لا تتجاوز قيمتها قيمة الصفر!
ومن العبَث عندها أن نسأل: وما قيمة المرأة المسلِمة لديهنَّ؟!
فمتى - يا تُرى - تتحوَّل آلامُنا الحارقة إلى قوَّة فاعلة، فتغدو المسلمة رقمًا في عالم الصِّراعات؟!
نقطة على حرف:
ورد أنَّ نابليون قال: "إنَّ أعْتى الحصون التي واجهتْني هو حصن المرأة الصالحة"، ولعلَّه وجدها في عكَّا التي اعترف بعجْزِه أمام حصنها.
المراجع:
- نماذج من نساء العقيدة: هند بنت عتبة، منير الغضبان، مكتبة المنار، ط2، 1982م، الزرقاء، الأردن.
- أعلام النساء في عالمي العرَب والإسلام، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، ط5، 1984م.