لاحَظَ الشيخ علي الطنطاوي أنَّ بعْضَ المثقَّفين يعيشون في بُطونِ الكتب القديمة بعيدًا عمَّا يَجري في عالم اليوم، ورأى البعضَ الآخرَ يقطع صلته بتراث أمَّتِه ويدور في فلك الثقافة المعاصرة فقط، فاستنْكَر على الفريقَيْن، ودعا إلى المَزْجِ بيْن هذا وذاك، وذلك في مقالتِه التي نشرها بعنوان "الحلقة المفقودة"، ويقول فيها: "... رجالُنا المثقَّفون وعلماؤنا بين رجلين: رجلٍ درَسَ الثَّقافةَ الإسلامية ولكنَّه لم يفهمْ شيئًا من روح العصر ولا سمع بالعلم الحديث، ورجلٍ فهم روحَ العصر ودرس العلم الحديث ولكنَّه لم يدرِ أنَّ في الدنيا شيئًا اسمه ثقافة إسلامية، فمن أيِّ هذين الرجلين ننظر النفع؟ لا من هذا ولا من ذاك، ولكنَّنا ننظرُ النَّفْعَ من الرجل الذي عَرَفَ الإسلامَ وعلومَه وفهم روحَ العصرِ وألَمَّ بالعلم الحديث، هذه الطبقة المنتظَرة من العلماء، هذه الحلقة المفقودة... وعلى هذه الطبقة واجباتٌ كثيرةٌ يجمعُها أصلٌ واحد، هو دراسة الإسلام على أساس العلم الحديث، واستخراج رأيه في مشاكل العصر وحُكْمِهِ في الأحداث التي لم يعرِفْها الفقهاء ولم تَحدُثْ في أيَّامِهم"[1].
ويُجابِه الطنطاوي دعاةَ القوميَّة والاشتراكيَّة حين جنَّدَ بنانَه وبيانَه للذَّود عن الإسلام واللغة العربية، سواء من أعدائه الصرحاء، أم من المقَنَّعين الذين يلبسون لباسَ المسلمين ويتسمَّون بأسمائهم، بينما ينادون لغير مبادئهم.
وقد ظهرت في تلك الفترة مجموعةٌ منَ الكتَّاب ينادون بالارتماء في أحضان الغرب والتبعية الكاملة له، واطّراح كلِّ ما هو تراثيٌّ وأصيلٌ في ثقافة أمَّتِنَا العربية والإسلامية، وكان الطنطاوي ممن وقف وقوفًا صلبًا في وجه هذه الدعوات والأفكار، منطلقًا من أصول الحضارة الإسلامية الممتدة عَبْرَ التاريخ وقواعِدِها الراسخة وبنيانِها المتين، ومعتبرًا السبَبَ الحقيقيَّ في تَخَلُّفِ العالم العربي حينئذ هو التخلِّي عن مبادئ هذه الحضارة، بل ومحاربتها في بعض الأحيان، مع التفاوت في درجات العداوة الظاهرة والباطنة من بلد لآخر.
فعَلِيٌّ يدعو لمعانقة العروبة والإسلام، ويرفض التفريقَ بينهما، يقول: "كان عندنا في الشام – ونحن صغار – مدرسون من فلسطين ومن تونس ومن المغرب، ومدرسون من الترك ومن الأكراد... كانوا مسلمين ويكفينا أنهم كانوا مسلمين، فنَشَأتْ - ونحن صغارٌ - فتنةُ القوميات... فتفرق شَمْلُ الجميع، وتعدَّدت الأمَّةُ الواحدة فصارت أمَمًا... وتعِبْنا في جدال هؤلاء القوميِّين، نتبع في ذلك الأمير شكيبا (أرسلان) وإخوانه... لنبين للناس أنَّنا لا نعادي العربية، وإنما ندافع عن الإسلام، وأنَّنا نعرف للعروبة قدْرَها، ولكن تحت راية الإسلام"[2].
ويزيد من وضوح رؤية الطنطاوي حول مبدأ القومية أنَّه امتدح دولةَ العثمانيين، حين كانت خلافَةً حاميَةً لديار المسلمين، وجامعَةً لقلوب المؤمنين، لكنَّه ذمَّها حين تحولت عن منهج الإيمان، وشرعةِ الإسلام، وفي ذلك يقول: "ما كان الترك العثمانيون الأوَّلون أمَّةَ سوء، ولقد ... أقاموا للإسلام دولةً كانَتْ ثالثةَ الدولتَيْنِ الكبيرتين: الأموية والعباسية، في صدر تاريخه... وكان منها أوَّلَ الأمرِ ملوكٌ صالحون كبار، ثم خالفَ آخرُها سيرةَ أوَّلِها... حتى كان عهد الاتّحاديين، فكانوا قومًا كفرة فجرة، لا يرضى بِحُكْمِهم مسلمٌ تركيٌّ، بَلْه المسلم العربي، الذي حرصوا على تَجريده من عربيته، كما حرصوا على إخراجه من إسلامه"[3].
وفي معنًى جامعٍ لبلورة رؤيته هذه يقول "علي": "ولدتُ في دمشق، وأصْلِي من مصر، وقلبي متوجِّهٌ دومًا إلى مكَّة كلَّما قمت بين يديْ ربي، وانتسابي إلى كل بلد مسلم، وحبي لكل قُطْرٍ عربي، ووطني حيث يُتْلَى القرآن، ويُصدحُ بالأذان، وتقوم صفوفُ المؤمنين بين يديِ الرحيم الرحمن، هذا هو الوطن عندي، لا الشام ولا مصر ولا العراق"[4].
لقد ترسَّخت في ثقافة "علي" منذ بدايات حياته أن انتماءه السياسي يجب أن ينأى عن الأحزاب النفعية، والمبادئ التي تُنادي بالقومية التي تفرق أبناء الأمة الواحدة، وتثير بينهم العصبيات والضغائن، وهو يؤمن وينادي بالرجوع إلى دين الإسلام الذي يرد الجميع إلى الدستور الإلهي المنزه عن الخلط والنقص.
موقفه من الحضارة الغربية:
ويُجابِه الطنطاوي دعاةَ القوميَّة والاشتراكيَّة حين جنَّدَ بنانَه وبيانَه للذَّود عن الإسلام واللغة العربية، سواء من أعدائه الصرحاء، أم من المقَنَّعين الذين يلبسون لباسَ المسلمين ويتسمَّون بأسمائهم، بينما ينادون لغير مبادئهم.
وقد ظهرت في تلك الفترة مجموعةٌ منَ الكتَّاب ينادون بالارتماء في أحضان الغرب والتبعية الكاملة له، واطّراح كلِّ ما هو تراثيٌّ وأصيلٌ في ثقافة أمَّتِنَا العربية والإسلامية، وكان الطنطاوي ممن وقف وقوفًا صلبًا في وجه هذه الدعوات والأفكار، منطلقًا من أصول الحضارة الإسلامية الممتدة عَبْرَ التاريخ وقواعِدِها الراسخة وبنيانِها المتين، ومعتبرًا السبَبَ الحقيقيَّ في تَخَلُّفِ العالم العربي حينئذ هو التخلِّي عن مبادئ هذه الحضارة، بل ومحاربتها في بعض الأحيان، مع التفاوت في درجات العداوة الظاهرة والباطنة من بلد لآخر.
فعَلِيٌّ يدعو لمعانقة العروبة والإسلام، ويرفض التفريقَ بينهما، يقول: "كان عندنا في الشام – ونحن صغار – مدرسون من فلسطين ومن تونس ومن المغرب، ومدرسون من الترك ومن الأكراد... كانوا مسلمين ويكفينا أنهم كانوا مسلمين، فنَشَأتْ - ونحن صغارٌ - فتنةُ القوميات... فتفرق شَمْلُ الجميع، وتعدَّدت الأمَّةُ الواحدة فصارت أمَمًا... وتعِبْنا في جدال هؤلاء القوميِّين، نتبع في ذلك الأمير شكيبا (أرسلان) وإخوانه... لنبين للناس أنَّنا لا نعادي العربية، وإنما ندافع عن الإسلام، وأنَّنا نعرف للعروبة قدْرَها، ولكن تحت راية الإسلام"[2].
ويزيد من وضوح رؤية الطنطاوي حول مبدأ القومية أنَّه امتدح دولةَ العثمانيين، حين كانت خلافَةً حاميَةً لديار المسلمين، وجامعَةً لقلوب المؤمنين، لكنَّه ذمَّها حين تحولت عن منهج الإيمان، وشرعةِ الإسلام، وفي ذلك يقول: "ما كان الترك العثمانيون الأوَّلون أمَّةَ سوء، ولقد ... أقاموا للإسلام دولةً كانَتْ ثالثةَ الدولتَيْنِ الكبيرتين: الأموية والعباسية، في صدر تاريخه... وكان منها أوَّلَ الأمرِ ملوكٌ صالحون كبار، ثم خالفَ آخرُها سيرةَ أوَّلِها... حتى كان عهد الاتّحاديين، فكانوا قومًا كفرة فجرة، لا يرضى بِحُكْمِهم مسلمٌ تركيٌّ، بَلْه المسلم العربي، الذي حرصوا على تَجريده من عربيته، كما حرصوا على إخراجه من إسلامه"[3].
وفي معنًى جامعٍ لبلورة رؤيته هذه يقول "علي": "ولدتُ في دمشق، وأصْلِي من مصر، وقلبي متوجِّهٌ دومًا إلى مكَّة كلَّما قمت بين يديْ ربي، وانتسابي إلى كل بلد مسلم، وحبي لكل قُطْرٍ عربي، ووطني حيث يُتْلَى القرآن، ويُصدحُ بالأذان، وتقوم صفوفُ المؤمنين بين يديِ الرحيم الرحمن، هذا هو الوطن عندي، لا الشام ولا مصر ولا العراق"[4].
لقد ترسَّخت في ثقافة "علي" منذ بدايات حياته أن انتماءه السياسي يجب أن ينأى عن الأحزاب النفعية، والمبادئ التي تُنادي بالقومية التي تفرق أبناء الأمة الواحدة، وتثير بينهم العصبيات والضغائن، وهو يؤمن وينادي بالرجوع إلى دين الإسلام الذي يرد الجميع إلى الدستور الإلهي المنزه عن الخلط والنقص.
موقفه من الحضارة الغربية:
يرى "علي" أن الأمَمَ تستوي في أصول الحضارات وأسسِ المدنيات، ولكنها تختلف في التفاصيل، وما يسوغ في بلد قد يُنكر ويُرد في آخر، وأنه ليس في الدنيا بلدان متحضران تستوي فيهما دقائقُ الأمور، وليس في الدنيا حضارةٌ أصليَّةٌ إلا ولها طابعٌ خاصٌّ بها، ثم يتساءل: فما هو طابعنا نَحن في حضارتنا الجديدة؟ ما الثوب الذي نلبسه؟
ويُجيبُ على سؤاله هذا طالبًا من قارئه أن يدخُلَ أيَّ دار من الدور، وأن يسير في أيِّ شارع من الشوارع - في مصر أو الشام أو العراق - ليجد (كرنفالاً) من الألوان والعادات والشرائع والمذاهب والأفكار، في مناهج التعليم، وفي السياسة والاجتماع، وفي المبادئ الحقوقية في التشريع، وفي المذاهب البيانية في الأدب، وفي الصحافة وفي السينما... ثم يقول: "وأنا لا أدعو لنبذِ الحضارةِ الغربية، بل أدعو إلى أخذِ ما ينفعُنا منها، وأن لا نأخذَها أخذَ العامي للراد (الراديو)، لا يفهم منه إلا أنه يأتيه بالأصواتِ فيفتحه على مصراعيه، ويزعج به الجيران، ويكرِّه إليهم الحياةَ بجواره، بل أخْذَ العالم الذي يعرف وجوهَ استعماله، ويدرك تركيبه، فيصلحه إذا فَسَدَ، ويكمله إذا وجده ناقصًا، ويصنع مثله أو يخترع أحسن منه... وأن ننظر إلى ما فعله أجدادُنا في أوَّلِ العهد العباسي مع الحضارة الفارسية مثلاً فنصنع مثله، إنَّهم أخذوا كل نافع في الطعام والشراب واللباس والمسكن وفنون القول وطرائق الفكر، ولكنهم لم يصيروا به فُرسًا، بل جعلوا به الفرس عربًا، أمَّا أن نأخذ النافع والضار، والجليل والحقير، بلا فهم ولا علم فهذا تقليد كتقليد القِرَدة"[5].
ويُجيبُ على سؤاله هذا طالبًا من قارئه أن يدخُلَ أيَّ دار من الدور، وأن يسير في أيِّ شارع من الشوارع - في مصر أو الشام أو العراق - ليجد (كرنفالاً) من الألوان والعادات والشرائع والمذاهب والأفكار، في مناهج التعليم، وفي السياسة والاجتماع، وفي المبادئ الحقوقية في التشريع، وفي المذاهب البيانية في الأدب، وفي الصحافة وفي السينما... ثم يقول: "وأنا لا أدعو لنبذِ الحضارةِ الغربية، بل أدعو إلى أخذِ ما ينفعُنا منها، وأن لا نأخذَها أخذَ العامي للراد (الراديو)، لا يفهم منه إلا أنه يأتيه بالأصواتِ فيفتحه على مصراعيه، ويزعج به الجيران، ويكرِّه إليهم الحياةَ بجواره، بل أخْذَ العالم الذي يعرف وجوهَ استعماله، ويدرك تركيبه، فيصلحه إذا فَسَدَ، ويكمله إذا وجده ناقصًا، ويصنع مثله أو يخترع أحسن منه... وأن ننظر إلى ما فعله أجدادُنا في أوَّلِ العهد العباسي مع الحضارة الفارسية مثلاً فنصنع مثله، إنَّهم أخذوا كل نافع في الطعام والشراب واللباس والمسكن وفنون القول وطرائق الفكر، ولكنهم لم يصيروا به فُرسًا، بل جعلوا به الفرس عربًا، أمَّا أن نأخذ النافع والضار، والجليل والحقير، بلا فهم ولا علم فهذا تقليد كتقليد القِرَدة"[5].
وكلمة "علي" هذه تحتوي مَثلين، أُخذ أحدُهما من الحياة المعاصرة الواقعية، واستُدعي الآخر من أغوار التاريخ المضيء، وكلٌّ منهما يصطف بجوار الآخر ليزيد هدف الكاتب وضوحًا ونقاء بلا لبس ولا كدر.
[1] - "فكر ومباحث"، ص 88-89.
[2] - "ذكريات"، علي الطنطاوي، 8/138.
[3] - "مقدمات الشيخ علي الطنطاوي"، مجد مكي، هامش ص33.
[4] - "ذكريات"، علي الطنطاوي، 5/173.
[5] - "في سبيل الإصلاح"، علي الطنطاوي ص42-43.