سماحة الشيخ العلامة
اسمه ونسبه:
وفي بعض المصادر بدل (سعد بن حسين): (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز)؛ اعتماداً على مصدر شفوي قريب في الأسرة، لكن ما ذكرتُه اعتمدت فيه على تصحيح الباحثين في الأسرة؛ اعتماداً على مخطوطة - عُثر عليها بأَخَرَة - بخط الشيخ محمد آل باز (الجد الثاني لسماحة الشيخ) ورفع نسبه كما أثبتُّه.
ويذكر أعيان الأسرة القدماء وباحثوها أنهم يرجعون للأشراف في الحجاز، وأن أجدادهم نزحوا من المدينة النبوية إلى الدِّرعية أيام الدولة السعودية الأولى، ثم صار للأسرة فرعان رئيسان في بلدتَي الحلوة والرياض، وسماحةُ الشيخ من فرع الرياض.
أسرته:
مولده ونشأته:
وحدثنا الشيخ الصالح المعمَّر محمد بن أحمد بن سعيد رحمه الله - وهو يكبر سماحة الشيخ قرابة عشر سنوات- أن الأولاد الصغار كانوا يبتعدون عنه في صغره ولا يخالطونه، فكانت أمُّه ترحمُه، وتغسِّله في طست، وتعتني به، وتُكثر الدعاء له جدًّا.
وهكذا كانت بداية سماحته في ظروف صعبة، وكان أخواه إبراهيم ومحمد يقومان بشؤون البيت ورعاية والدتهم الصالحة، التي دفعته وهو في حدود العاشرة لحفظ القرآن وطلب العلم الشرعي، فدخل كتّاب الشيخ عبد الله بن ناصر بن مفيريج رحمه الله (1267-1350هـ)، وأتم الحفظ مبكراً، وسيأتي الحديث عن طلبه للعلم.
فقده البصر:
حدثنا الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز، قال: حدثني الشيخ المعمَّر سعد بن عبد المحسن بن باز، قال: كان لوالدة الشيخ عبد العزيز جارة صالحة، ولما أُصيبت عيناه شَقَّ ذلك على والدته، فقالت هذه الجارة الصالحة: لا تحزني، ولكن ادعي الله له بعد كفِّ بصره أن يعوِّضه البصيرة، فدعت له، وأخذت تلحُّ في الدعاء له.
وأخبرني بتفصيل أكثر الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، قال: حدثنا الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن جابر رحمه الله، أن جارة بيت سماحة الشيخ بحي دُخنة -واسمها نورة بنت عبد العزيز آل مبدّل وهي زوج الأمير عبد العزيز بن تركي آل سعود- دخلت على أم الشيخ وهي تبكي على ابنها، وهو جالس إلى جوارها، فسألتها: لماذا تبكين؟ فأجابتها أن عبد العزيز فقد بصره، فمَن يقوم بشؤونه؟ فقالت لها: البكاء ما يرد شيئاً، ولكن استعيني بالله وتوضئي وصلي، واسألي الله كما أخذ بصره أن يعطيه علماً ينفعه وينفع المسلمين.
قلت: لعل دعاء هذه الوالدة الصالحة المشفقة استُجيب في هذا الغلام اليتيم الضعيف، فصار عالم الأمة ومجدد العصر، فلا يعجزن أحد عن الدعاء.
طلبه للعلم وأشياخه:
2- الشيخ حمد بن فارس (ت1345هـ)، وكيل بيت المال، قرأ عليه قبيل وفاته في الآجُرُّوميَّة في النحو، وكان سماحة الشيخ ما يزال مبصراً، وقال إنه كتب بعض التعليقات في حاشية نسخته.
3- الشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق (ت1349هـ)، قاضي الرياض للبادية، وإمام الجامع الكبير، قرأ عليه في جامعه أبواباً من كتاب التوحيد، ولم يكمل لمرض الشيخ وضعف صوته، وحدثنا الشيخ المعمَّر محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ أنه كان يذهبُ مع سماحة الشيخ وهو ما يزال مبصراً، ومع الشيخ ابن حميد للقراءة على الشيخ سعد في بيته وهو مريض.
4- الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهَّاب (ت1367هـ): قرأ عليه في بيته في العقيدة كتاب التوحيد وغيرَه من الكتب.
5- سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهَّاب (ت1389)، مفتي الديار السعودية، وكبير علمائها، لازمه الشيخ ابن باز ملازمة تامة من سنة 1347 - أو قبلها بسنة - إلى سنة 1357هـ، وهو شيخُ تخرُّجِه، فقرأ وسمع عليه من جميع العلوم الدينية، ومن الكتب التي حضرها عنده: التوحيد، وثلاثة الأصول، وكشف الشبهات، ومختصر السيرة، وأصول الإيمان والإسلام، والواسطية، وبلوغ المرام، وزاد المستقنع، والرحبية، والكتب الستة، والآجُرُّوميَّة، وقطر الندى، وألفية ابن مالك، وبعض المطولات، وجملة من مدارج السالكين، ومن معالم السنن للخطابي، وعمدة الحديث، وشرح نخبة الفكر، والورقات، والحموية، وملحة الإعراب، وغيرها.
6- الشيخ سعد وقاص البخاري، أحد علماء مكة المكرمة، ممن وقَّع البيان الشهير بين علماء مكة وعلماء نجد في الاتفاق على أصول العقائد، قرأ عليه سوراً كثيرة من القرآن، وتلقى عنه التجويد في دكانه بمكة، في شوال وذي القعدة سنة 1355هـ.
فهؤلاء هم أبرز شيوخه ممن تلقى عنهم العلم، وإلا فقد كان له استفادة من الشيخ سليمان بن سحمان (1349هـ) – على ما حدثنا شيخُنا ابن جبرين - وكذا من بعض أقرانه كمحمد الأمين الشنقيطي (1393هـ)، وعبد الرزاق العفيفي (1415هـ)، رحم الله الجميع.
وأما في الرواية فله شيخان:
وثانيهما: الشيخ المفتي محمد شفيع الديوبندي (1314-1396هـ)، استجازه سماحة الشيخ في المدينة النبوية بعد الحج، أوائل سنة 1384هـ، فأجازه إجازة عامة، وقد حققتُ (بالمشاركة) إجازة كلٍّ منهما لسماحة الشيخ ، ولعلهما يُطبعان قريباً.
عملُه في القضاء في الدِّلَم (1357-1371هـ):
كما قام سماحته بمصالح الناس العامَّة خير قيام، وشاركهم في أمورهم وهمومهم، فعايشهم، وأفادهم، حتى قال تلميذه وكاتبه في الدِّلَم الشيخ راشد بن خنين:
ليالٍٍ قد مَضَت والشيخُ فينا يَبثُّ العلمَ ينهَضُ بالحياةِ
فيَرعى الدِّينَ والدُّنيا جَميعاً ويَسعى جاهِداً في المكرُماتِ
ومن أعماله هناك: بناء المساجد، ولا سيما إعادة بناء الجامع الكبير القديم في الدلم، وإنشاء المدارس، فأُسِّست بتوجيهه وإشرافه وتشجيعه خمسُ مدارس في منطقته من أصل 35 مدرسة في سائر نجد ذلك الوقت، ومن أعماله شقُّ الطرق وتوسيعها، ومشاركته الناس في مكافحة آثار السيول غير مرَّة، ومكافحة الجراد سنة 1364هـ، ومساعدة المزارعين وجلب المكائن لهم، فضلاً عن الاحتساب في السوق والشوارع، والشفاعة للمحتاجين، والسعي للفقراء، وزيارة المرضى، وحضور الجنائز، وإكرام الضيوف، وحل مشاكل الناس، فلا عجب أن تعلق به الناس وأحبوه، ومن أدلَّة ذلك: لما افتُتح المعهد العلمي في الرياض سنة 1370هـ وطلب سماحةُ المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم من الملك عبد العزيز نقلَ الشيخ ابن باز للتدريس فيه لينتفع أكبر عدد من الطلاب، ما إن علم أهالي الدِّلَم بالخبر حتى أوفدوا أعيانهم للملك مطالبين ببقاء الشيخ عندهم، فقال لهم الملك: كلكم تحبونه؟ قالوا: نعم، نحبه في الله، فوعدهم خيراً، وأبقاه أزيد على سنة.
عوداً إلى أعمال سماحته: فمن أهم ذلك التدريس، حيث خصص غرفاًَ خاصة لطلبة العلم في الجامع، وتوافد إليه الطلبة من أنحاء نجد، بل من خارجها، كفلسطين واليمن والعراق ومصر والسودان، وسعى سماحته في مساعدتهم شهرياً من الحكومة ومن المحسنين، وكان يدرِّس من بعد الفجر إلى أواسط الضحى في المسجد ثم البيت، وكذلك بعد العصر إلى منتصفه، وبعد المغرب إلى العشاء، كل ذلك في المسجد، وبعد العشاء يحضِّر لدروس الغد مع بعض طلبته.
وكان سماحته حريصاًُ على تربية طلابه إلى جانب تعليمهم، ويأخذهم إلى البَرِّ للنزهة والمسابقة بينهم في الجري والرمي والسباحة.
ولسماحة الشيخ أخبار عجيبة في الدلم، لا تفي بها هذه العجالة، وأحيل من أراد التوسع على ثلاثة مصادر رئيسة، وهي: لقاء مع الشيخ عبد الرحمن بن جلّال، ولقاء مع أعيان الدلم، وهما شريطان من إصدار تسجيلات التقوى بالرياض، وكتاب: ابن باز في الدلم قاضياً ومعلِّماً، لعبد العزيز بن ناصر البرَّاك، وهو كتابٌ قُرئت طبعته الأولى على سماحته وأقرَّه.
عمله في التدريس والتعليم:
ومع بداية سنة 1372هـ تولى الشيخ ابن باز تدريسَ العقيدة في المعهد العلمي، ثم انتقل إلى كلية الشريعة لدى افتتاحها سنة 1373هـ، وبقي يدرِّس فيها علومَ التوحيد والحديث والفقه إلى نهاية سنة 1380هـ، كما درَّس في كلية اللغة العربية أول افتتاحها سنة 1384هـ.
ولما توفي قاضي الرياض وإمام الفروض في جامعها الكبير الشيخُ عبد الرحمن بن عودان رحمه الله في 12/3/1374هـ كلَّف سماحة المفتي ابن إبراهيم الشيخَ ابن باز بإمامة الجامع عقبه.
وإلى جانب التدريس في الكلية، كان الشيخ يدرس في الجامع الكبير، وفي المسجد القريب من بيته، وفي البيت، ويلقي المحاضرات الكثيرة، والكلمات المتنوعة في المناسبات المختلفة، إضافة إلى بعض الدروس الخاصة، كما ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أنه كان يخرج معه بعض الأحيان إلى نخيل يقال له: نخيل الريِّس، فقرأ عليه إحدى الرسائل، وذلك سنة 1373هـ.
وكان لسماحته صلات واجتماعات كثيرة مع العلماء، وكانت الرياض وقتها منارةَ علم متميزة، سواء من أهلها، أو الواردين إليها للتدريس وغيره، فأخبرني شيخي العلامة عبد الله العقيل: أنه كانت للمشايخ اجتماعات ومجالس دائمة، من أبرز مَن يحضرها: محمد الأمين الشنقيطي، وعبد الرزاق عفيفي، وحماد الأنصاري، وعبد العزيز أبو حبيب الشثري، وعبد الله بن صالح الخليفي، وصالح بن هليل، ويحصل فيها قراءة، وغالباً ما يتولى التعليقَ الشيخ ابن باز.
وحدثنا شيخنا عبد الله بن جبرين أن المشايخ رتبوا كل ليلة جمعة مجلساً عند الشيخ الشثري، وكان يفد إليه الشيخ ابن باز، ومحمد مختار الشنقيطي، وعبد الرزاق عفيفي، فكنت أقرأ عليهم حديثاً من صحيح البخاري، فتارة يشرحه الشيخ ابن باز، وتارة الشيخ العفيفي، وكان شرح سماحة الشيخ عجباً ولا سيما في الاهتمام بأسماء الرجال والرواة وضبطها.
وتعدى اتصال سماحته بالعلماء إلى المكاتبة والمراسلة، فالناظر في مراسلاته مع العلماء يجد تواصلاً وتباحثاً علمياً رفيعاً مع بعضهم تلك المدة، كالشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، وغيره.
وأخبرنا شيخنا عبد الله العقيل أن المفتي كلفه سنة 1379هـ مع الشيخين ابن باز وعبد اللطيف بن إبراهيم باستعراض مناهج التعليم في وزارة المعارف وأنظمتها وقراءتها قراءة دقيقة، ورفع تقرير بالملاحظات عليها مادة مادة، فتم ذلك بعد اجتماعات عديدة، ونفع الله بذلك نفعاً عظيماً.
2- في المدينة (1381-1395هـ):
باشر ابن باز أعمال الجامعة بهمَّة عظيمة، وكان من أهم أعماله استقدام كبار العلماء للجامعة، سواء من المدرسين في الرياض، أو من خارج المملكة، فكان من أشهر المدرسين في الجامعة في عهده المشايخ العلماء: محمد الأمين الشنقيطي، ومحمد ناصر الدين الألباني، ومحمد تقي الدين الهلالي، ومحمد الجوندلوي، وعبد الغفار الرحماني، ومحمد المختار الشنقيطي، وحماد الأنصاري، وعبد المحسن العباد، وعمر فلاته، وعبد الله الغنيمان، وعبد الفتاح القاضي، ومحمد أمين المصري، ومحمد سعيد المولوي، وعبدالعزيز رباح، وآخرون.
واستُقدم الطلبة من جميع أنحاء العالم، ونفع الله بهذه الجامعة في مشارق الأرض ومغاربها، حيث صار أولئك المتخرجون فيها منارات لنشر السنَّة والعلم، وبعضهم صار ممن يُشار إليه بالبنان، ومن أشهر الطلبة في تلك المرحلة: إحسان إلهي ظهير، وثناء الله بن عيسى خان الكلسوي، وعلي بن ناصر فقيهي، ومحمد لقمان السلفي، وربيع بن هادي المدخلي، وعبد الرحمن عبد الخالق، ووصي الله عباس، وغيرهم.
وقد أحسن الشيخ محمد المجذوب رحمه الله في وصف جهود نشاطات سماحة الشيخ ابن باز في الجامعة وخارجها، وذلك في ترجمته له في كتابه القيم "علماء ومفكرون عرفتهم"، فليراجعه من أراد التوسع.
من مناشِطه وأعماله:
وكان له أثر كبير في محاربة الشركيات وإزالة البدع في المدينة، وقد حدثنا الشيخ نعمان الزبير - أحد مرافقي سماحته هناك - عن مواقفَ قوية جريئة من سماحته في هذا، وكان يُعينه أمير المدينة عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود، والشيخ عبد العزيز بن صالح رحم الله الجميع.
وكان سماحته يسافر إلى الرياض بالطائرة ليلقي المحاضرات في المعهد العالي للقضاء عند افتتاحه سنة 1386هـ، حيث كان أستاذ الفقه فيه، وكان حال وجوده في الرياض يؤمُّ الناس في الجامع الكبير، ويُلقي المحاضرات والكلمات في الجامع، وفي دار العلم، وغيرهما.
وكان للشيخ نشاط في وسائل الإعلام المختلفة، وألَّف وطبع عدة رسائل، وكان بدء برنامجه الشهير (نور على الدرب) سنة 1392هـ، واستمر حتى وفاته.
ومن قصصه في المدينة ما حدثناه الشيخ نعمان قال: لما عرف الملك فيصل أن على سماحة الشيخ ديوناً من كثرة إنفاقه ومساعداته أرسل إليه مع وزير المالية مئةَ ألف ريال، فلما جاءه الوزير اعتذر سماحتُه عن رفضها بشدة، فأصرَّ الوزير، وأعلم سماحته بما سيصيبه من حَرَج أمام الملك إن ردَّها، ومع الإلحاح اشترط سماحته أن تكون دَيناً، فيُحسم من راتبه ألفا ريال شهريًّا، فراجع الوزير الملك بذلك، فوافق، وعندها أخذ المبلغ.
بقي الشيخ في المدينة كالأب الرحيم للطلبة والمحتاجين، حتى أصدر الملك خالد أمره بتعيينه رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في 14 من شوال 1395هـ، وكان قرار الفراق مفاجئاً لمحبِّيه وطلابه في المدينة، وقد صوَّره الشيخ محمد المجذوب بقلمه البليغ في كتابه تحت عنوان: مشهد لا يُنسى، فذكر فيه مدى التأثر الذي أصاب مَن في الجامعة، وبكاء الجميع عند وداع الشيخ لهم وهذا يدل على مدى الترابط الروحي الصادق، والأخوة المتينة، والعاطفة الإسلامية الجيَّاشة، رحم الله الجميع.
الاستقرار في الرياض، والمنزلة التي تبوَّأها (1395-1420هـ):
تولى سماحة الشيخ أعمالاً كثيرة، من أبرزها:
هذا على الصعيد الداخلي في البلاد، أما على مستوى العالم الإسلامي فقد كان سماحته:
هذه أبرز الأعمال الوظيفية، ومن أعماله الكثيرة: التعاون مع أهل العلم في كل مكان في سبيل نشر الدين الصافي، والتحذير من البدع والخرافات، والسعي في طباعة الكتب النافعة باللغة العربية وبغيرها، وإرسال الدعاة إلى شتى البلدان وكفالتهم، ودعم الجهاد الإسلامي في شتى صوره بكل مكان، والتدريس، ونشر العلم والردود في وسائل الإعلام، والتصدي لمشاكل الناس ومساعدتهم والشفاعة لهم، وإصلاح ذات البين، وإعمار المساجد، ودعم المراكز والمدارس والجمعيات الإسلامية في كل مكان، وغير ذلك، مما يأتي بعضه مفصَّلاً.
وكان ينهض بكل ذلك بهمَّة عظيمة، ونفعٍ واضحٍ ملموس، وإن بعض ذلك لا يقوى عليه الأشداء من الرجال، في حين يتولى ذلك كله وهو في سنٍّ متقدمة، وما ذاك إلا ببركة عظيمة وهبه الله إياها، والله ذو الفضل العظيم.
أما الدروس العلمية فقد كان سماحته متصدياً لها، حتى تخرَّج به جماعة من العلماء، واستفاد منه جمع كبير، إضافة إلى المحاضرات العامة، والندوات والمؤتمرات، والتعليق على الندوة الأسبوعية في الجامع الكبير ثم جامع الملك خالد، والإجابة عن الأسئلة.
وكان يعتني بهذه الدروس عناية شديدة في التحضير وغيره، وإذا سافر في الصيف إلى الطائف تتوقف دروسه في الرياض ويستأنف دروساً أخرى في الطائف، وكذلك الحال عندما يكون في الحج، ولا تتوقف دروس سماحته الرئيسة إلا في رمضان، وفيه تكون قراءة بعد صلاة العصر وبعد أذان العشاء في أحكام رمضان ومسائله.
وكانت دروسه تشتمل على العلم المحرَّر المقترن بالدليل الصحيح والترجيح دائماً، إضافة إلى المواقف التربوية، وما أكثر ما تتحدر دموع سماحته في أثناء الدروس، ولا سيما في دروس السيرة النبوية الشريفة.
وانتشرت فتاويه ورسائله في الدنيا، ولقيت قبولا عظيماً، وغني عن القول أن سماحته كان لا يتقاضى على كل ذلك أجراً، بل يحتسب في جميع ذلك، وإذا جاءه شيء ردَّه.
ولعل قائلاً يقول: أنَّى لرجل -كائناً من كان- أن يجمع كل هذه الأعباء والمسؤوليات، ويقوم بها جميعاً، مع شؤونه الخاصة؟ والجواب: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد كان الشيخ عظيم التوكل والالتجاء إلى الله، مع صدق نية، فبارك الله في أوقاته، ومن أراد التوسع ومعرفة جدول الشيخ اليومي التفصيلي وما فيه من عجائب فليرجع إلى كتاب "جوانب من سيرة الإمام" للموسى (ص61-64)، إضافة إلى ترتيب مجلسه (65-68)، وأعماله في المكتب (69-71).
أيامه الأخيرة، ووفاته:
غادر سماحته بلده الرياض في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة 1419هـ إلى مكة المكرمة للعمرة، ثم توجه في نهاية الشهر إلى الطائف، واستأنف دروسه المعهودة، وكان آخرها يوم الإثنين 17/1/1420هـ لمدة ثلاث ساعات، وكان يوم الثلاثاء التالي آخر أيام دوامه الرسمي.
وفي يوم الأربعاء - آخر أيامه - قُرئت عليه 25 معاملة، منها معاملات طلاق، ومنها اعتماد بناء عدة مساجد، ومنها معاملة من هولندا بشأن تزكية الشيخ عدنان العُرعور وإنجاح لقاء إسلامي كبير، ثم تغدى الضيوف عنده على عادته، وبعد المغرب تزاحم الناس للسلام عليه في مجلسه، وبدأ باستعراض المعاملات كالمعتاد، ثم وعظ الحاضرين ودعا لهم، وأطال الدعاء، وأوصى الناس بالكتاب والسنة والتمسك بهما، وكانت هذا آخرَ وصاياه العامة، وفي هذا المجلس جاءه سائل فأعطاه، ثم استمر المجلس مع إجابة المتصلين، وخرج من المجلس بعد أذان العشاء، ليجلس مع أسرته وأقاربه القادمين من الرياض، إلى نحو الثانية عشرة، ثم انصرفوا لينام.
وذكرت زوجه وابنه الشيخ أحمد أنه أخذ يسبِّح الله ويذكره، وصلى ما شاء الله له، ثم نام، واستيقظ نحو الثانية والنصف أو الثالثة ليتوضأ دون مساعدة، ثم صلى واضطجع، ثم جلس، وتلفت يميناً وشمالاً، ثم ضحك، فاضطجع مرة أخرى وله نَفَس متزايد مسموع، عند ذلك جاء أبناؤه، وطلبوا الإسعاف، وحُمل سماحته إلى المستشفى، وعند حمله فاضت روحه إلى بارئها.
توفي سماحة الشيخ قبيل فجر الخميس 27 من المحرم 1420هـ بعد أن خُتم عمله بما سبق ذكره من التسبيح والذِّكر، وقيام الليل، والنوم على طهارة، وصلة الرحم، والوصية بالكتاب والسنة وتقوى الله، وفتيا الناس، وحلّ مشاكل المسلمين، وبناء المساجد، والصدقة، والاستبشار، فسبحان من جمع له كل ذلك في الساعات الأخيرة من عمره، كما أنه حديث عهد بعُمرة، ثم كان ما كان من جنازته العظيمة.
نُقل جثمان الشيخ إلى منزله بمكة لغسله وتكفينه، ورئي وقد اكتسى وجهه بعلامات من الضياء والنور الساطع، وكان بياضه شديداً كما يقول من شارك في الغسل، نسأل الله حسن الخاتمة، كما نسأله الرحمة والغفران للشيخ، وأن يُخلف في الأمة أمثاله.
وصلى على الجنازة الشيخ محمد السبيِّل، ودُفن في مقبرة العدل بمكة، وكُتب بعدها في سماحة الشيخ آلاف الكلمات والمقالات في شتى البلدان، ورُثي بمراثٍ كثيرة، قال شيخنا ابن جبرين: إن بعض المشايخ أحصى منها أكثر من ثمان مئة، ورُئيت فيه رؤى كثيرة مبشرة، رحمه الله تعالى.
وبعد!
ماذا نتحدث عن سخائه وكرمه منذ صغره، وبيته مفتوح يومياً للفقراء قبل غيرهم، حتى قال شيخنا محمد بن لطفي الصباغ وغيره: إن ابن باز أكرم دون شك من حاتم الطائي. وقال بعض المقربين منه: إنه لم يره يأكل وحده.
وماذا عن أخلاقه العجيبة في التواضع واللين مع الناس وترك حظ النفس بالكلية، ومن ذلك ما أخبرني الشيخ عبد الرحمن الهرفي أنه سمع رجلاً يقول له: قد اغتبتك فحللني! فقال: ظهري حلال لكل مسلم.
وماذا نتكلم عن زهده في الدنيا مع إقبالها إليه؟
وكذلك الحديث عن منهجه العلمي والحديثي وحافظته النادرة أمرٌ يطول.
وأختم بكلمة لأحد كبار أصحاب سماحته، وهو معالي الشيخ عبد الله الزايد حفظه الله، إذ يقول عن شيخه: "هو أشهر من أن يعرَّف؛ سواء داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها، وإذا ما أراد أحد أن يكتب عن هذا العالم إنما يستطيع أن يكتب نبذة بسيطة لا تعدو أن تكون محاولة متواضعة للتعريف ببعض جوانب حياته".
رحم الله الإمام ابن باز، وجمعنا به في دار كرامته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.