غفر الله للشيخ الباني ورحمه ورفع منزلته في المهديِّين..
سأتحدَّث عن شيخنا عبدالرحمن الباني حديثًا محصورًا في نقطة واحدة، هي حديثُ التلميذ عن شيخه المربي، والحديثُ عن الشيخ حديثٌ واسع ولكنِّي سأحاول التركيز في هذه النقطة.
الشيخ الباني كان يدرِّس في كلية أصول الدين، وعندما أتحدَّث عن الشيخ معلمًا ومربيًا أقول: إن التعليم كان عند الشيخ عبدالرحمن الباني عبادةً ورسالةً وعشقًا، ولذلك كان يتفاعل معه بكلِّه، ويعطيه كلَّه.. طريقتُه في التدريس طريقةٌ في غاية المثاليَّة، رأيناه طلابًا وحين صرنا مدرِّسين حاولنا أن نقتربَ من أدائه فوجدنا أن البَونَ بعيدٌ بين ما كان يفعله وبين ما نحاولُ أن نفعلَه، وإليكم هذه الأمثلةَ الموجَزة:
كان الشيخ إذا دخل القاعة يدخل وحقيبته سفينةٌ محمَّلة بالكتب، وفي أثناء الشرح يقول: كما قال فلان، ويُخرج الكتابَ ويفتح الصفحةَ ويقرأ منها المقطع، وبهذه الطريقة بيَّن لنا الشيخُ أنه عندما يعلِّمُنا علمًا فإن هذا العلمَ ليس وحيًا أُوحيَ إليه، وإنما هذا العلمُ هو المسطور في الكتب التي أمامنا، وبذلك كان يقدِّم الطريقةَ الصحيحة في التدريس الجامعيِّ وهي ربطُ الطلاب بمراجع العلم.
وكان الشيخ يُجري اختبارات فصليَّة ويأخذ الأوراقَ من الطلبة، وقد تكون ثلاثَ صفحات أو أربعًا، ثم يُعيدها إلى الطلبة وعليها علامات؛ خطٌّ فوق الكلمة، وخطٌّ تحت الكلمة، وعلاماتُ استفهام، وعلاماتُ تعجُّب، وعلاماتُ ضرب... ونحو ذلك، ثم يوزِّع الأوراقَ وقد صارت حمراءَ بهذه الخطوط، ثم يكتب على السَّبُّورة مفاتيحَ هذه العلامات؛ خط تحت الكلمة: خطأ إملائي، خط فوق الكلمة: خطأ لغوي، علامة الاستفهام: الفكرة لم تصل، علامة التعجُّب: خطأ في الأسلوب... وعلى كلِّ واحدة درجات، ثم يقول: أنتم صحِّحوا أوراقكم بأنفسكم، ثم أعيدوها إليَّ، وبذلك أشركَ الطالبَ في عملية التقويم لذاته.
وفي نهاية الفصل يسلِّم كلَّ طالب ظرفًا عليه إهداء بخطِّه الجميل الأنيق، في داخله كتيِّبٌ صغير، وورقةٌ فيها نصحٌ أبويٌّ تربويٌّ لهذا الطالب، والعجبُ العاجب أنك لا تجد ورقةَ نصحٍ تُشبه ورقةَ نصحٍ أخرى، وكأنما هو طَوالَ السنة يرقُب أبناءه؛ ليعرفَ ما الكلمةُ التي يجب أن تُقالَ لهذا، وما الكلمةُ التي ينبغي أن تُقالَ لذاك!
فإذا جاء الاختبار النهائي، يكون آخرَ مدرِّس يسلِّم أوراقَ الاختبارات، مع أنه يعكِفُ عليها عُكوفًا، لأنه ينخُلها نخلاً، ويَفْليها فَلْيًا، ويقرؤها قراءةَ إمعان، ثم يضع ميزانًا للتصحيح، فإذا قال رئيسُ اللجنة: يا شيخُ، هذا الطالب يحتاج إلى رُبع درجة، قال: لا أستطيع، فقد وضعتُ ميزانًا دقيقًا للتصحيح، ولو أضَفتُ لطالب ربعَ درجة فلا بدَّ أن أضيفَ للجميع.
وفي آخِر العام نشعر أن الشيخ قد حفر حفرًا عميقًا في ذاكرة جميع الطلاب، وكان يدرِّس في السنة الثالثة، فكانت تسمَّى السنةُ الأولى السنةَ الأولى، والسنةُ الثانية السنةَ الثانية، والرابعةُ الرابعةَ، أما السنة الثالثةُ فكانت تسمَّى سنةَ الشيخ الباني، فالطالبُ الذي في السنة الثانية يقول: سأنتقل إلى سنة الشيخ الباني، وطالب السنة الرابعة يقول: كنَّا السنة الماضية في سنة الشيخ الباني!
أقول؛ بعد أن انقضت السنوات: لو كان المدرِّسون يعيشون ببعض وَقْدة التعليم التربويِّ التي عند الشيخ الباني، كيف سيكون مُخرَج التعليم؟
وإنني أقول الآن: إن بعضَ من درَّسونا نذكر أشكالهم ونسينا أسماءهم، وبعضَهم نذكر أسماءهم وأشكالهم، وبعضَهم لا نذكر أسماءهم ولا أشكالهم، أما الشيخُ عبدالرحمن الباني فنذكر نبرةَ صوته، وسَحْنَةَ وجهه، وكلماته الجميلة، وحُرقته في التعليم... فإذا بالشيخ الباني عند تلاميذه محفورٌ في القُرص الصُّلب لا يمكن أن ينسَوه ابدًا! رحم الله شيخنا ورفع منزلته في علِّيِّين.
غفر الله للشيخ الباني ورحمه ورفع منزلته في المهديِّين..
سأتحدَّث عن شيخنا عبدالرحمن الباني حديثًا محصورًا في نقطة واحدة، هي حديثُ التلميذ عن شيخه المربي، والحديثُ عن الشيخ حديثٌ واسع ولكنِّي سأحاول التركيز في هذه النقطة.
الشيخ الباني كان يدرِّس في كلية أصول الدين، وعندما أتحدَّث عن الشيخ معلمًا ومربيًا أقول: إن التعليم كان عند الشيخ عبدالرحمن الباني عبادةً ورسالةً وعشقًا، ولذلك كان يتفاعل معه بكلِّه، ويعطيه كلَّه.. طريقتُه في التدريس طريقةٌ في غاية المثاليَّة، رأيناه طلابًا وحين صرنا مدرِّسين حاولنا أن نقتربَ من أدائه فوجدنا أن البَونَ بعيدٌ بين ما كان يفعله وبين ما نحاولُ أن نفعلَه، وإليكم هذه الأمثلةَ الموجَزة:
كان الشيخ إذا دخل القاعة يدخل وحقيبته سفينةٌ محمَّلة بالكتب، وفي أثناء الشرح يقول: كما قال فلان، ويُخرج الكتابَ ويفتح الصفحةَ ويقرأ منها المقطع، وبهذه الطريقة بيَّن لنا الشيخُ أنه عندما يعلِّمُنا علمًا فإن هذا العلمَ ليس وحيًا أُوحيَ إليه، وإنما هذا العلمُ هو المسطور في الكتب التي أمامنا، وبذلك كان يقدِّم الطريقةَ الصحيحة في التدريس الجامعيِّ وهي ربطُ الطلاب بمراجع العلم.
وكان الشيخ يُجري اختبارات فصليَّة ويأخذ الأوراقَ من الطلبة، وقد تكون ثلاثَ صفحات أو أربعًا، ثم يُعيدها إلى الطلبة وعليها علامات؛ خطٌّ فوق الكلمة، وخطٌّ تحت الكلمة، وعلاماتُ استفهام، وعلاماتُ تعجُّب، وعلاماتُ ضرب... ونحو ذلك، ثم يوزِّع الأوراقَ وقد صارت حمراءَ بهذه الخطوط، ثم يكتب على السَّبُّورة مفاتيحَ هذه العلامات؛ خط تحت الكلمة: خطأ إملائي، خط فوق الكلمة: خطأ لغوي، علامة الاستفهام: الفكرة لم تصل، علامة التعجُّب: خطأ في الأسلوب... وعلى كلِّ واحدة درجات، ثم يقول: أنتم صحِّحوا أوراقكم بأنفسكم، ثم أعيدوها إليَّ، وبذلك أشركَ الطالبَ في عملية التقويم لذاته.
وفي نهاية الفصل يسلِّم كلَّ طالب ظرفًا عليه إهداء بخطِّه الجميل الأنيق، في داخله كتيِّبٌ صغير، وورقةٌ فيها نصحٌ أبويٌّ تربويٌّ لهذا الطالب، والعجبُ العاجب أنك لا تجد ورقةَ نصحٍ تُشبه ورقةَ نصحٍ أخرى، وكأنما هو طَوالَ السنة يرقُب أبناءه؛ ليعرفَ ما الكلمةُ التي يجب أن تُقالَ لهذا، وما الكلمةُ التي ينبغي أن تُقالَ لذاك!
فإذا جاء الاختبار النهائي، يكون آخرَ مدرِّس يسلِّم أوراقَ الاختبارات، مع أنه يعكِفُ عليها عُكوفًا، لأنه ينخُلها نخلاً، ويَفْليها فَلْيًا، ويقرؤها قراءةَ إمعان، ثم يضع ميزانًا للتصحيح، فإذا قال رئيسُ اللجنة: يا شيخُ، هذا الطالب يحتاج إلى رُبع درجة، قال: لا أستطيع، فقد وضعتُ ميزانًا دقيقًا للتصحيح، ولو أضَفتُ لطالب ربعَ درجة فلا بدَّ أن أضيفَ للجميع.
وفي آخِر العام نشعر أن الشيخ قد حفر حفرًا عميقًا في ذاكرة جميع الطلاب، وكان يدرِّس في السنة الثالثة، فكانت تسمَّى السنةُ الأولى السنةَ الأولى، والسنةُ الثانية السنةَ الثانية، والرابعةُ الرابعةَ، أما السنة الثالثةُ فكانت تسمَّى سنةَ الشيخ الباني، فالطالبُ الذي في السنة الثانية يقول: سأنتقل إلى سنة الشيخ الباني، وطالب السنة الرابعة يقول: كنَّا السنة الماضية في سنة الشيخ الباني!
أقول؛ بعد أن انقضت السنوات: لو كان المدرِّسون يعيشون ببعض وَقْدة التعليم التربويِّ التي عند الشيخ الباني، كيف سيكون مُخرَج التعليم؟
وإنني أقول الآن: إن بعضَ من درَّسونا نذكر أشكالهم ونسينا أسماءهم، وبعضَهم نذكر أسماءهم وأشكالهم، وبعضَهم لا نذكر أسماءهم ولا أشكالهم، أما الشيخُ عبدالرحمن الباني فنذكر نبرةَ صوته، وسَحْنَةَ وجهه، وكلماته الجميلة، وحُرقته في التعليم... فإذا بالشيخ الباني عند تلاميذه محفورٌ في القُرص الصُّلب لا يمكن أن ينسَوه ابدًا! رحم الله شيخنا ورفع منزلته في علِّيِّين.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره