أبي الحبيب... شلاّل من الدمع انهمر من مآقينا... وانفلتت الأرواح شظايا في اللحظة التي أعلنت فيها الشاشات الطبية أن الله اختارك إلى جواره... وأن الروح قد صعدت إلى بارئها... وانهدّ ركنٌ ركين من حياتنا...
جبلاً من العلم والهدى يمشي على الأرض كنت...
وجامعةٌ متنقلة في علوم القرآن والسُّنة ولغة العرب والجغرافيا والتاريخ والتربية والسِيَر والمكتبات والكتب والتراجم انطوت مآثرها بفقدك يا أبي...
شموسٌ هائلة من العلوم والمعارف انطفأت برحيلك... وثُلِمَت في الإسلام ثُلمةٌ لن تُسد حين انتقلتَ إلى جوار ربك... وبِحارٌ زاخرةٌ لا ساحل لها من الهدى والخير والنور واليقين الراسخ والإيمان الواثق والغَيرة على الدين والعمل لأجله جفّت وآذَنت بالزوال حين انتقلت من سجن الدنيا الضيّق إلى رحاب الكريم الودود...
ووالله لولا إيمانٌ يعصمنا... ورضاً تام بحكمة الله البالغة... واليقين الراسخ بأن ماعند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعملوا الصالحات وأحسبك منهم ولا أزكي على الله أحداً.. . لولا ذلك لما جفّت المآقي...
فلله ما أخذ وله ما أعطى... وتدمع العين ويحزن الـقلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب... ولولا أن سُنة الله جرت بأن الأعمار لا تُوهَب لوهبناك أعمارنا... ولولا أن الموت والمرض لا يُقبل فيه الفداء لفديناك بأرواحنا وفاءً لدينٍ في أعناقنا لوالدٍ وإمامٍ ظلَّ يبذل لربه ونبيّه ودينه ولأمة الإسلام ولطلاّب العلم من شتى بقاع الأرض حتى آخر حياته...
أبي مربياً:
لو أردت أن أجمع سيرة أبي في كتاب لأفنيت من الصحائف والمداد الكثير والكثير... ولكني سأقتصر على جانب واحد من جوانب حياته معنا تغمده الله برضوانه وصبّ عليه شآبيب رحمته... لما كان رحمه الله جامعة عظيمة في العلوم والمعارف والآداب والحِكَم فقد كان مربياً من الطراز الأول ومعلماً من العلماء الأفذاذ... وكانت تربيته لنا بأسلوب فريد لم يُسبَق إليه... وطريقة خاصة انفرد بها وأحسب أن أحداً من الآباء لم يسبقه إليه...
وهناك مجموعة من المبادىء التربوية التي كان لها أعظم الأثر في حياتنا وسلوكناحيث أرساها والدي في قلوبنا وعقولنا ومنها ما يأتي:
تعظيم أمر الصلاة:
ما زال إليها منادياً وعليها حاثاً ومشجعاً... ولندائها مسارعاً ولأمرها معظِّماً... ولأحاديثها وآياتها شارحاً ومعلماً حتى أُشربنا حب الصلاة، وكانت وسائله في ذلك لا تنتهي من هدايا وعطايا ومن نداء محبّب آسر... ومن تبكيت أو تأنيب لمن فاتته الصلاة في المسجد من الذكور أو تأخر عنها من الإناث... وكان كذلك مع أولادنا... وكان يوقظ بنفسه جميع أفراد المنزل أولاداً وأحفاداً لصلاة الفجر حتى مرضه الأخير... رحمه الله وجعله في عليين...
تعظيم أمر العلم والعلماء:
فما زال يعظم في قلوبنا قيمة العلم... ويُشعرنا أن حقيقة الالتزام بالدين هي بذل الجهد في تعلّمالعلم وتعليمه، وبلوغ أعلى المنازل فيه، فهو إرث الأنبياء ويهيب بنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع"؛ فشببنا عن الطوق وكلنا يرجو أن يكون كذلك سواء أكان في العلم الشرعي أم في العلم الكوني... فالكون كتاب الله المفتوح كما أن القرآن كتاب الله المقروء. وكم نادى الله جل جلاله لنقرأ في كتاب الكون كما نقرأ في الكتاب العزيز: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [يونس: 101]. وكان يرى أن حاجة المسلمين إلى علماء العلوم الكونية كحاجتهم إلى علماء العلوم الشرعية، فهؤلاء لا صلاح للدين إلا بهم، وأولئك لاصلاح للدنيا وللكون ولا مكان للغلبة على الأمم الأخرى إلا بهم.
تعظيم التفوق وبلوغ الغاية في كل مجال:
فالتفوق أمر لا يرضى بغيره والدي الحبيب بديلاً من جميع أبنائه وكذلك من أحفاده... وكان دائماً ما يتلو على مسامعنا قول الله جل جلاله: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 105]. وكان يجلس مع من يُظهر تهاوناً في درسه أو تكاسلاً عن بلوغ الغاية فيحثه ويشجعه.
وينبهه إلى ذكائه وسرعة بديهته وأن هذه نعمة يجب أن يستغلها في الخير ويجتهد في مذاكرته، وأن أمة الإسلام لن تنتصر إلا بأبنائها الجادّين، وأنه لا مكان في سباق الأمم والحضارات لِمُتَراخٍ أو كسول، وأن عزّة هذه الأمة لن تعود إلا بأبنائها الذين وضعوا هذه المهمة الصعبة نصب أعينهم وعملوا لها طوال حياتهم.
وكان يعد الجوائز والهدايا مسبقاً... ولم يكن يهدي مالاً إلا فيما ندر، بل كانت هداياه كلها تزيد العقل والقلب والفكر نوراً على نور... من قصص شائقة أو كتب ممتعة أو ألعاب تقدح زناد الفكر والعقل...
تعظيم أمر الأم:
إذ لا صلاح لأمرِ بيتٍ الأمُّ فيه مُهانة أو محرومة من حقوقها... فقد نشأنا على ثنائه الدائم على والدتي، وكان دائماً ما يذكرها أمامنا بقوله: (أمكم الفاضلة) وكان بين الفينة والفينة يذكر أفضالها ويعدِّد خصالها... ويذكر بين معارفه أنها من النساء الفضليات... وكثيراً ما يشكر فضلها ويقول: إنّ لها عليّ فضلاً فقد آزرتني طوال حياتي وكانت لي نِعم السند في تربية، أولادي وبناتي... حتى أنّ أحد أقارب العائلة قال لزوجته: (لا تظني أنني مثل فلان الذي ما يفتأ يثني على زوجته ويذكر فضلها (يقصد والدي...
تعظيم مراقبة الله في السر والعلن:
فكان رحمه الله وغفر له وجعل الفردوس الأعلى من الجنة مثواه... يُكثر من تضمين هذا المعنى في دروسه، ويؤصِّل له وينوِّع الأساليب في ذلك، ويطلب منا حفظ ما يخص ذلك من القرآن والحديث لتكون لنا نبراساً... حتى أُشربت قلوبنا اطلاعَ اللهِ علينا وأغدق ذلك علينا الشعورَ بالإيمان الراسخ... والطاعة الصادقة... وكان اهتمام والدي بذلك يفوق الوصف إذ لا صلاح لعبدٍ يغفل عن اطلاع الله عليه في كل حال..
تعظيم الشرع وسُنة النبي صلى الله عليه وسلم وتحَرِّيها في كل موقف:
وكان في ذلك مَضْرِب المثل... وأذكر عندما توفيت أختي فاطمة رحمها الله... ففي تلك اللحظات العصيبة توقف هنيهة يتحرى أمر السُّنة في التغسيل والتكفين... وهدي النبي صلى الله عليه
وسلم في الدفن والعزاء والتأبين... وعمد إلى كتاب الجنائز الذي ألفه الشيخ الألباني بناء على طلبه فتحرى فيه ذلك كله...
تعظيم الرفق والدفع بالتي هي أحسن:
فما زال يرفع شعار الرفق والترفق... ويربينا بقوله تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [المؤمنون: 96] حتى عُرف في ذلك هَدْيه وسَمْته...
خدمة طلاب العلم في أي ساعة من ليل أو نهار:
فقد خدم آلافاً من الطلبة الذين يُعِدّون رسائلهم لنيل درجة الدكتوراه أو الماجستير، وعرّفهم بالمصادر والمراجع التي تخص بحوثهم وقوَّم لهم وراجع كثيراً منها... ولم يكن يتردّد في استقبالهم في أي ساعة من ليل أو نهار...
وأما كيف اتسع وقته لكل ذلك:
فهنا مربط الفرس... فقد عزف عن الشهرة والأضواء ولم يكن يضيِّع وقته في حضور الاحتفالات والافتتاحيات... وكل ما كان يمكن أن يُغني عنه فيه غيره لم يكن يهتم بحضوره... وقد بارك الله له في عمره وعمله لتحريه الحلال والأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، فكان يستيقظ لصلاة الفجر مبكراً، ويستغل هذا الوقت المبارك في العمل بدأب في مكتبته العامرة.. وكل ما أوتي من عمر ومال وجهد ووقت فهو لخدمة الإسلام وخدمة طلاب العلم الذين يقصدونه من كل مكان. وبين هذا وذاك فكل عملٍ يعمله غيره عادةً كان يقوم به عبادةً؛ فالطعام والمنام والاستجمام كلها يستحضر فيها نية التقرب إلى الله تعالى والقدرة على القيام بأمور دينه ودنياه. وجعل همة تربية أولاده تربية تُرضي الله عنه وتُنجيه من السؤال يوم القيامة.
اللهم صبّ علينا الصبر والسلوان صبّاً واملأ قلوبنا رضاً وتسليماً وحباً..
والحمد لله رب العالمين.
أبي الحبيب... شلاّل من الدمع انهمر من مآقينا... وانفلتت الأرواح شظايا في اللحظة التي أعلنت فيها الشاشات الطبية أن الله اختارك إلى جواره... وأن الروح قد صعدت إلى بارئها... وانهدّ ركنٌ ركين من حياتنا...
جبلاً من العلم والهدى يمشي على الأرض كنت...
وجامعةٌ متنقلة في علوم القرآن والسُّنة ولغة العرب والجغرافيا والتاريخ والتربية والسِيَر والمكتبات والكتب والتراجم انطوت مآثرها بفقدك يا أبي...
شموسٌ هائلة من العلوم والمعارف انطفأت برحيلك... وثُلِمَت في الإسلام ثُلمةٌ لن تُسد حين انتقلتَ إلى جوار ربك... وبِحارٌ زاخرةٌ لا ساحل لها من الهدى والخير والنور واليقين الراسخ والإيمان الواثق والغَيرة على الدين والعمل لأجله جفّت وآذَنت بالزوال حين انتقلت من سجن الدنيا الضيّق إلى رحاب الكريم الودود...
ووالله لولا إيمانٌ يعصمنا... ورضاً تام بحكمة الله البالغة... واليقين الراسخ بأن ماعند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعملوا الصالحات وأحسبك منهم ولا أزكي على الله أحداً.. . لولا ذلك لما جفّت المآقي...
فلله ما أخذ وله ما أعطى... وتدمع العين ويحزن الـقلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب... ولولا أن سُنة الله جرت بأن الأعمار لا تُوهَب لوهبناك أعمارنا... ولولا أن الموت والمرض لا يُقبل فيه الفداء لفديناك بأرواحنا وفاءً لدينٍ في أعناقنا لوالدٍ وإمامٍ ظلَّ يبذل لربه ونبيّه ودينه ولأمة الإسلام ولطلاّب العلم من شتى بقاع الأرض حتى آخر حياته...
أبي مربياً:
لو أردت أن أجمع سيرة أبي في كتاب لأفنيت من الصحائف والمداد الكثير والكثير... ولكني سأقتصر على جانب واحد من جوانب حياته معنا تغمده الله برضوانه وصبّ عليه شآبيب رحمته... لما كان رحمه الله جامعة عظيمة في العلوم والمعارف والآداب والحِكَم فقد كان مربياً من الطراز الأول ومعلماً من العلماء الأفذاذ... وكانت تربيته لنا بأسلوب فريد لم يُسبَق إليه... وطريقة خاصة انفرد بها وأحسب أن أحداً من الآباء لم يسبقه إليه...
وهناك مجموعة من المبادىء التربوية التي كان لها أعظم الأثر في حياتنا وسلوكناحيث أرساها والدي في قلوبنا وعقولنا ومنها ما يأتي:
تعظيم أمر الصلاة:
ما زال إليها منادياً وعليها حاثاً ومشجعاً... ولندائها مسارعاً ولأمرها معظِّماً... ولأحاديثها وآياتها شارحاً ومعلماً حتى أُشربنا حب الصلاة، وكانت وسائله في ذلك لا تنتهي من هدايا وعطايا ومن نداء محبّب آسر... ومن تبكيت أو تأنيب لمن فاتته الصلاة في المسجد من الذكور أو تأخر عنها من الإناث... وكان كذلك مع أولادنا... وكان يوقظ بنفسه جميع أفراد المنزل أولاداً وأحفاداً لصلاة الفجر حتى مرضه الأخير... رحمه الله وجعله في عليين...
تعظيم أمر العلم والعلماء:
فما زال يعظم في قلوبنا قيمة العلم... ويُشعرنا أن حقيقة الالتزام بالدين هي بذل الجهد في تعلّمالعلم وتعليمه، وبلوغ أعلى المنازل فيه، فهو إرث الأنبياء ويهيب بنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع"؛ فشببنا عن الطوق وكلنا يرجو أن يكون كذلك سواء أكان في العلم الشرعي أم في العلم الكوني... فالكون كتاب الله المفتوح كما أن القرآن كتاب الله المقروء. وكم نادى الله جل جلاله لنقرأ في كتاب الكون كما نقرأ في الكتاب العزيز: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [يونس: 101]. وكان يرى أن حاجة المسلمين إلى علماء العلوم الكونية كحاجتهم إلى علماء العلوم الشرعية، فهؤلاء لا صلاح للدين إلا بهم، وأولئك لاصلاح للدنيا وللكون ولا مكان للغلبة على الأمم الأخرى إلا بهم.
تعظيم التفوق وبلوغ الغاية في كل مجال:
فالتفوق أمر لا يرضى بغيره والدي الحبيب بديلاً من جميع أبنائه وكذلك من أحفاده... وكان دائماً ما يتلو على مسامعنا قول الله جل جلاله: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 105]. وكان يجلس مع من يُظهر تهاوناً في درسه أو تكاسلاً عن بلوغ الغاية فيحثه ويشجعه.
وينبهه إلى ذكائه وسرعة بديهته وأن هذه نعمة يجب أن يستغلها في الخير ويجتهد في مذاكرته، وأن أمة الإسلام لن تنتصر إلا بأبنائها الجادّين، وأنه لا مكان في سباق الأمم والحضارات لِمُتَراخٍ أو كسول، وأن عزّة هذه الأمة لن تعود إلا بأبنائها الذين وضعوا هذه المهمة الصعبة نصب أعينهم وعملوا لها طوال حياتهم.
وكان يعد الجوائز والهدايا مسبقاً... ولم يكن يهدي مالاً إلا فيما ندر، بل كانت هداياه كلها تزيد العقل والقلب والفكر نوراً على نور... من قصص شائقة أو كتب ممتعة أو ألعاب تقدح زناد الفكر والعقل...
تعظيم أمر الأم:
إذ لا صلاح لأمرِ بيتٍ الأمُّ فيه مُهانة أو محرومة من حقوقها... فقد نشأنا على ثنائه الدائم على والدتي، وكان دائماً ما يذكرها أمامنا بقوله: (أمكم الفاضلة) وكان بين الفينة والفينة يذكر أفضالها ويعدِّد خصالها... ويذكر بين معارفه أنها من النساء الفضليات... وكثيراً ما يشكر فضلها ويقول: إنّ لها عليّ فضلاً فقد آزرتني طوال حياتي وكانت لي نِعم السند في تربية، أولادي وبناتي... حتى أنّ أحد أقارب العائلة قال لزوجته: (لا تظني أنني مثل فلان الذي ما يفتأ يثني على زوجته ويذكر فضلها (يقصد والدي...
تعظيم مراقبة الله في السر والعلن:
فكان رحمه الله وغفر له وجعل الفردوس الأعلى من الجنة مثواه... يُكثر من تضمين هذا المعنى في دروسه، ويؤصِّل له وينوِّع الأساليب في ذلك، ويطلب منا حفظ ما يخص ذلك من القرآن والحديث لتكون لنا نبراساً... حتى أُشربت قلوبنا اطلاعَ اللهِ علينا وأغدق ذلك علينا الشعورَ بالإيمان الراسخ... والطاعة الصادقة... وكان اهتمام والدي بذلك يفوق الوصف إذ لا صلاح لعبدٍ يغفل عن اطلاع الله عليه في كل حال..
تعظيم الشرع وسُنة النبي صلى الله عليه وسلم وتحَرِّيها في كل موقف:
وكان في ذلك مَضْرِب المثل... وأذكر عندما توفيت أختي فاطمة رحمها الله... ففي تلك اللحظات العصيبة توقف هنيهة يتحرى أمر السُّنة في التغسيل والتكفين... وهدي النبي صلى الله عليه
وسلم في الدفن والعزاء والتأبين... وعمد إلى كتاب الجنائز الذي ألفه الشيخ الألباني بناء على طلبه فتحرى فيه ذلك كله...
تعظيم الرفق والدفع بالتي هي أحسن:
فما زال يرفع شعار الرفق والترفق... ويربينا بقوله تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [المؤمنون: 96] حتى عُرف في ذلك هَدْيه وسَمْته...
خدمة طلاب العلم في أي ساعة من ليل أو نهار:
فقد خدم آلافاً من الطلبة الذين يُعِدّون رسائلهم لنيل درجة الدكتوراه أو الماجستير، وعرّفهم بالمصادر والمراجع التي تخص بحوثهم وقوَّم لهم وراجع كثيراً منها... ولم يكن يتردّد في استقبالهم في أي ساعة من ليل أو نهار...
وأما كيف اتسع وقته لكل ذلك:
فهنا مربط الفرس... فقد عزف عن الشهرة والأضواء ولم يكن يضيِّع وقته في حضور الاحتفالات والافتتاحيات... وكل ما كان يمكن أن يُغني عنه فيه غيره لم يكن يهتم بحضوره... وقد بارك الله له في عمره وعمله لتحريه الحلال والأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، فكان يستيقظ لصلاة الفجر مبكراً، ويستغل هذا الوقت المبارك في العمل بدأب في مكتبته العامرة.. وكل ما أوتي من عمر ومال وجهد ووقت فهو لخدمة الإسلام وخدمة طلاب العلم الذين يقصدونه من كل مكان. وبين هذا وذاك فكل عملٍ يعمله غيره عادةً كان يقوم به عبادةً؛ فالطعام والمنام والاستجمام كلها يستحضر فيها نية التقرب إلى الله تعالى والقدرة على القيام بأمور دينه ودنياه. وجعل همة تربية أولاده تربية تُرضي الله عنه وتُنجيه من السؤال يوم القيامة.
اللهم صبّ علينا الصبر والسلوان صبّاً واملأ قلوبنا رضاً وتسليماً وحباً..
والحمد لله رب العالمين.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره