أودُّ أن أحدِّثَكم اليوم عن والدي الحبيب الشيخ عبدالرحمن الباني غفر الله له وجعل الجنَّة مثواه.

 

ولا أستطيع أن أصفَ لكم ألمَ الفقد، وما أمرَّه!

 

لقد فقدنا بموتك يا أبي صدرًا حانيًا، وخلقًا نبيلاً، وعلمًا غزيرًا، وإنا لنرجو له الشهادة؛ لقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((والمبطونُ شَهيد)).

 

والحديثُ عن والدي الحبيب رحمه الله ذو شُجون، لكنِّي سأقتصر على وَقَفات مهمَّة قد لا يعرفها كثيرون:

كان والدي معظِّمًا للدِّين في حياته، وغرسَ ذلك فينا، وحبَّبَ إلينا الطاعة، وللصلاة شأنٌ في نفسه وقلبه، وكم كان يردِّد لنا: ﴿ ومَن يُعظِّم شَعائِرَ الله فإنَّها مِن تَقوى القُلوب ﴾.

 

وكان متواضعًا لطيفًا، مُرهَفَ الحسِّ في تعامُله مع الجميع؛ كبارًا وصغارًا، ولا يغضبُ لشيء مثلَ غضبه لتأخير الصلاة، وأؤكِّد أنه كان لا يرى للرجال صلاةً إلا في المسجد. وعلى كِبَر سنِّه كان يسبقُ الشبابَ إلى المسجد حتى لو كان شديدَ التعب، بل كان محافظًا على صلاة الفجر في المسجد.

 

وكان مربِّيًا من الطِّراز الأول، وتربيتُه بالقدوة وببذل الجهد، وكان يقرن القولَ بالعمل.

 

ومما أذكره أنه كان يعقد لنا دروسًا أسبوعيَّة، وفي الصيف تكون يوميَّة؛ في القرآن والحديث والتربية. أما اهتمامُه بالعلم فحدِّث عنه ولا حرَج، فلا يمرُّ يومٌ أو وقتٌ دون مناقشة أو مدارسة في العلم، معنا أو مع طلاب العلم أو مع أصدقائه العلماء.

 

وكان يهوى القراءةَ والتحقيقَ ومراجعةَ الكتب، ومتابعةَ الشؤون العلمية، ويمكُث في مكتبته وقتًا طويلاً، ومع ذلك كلِّه تراه مواكبًا لأحداث الحياة، معلِّقًا عليها، موضِّحًا سننَ الله الكونيَّة فيما يجري.

 

وقد أحبَّ العربيةَ والتزم الفُصحى وحبَّبها إلينا، حتى إن أحفاده الصِّغار يكلِّمونه بالفُصحى، رحمة الله عليه.

 

وكان دائمًا يعظِّم من قيمة العلم والعلماء في نفوسنا، ويقول: ((إن الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرهمًا، وإنَّما ورَّثوا العلمَ فمَنْ أخذَهُ فقد أخذَ بحظٍّ وافِر)). وكان يُسعدُه أن نكونَ متفوِّقينَ في الدراسة، وكان دائمًا ما يُعطينا الجوائز، ويُثني على المتفوِّق في دراسته، والمحافظ على صلواته، والملتزم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فهو لا يهتمُّ فقط بأمور الدُّنيا لكنه يهتمُّ أولاً بالدين.

 

ومن الأشياء التي قد لا يعرفها كثيرون: أنه كان مُرهفَ الحسِّ، رقيقَ الحاشية، وحاضرَ النُّكتة، وكان يُمازحنا كبارًا وصغارًا، فهو يعيش في بيته مع أهله، ولم يكن من العلماء المعزولين عن أهاليهم.

 

وكان يجمع الورودَ والأزهارَ يقدِّمها لوالدتي، ويقدِّم لي طاقةً من الورد، وإذا لم أكن في البيت يضعُها لي في غُرفتي حتى أعود.

 

وأختصر سيرته فأقول: كان والدي الحبيب الشيخ عبدالرحمن الباني متمثِّلاً لقوله تعالى: ﴿ قُل إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحيايَ ومَماتيَ للهِ ربِّ العالمينَ لا شَريكَ لهُ وبذلكَ أُمِرت ﴾.

 

وسأقتصر على أبيات من قصيدة في رثائه قلتُ فيها:

دَعَوتُ أيا ربَّاهُ جُدْ بحياتهِ
فإنَّ شَغافَ القلبِ فيه تَسيلُ
نُناجيكَ في الليلِ الطويلِ ولم يكُن
إلى رَدِّ أمرِ اللهِ فيكَ سَبيلُ
إذا كانَ ربِّي قد دَعاكَ إلى السَّما
ففيمَ ستَبقى والعَطاءُ جَليلُ؟
أنبكيكَ عِلمًا أم تُقًى أم مُروءةً
فَدَيتُكَ شمٌّ والثَّناءُ جَميلُ
دُروسُكَ في لبنانَ ماثِلَةٌ لنا
ودرسُكَ دومًا في الرِّياضِ أصيلُ
وحَبَّبتَنا الفُصحى فيا لكَ من أبٍ
مِثالُكَ فَذٌّ في الرِّجالِ قَليلُ
وما كنتُ أرجو أن أراكَ مُوَسَّدًا
ولا أنَّ قَبرًا قد حَواكَ (ظَليلُ)
تَجوبُ سماءَ المجدِ حيًّا وميِّتًا
ويُثني عليكَ الجَمعُ وهو جليلُ
إلهي لقد أعطَيتَ أجزَلتَ في العَطا
وأمتَعتَنا دهرًا بذاك (طويلُ)
لكَ الحمدُ حَمدًا طيِّبًا ولكَ الثَّنا
ومهما أُضاعِفْ في الثَّناءِ قليلُ