طُويت اليوم صفحةٌ من الصفحات المشرقة في تاريخ أمتنا بوفاة شيخنا العلامة الفقيه المتفنن عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

إنني أدركتُ من فقهاء العالم الإسلامي جمًّا غفيراً؛ غير أن شيخنا ابن عقيل كان لوناً مميزاً فيهم، لما حباه الله تعالى من الصفات والأدوات التي جعلته فرداً في هذا الباب:

 

فقد كان رحمه الله تعالى عالماً بدقائق الفقه والأحكام، حتى يدعوه الاستطراد أثناء الدرس إلى إلقائه على طلابه المسائل والألغاز شعراً ونثراً، ومما قاله لي مرّةً:

سألتُك هل من موضعٍ أوجبوا له
ضمانًا بلا مِثْل وعن قيمةٍ خَلا

ثم قال: هذا في المُصَرّاة.

 

وقال لي مرّةً :

رأيتُ في الفقه سؤالاً حسنا
فرعاً على أصليه قد تفرّعا
قابضُ شيءٍ بِرِضى مالكه
يُضمن بالقيمة والمثل معا

 

ثم قال: هذا في الصيد المملوك الذي أخذ بتعدٍّ من الحرم إذا تعدى عليه المحرم.

 

أما معرفتُه بمذهب الإمام أحمد فلا أعلم أحداً من أهل طبقته أعرف منه بالمذهب ورواياته وقيوده وقواعده وضوابطه ومستثنياته.

 

وأما مشاركته في العلوم الأخرى فهو سمة بارزة فيه، يعرفها المُجالِسُ له من درس واحد.

 

وأما جلوسه للإقراء فشيءٌ سارت به الركبان، ولا أعرف أحداً من علماء بلادنا قرئ عليه من الكتب أكثر مما قرئ على شيخنا طيب الله ثراه، هذا مع عدم الملل والكلل.

 

قلت له يوماً أثناء قراءتي عليه لصحيح الإمام البخاري وقد لاحظت أنه تَعِب: لعلي إن رأيتم أقف على باب كذا وأكمل القراءة غداً. فقال: لا بل أكمل. قلت: كأنك مجهد؟ قال: الأمر سهل، لا أحَبَّ إليَّ من القراءة إذا لم يكن شغل شاغل.

 

وإن أردت صورة قريبة من واقع مجالس الشيخ ودروسه فقد دوّنها أخي فضيلة الشيخ أ.د وليد المنيّس في كتابه القيّم (الإكليل)، وانظر فيه لترى بعض النكت واللطائف التي تكثر في دروسه رحمه الله تعالى.

 

وأما هديُه وسمته ودَلُّه فقد كان كأشياخه صاحب سنّة واتباع، وملازمة للكتاب والسنة، يدور مع الشرع حيث دار، معتدلٌ منصفٌ في مسائل الخلاف.

 

ومن خصاله المعروفة أنه كثير النصح والتوجيه للطلبة والناس، لا يرضى بوقوع الغلط والمنكر، وربما غضب أحياناً، ولو شئتُ أن أُفرد كتاباً في هذه المواقف لفعلت، فهو مُرَبٍّ من الطراز الأول،  يعلّم ويربي في وقت واحد.

 

وأما شمائله وكريم أخلاقه فكثيرة، ومن شمائله كثرة إكرامه للناس، وكثرة صدقاته، وقد رأيته مراراً يتعهد أناساً من أهل الحاجة ويواعدهم أياماً معلومة، ويسألهم عمَّن وراءهم.

 

ومن فضائله رحمه الله أن أقر عينه بصلاح ذريته في حياته, فله أبناء وأحفاد من حملة العلم والهداية إلى الخلق ما يغبطه عليهم كلُّ مؤمن, وقد رأيتُ من حدبهم عليه وقيامهم ببرّه والإحسان إليه ما يصلح أن يكون سيرة وأحدوثة في تاريخ بر الوالدين, بارك الله فيهم ونفع بهم كما نفع بأبيهم.

 

وبالجملة.. فمناقبه كثيرة، والمصاب به جَلَل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها.