مكانة التاريخ في الثقافة الإسلاميَّة (9)
(أسباب أخطاء المؤرخين السابقين في نظر ابن خلدون)
يرى العلَّامة ابن خلدون أنَّ الأسباب التي أدَّتْ بالمؤرِّخينَ إلى ما ارتكبوه من أخطاءٍ تاريخيَّةٍ كثيرةٌ، ومنها [1]:
أولًا: التشيُّع للآراء والمذاهب:
فالنفسُ إنْ كانت على حالةٍ من الاعتدال في قَبول الأخبار، أعطتْها حقَّها من التمحيص والنظر؛ حتَّى تتبيَّنَ صِدْقَها من كذبها، وأمَّا إذا خامرها تشيُّعٌ لرأيٍّ أو نِحْلة، قبِلتْ ما يوافِقُها من الأخبار لأوَّلِ وهْلَةٍ، وكان ذلك الميل والتشيُّع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبولِ الكذبِ ونقلِه.
وما دام التشيُّع للآراء والمذاهب يفعل بالمؤرِّخ هذا، فيجب عليه التخلُّص والتجرُّد منه، ولا يجعل للهوى سُلطانًا عليه، فيتَّصف بالحَيْدة والموضوعيَّة والتجرُّد، ويكون الحقُّ رائدًا له أينما كان.
ثانيًا: عُمْق الثقة بالناقلين، وعدم التمييز بينَ الصادق منهم والكاذب - يُوقِعُ المؤرِّخَ في الأخطاء والمغالطِ:
ولذا يرى العلَّامة ابن خلدون ضرورة تحرِّي الدِّقَّة فيمَنْ ينقُلُ عنه المؤرِّخُ، على الطريقة التي اتَّبعها المحدِّثُون في قبول المرويَّات، فإنْ كان المنقول عنه صادقًا أمينًا، قُبِل خبرُه، وإلَّا رُدَّ الخبرُ، كما يَنصَح المؤرِّخين ألَّا يستخدموا هذه القواعد (الحديثيَّة) حتَّى يعلموا أنَّ ذلك الخبر في نفسِه مُمكِنٌ أو مُمتنِعٌ، أمَّا إنْ كان مُستحيلًا، فلا فائدةَ للنظر في قواعد المحدِّثين.
ثالثًا: عدم الاهتمام بأهداف الأحداث، والذهول عن المقاصد:
فكثيرٌ من الأخباريِّين لا يعرف القَصْد بما عاين أو سمِع، وينقُل الخبرَ على ما في ظنِّه أو تخمينه، فيقع في الكذب والخطأ؛ ولذا يجب على المؤرِّخ أنْ يكونَ بصيرًا بأهدافِ الخبر الذي ينقُلُه، قديرًا على تفسيره تفسيرًا واقعيًّا.
رابعًا: الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع بسببِ ما يُداخلُها من التدليس والتصنُّع، فينقلها المخبِرُ كما رآها وهي بالتصنُّع على غير الحقِّ في نفسِه، وما ذاكَ إلَّا لأنَّ كثيرًا مِن الأخبارِ لا يدلُّ ظاهرُها على باطنها (كالحديث بما يُسمَّى الشفرة أو الخدع السياسيَّة، فينقُلها المؤرِّخُ على ظاهرها، وهو لا يعرف باطنها؛ فيقع في الخطأ والغلَطِ).
خامسًا: التزلُّف لأصحاب المناصب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة ذِكْرها:
تستفيض الأخبار بها على غير حقيقة؛ جلبًا للمنفعة، ودفْعًا للمضرَّة، فتُجسَّم الحسناتُ ويُبالَغ فيها، ويُتغاضى عن السيِّئاتِ، وربما تُختَلَقُ القِصصُ والأساطيرُ؛ رفعًا لشأنِ ذوي التَّجِلَّة والسُّلطانِ، فينقُل المؤرِّخُ مثلَ هذا، فيقع في الخطأ والغلط.
سادسًا: الجهل بحقائق الأحوال في الإعمار:
فكلُّ حادث لا بُدَّ لهُ من حقيقة تخصُّه في ذاتِه، وفيما يَعرض له من أحوالٍ، فإذا كان السامع عارفًا بحقائق الحوادث والأحوال في الوجود، أعانَه ذلك في تمحيص الخبر، وتمييز الغثِّ من السَّمين، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجهٍ يعرض، فمعرفة حقائق العمران هو أحسن الوجوه وأوْثقها في تمحيصِ الأخبار، وهو سابقٌ على التمحيص بتعديلِ الرُّواةِ.
وبهذا وضَعَ العلَّامة ابن خلدون الأصولَ الثابتة والقواعد الراسخة التي يُقامُ عليها عِلْمُ التاريخ، بعد أنْ كان قائمًا على الأوهام والأساطير.
فابن خلدون يُعتبر بحقٍّ واضعَ المنهج التاريخيِّ في صورةٍ مميَّزة عمَّا كان عليه سَلَفُه من المؤرِّخين المسلمين، وبصورةٍ مؤثِّرةٍ على مَنْ جاء بعدَه - خاصَّة الغربيِّينَ - وهو الذي نبَّهَ الأذهان إلى عدم الوقوف عند حدود النقْلِ، أو عدم تعارُض النقْل مع العقل فحسب؛ بل استحثَّ الآخَرين أن يتوسَّعوا في ذلكَ.
[1] المقدِّمة، ص 33 - 34.
مكانة التاريخ في الثقافة الإسلاميَّة (9)
(أسباب أخطاء المؤرخين السابقين في نظر ابن خلدون)
يرى العلَّامة ابن خلدون أنَّ الأسباب التي أدَّتْ بالمؤرِّخينَ إلى ما ارتكبوه من أخطاءٍ تاريخيَّةٍ كثيرةٌ، ومنها [1]:
أولًا: التشيُّع للآراء والمذاهب:
فالنفسُ إنْ كانت على حالةٍ من الاعتدال في قَبول الأخبار، أعطتْها حقَّها من التمحيص والنظر؛ حتَّى تتبيَّنَ صِدْقَها من كذبها، وأمَّا إذا خامرها تشيُّعٌ لرأيٍّ أو نِحْلة، قبِلتْ ما يوافِقُها من الأخبار لأوَّلِ وهْلَةٍ، وكان ذلك الميل والتشيُّع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبولِ الكذبِ ونقلِه.
وما دام التشيُّع للآراء والمذاهب يفعل بالمؤرِّخ هذا، فيجب عليه التخلُّص والتجرُّد منه، ولا يجعل للهوى سُلطانًا عليه، فيتَّصف بالحَيْدة والموضوعيَّة والتجرُّد، ويكون الحقُّ رائدًا له أينما كان.
ثانيًا: عُمْق الثقة بالناقلين، وعدم التمييز بينَ الصادق منهم والكاذب - يُوقِعُ المؤرِّخَ في الأخطاء والمغالطِ:
ولذا يرى العلَّامة ابن خلدون ضرورة تحرِّي الدِّقَّة فيمَنْ ينقُلُ عنه المؤرِّخُ، على الطريقة التي اتَّبعها المحدِّثُون في قبول المرويَّات، فإنْ كان المنقول عنه صادقًا أمينًا، قُبِل خبرُه، وإلَّا رُدَّ الخبرُ، كما يَنصَح المؤرِّخين ألَّا يستخدموا هذه القواعد (الحديثيَّة) حتَّى يعلموا أنَّ ذلك الخبر في نفسِه مُمكِنٌ أو مُمتنِعٌ، أمَّا إنْ كان مُستحيلًا، فلا فائدةَ للنظر في قواعد المحدِّثين.
ثالثًا: عدم الاهتمام بأهداف الأحداث، والذهول عن المقاصد:
فكثيرٌ من الأخباريِّين لا يعرف القَصْد بما عاين أو سمِع، وينقُل الخبرَ على ما في ظنِّه أو تخمينه، فيقع في الكذب والخطأ؛ ولذا يجب على المؤرِّخ أنْ يكونَ بصيرًا بأهدافِ الخبر الذي ينقُلُه، قديرًا على تفسيره تفسيرًا واقعيًّا.
رابعًا: الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع بسببِ ما يُداخلُها من التدليس والتصنُّع، فينقلها المخبِرُ كما رآها وهي بالتصنُّع على غير الحقِّ في نفسِه، وما ذاكَ إلَّا لأنَّ كثيرًا مِن الأخبارِ لا يدلُّ ظاهرُها على باطنها (كالحديث بما يُسمَّى الشفرة أو الخدع السياسيَّة، فينقُلها المؤرِّخُ على ظاهرها، وهو لا يعرف باطنها؛ فيقع في الخطأ والغلَطِ).
خامسًا: التزلُّف لأصحاب المناصب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة ذِكْرها:
تستفيض الأخبار بها على غير حقيقة؛ جلبًا للمنفعة، ودفْعًا للمضرَّة، فتُجسَّم الحسناتُ ويُبالَغ فيها، ويُتغاضى عن السيِّئاتِ، وربما تُختَلَقُ القِصصُ والأساطيرُ؛ رفعًا لشأنِ ذوي التَّجِلَّة والسُّلطانِ، فينقُل المؤرِّخُ مثلَ هذا، فيقع في الخطأ والغلط.
سادسًا: الجهل بحقائق الأحوال في الإعمار:
فكلُّ حادث لا بُدَّ لهُ من حقيقة تخصُّه في ذاتِه، وفيما يَعرض له من أحوالٍ، فإذا كان السامع عارفًا بحقائق الحوادث والأحوال في الوجود، أعانَه ذلك في تمحيص الخبر، وتمييز الغثِّ من السَّمين، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجهٍ يعرض، فمعرفة حقائق العمران هو أحسن الوجوه وأوْثقها في تمحيصِ الأخبار، وهو سابقٌ على التمحيص بتعديلِ الرُّواةِ.
وبهذا وضَعَ العلَّامة ابن خلدون الأصولَ الثابتة والقواعد الراسخة التي يُقامُ عليها عِلْمُ التاريخ، بعد أنْ كان قائمًا على الأوهام والأساطير.
فابن خلدون يُعتبر بحقٍّ واضعَ المنهج التاريخيِّ في صورةٍ مميَّزة عمَّا كان عليه سَلَفُه من المؤرِّخين المسلمين، وبصورةٍ مؤثِّرةٍ على مَنْ جاء بعدَه - خاصَّة الغربيِّينَ - وهو الذي نبَّهَ الأذهان إلى عدم الوقوف عند حدود النقْلِ، أو عدم تعارُض النقْل مع العقل فحسب؛ بل استحثَّ الآخَرين أن يتوسَّعوا في ذلكَ.
[1] المقدِّمة، ص 33 - 34.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره