مكانة التاريخ في الثقافة الإسلاميَّة (8)

(موقف ابن خلدون من المؤرخين السابقين)

 

اطَّلَع ابن خلدونَ على مؤلفات المؤرخين السابقين ومناهجهم، فوجدها تشتمل على الكثيرِ من الأمور المبالغِ فيها، والتى تحتاج إلى تمحيصٍ وإعادة نظرٍ، كماَ وجَدَ فيها كثيرًا مِنَ الأخطاء التى تحتاج إلى تصحيحٍ، وقد عبَّرَ عَنْ هذا بقولِهِ: "إنَّ فحولَ المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيَّامِ وجمعوها وسطروها في صحائف الدفاتِر، وأوعوها وخلطَها المتطفلونَ بدسائس من الباطلِ وهموا فيها وابتدعوهَا، وزخارف منَ الرواياتِ الضعيفة لفقرها ووضعوها، واقتفي تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوهَا وأدوها إلينا كما سمعوهَا، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوالِ ولم يراعوهَا، ولا رفضوا ترهات الأحاديثِ ولا دفعوهَا، فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح -في الغالب- كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والبصيرة تنقد الصحيح إِذ تمقل[1]، والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل، والناقد البصير قسطاس نفسهِ في تزيفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم" [2].

 

ثم أخذَ يوضح أمثلة لذلك كله كالتهويلِ في إحصاء الأعداد من الأموالِ والعساكر إذا عرضت الحكايات إذ هى مظنّة الكذب، ومطيَّة الهذر، ولا بُدَّ من ردِّهَا إلى الأصولِ، وعرضها على القواعد. وهذا كما فعل المسعودي وكثير من المؤرخين غيره في جيوش بني إسرائيل[3].

 

وكالبعدِ عَنْ الواقعيَّة والإغراق في الخيالِ والأوهام والمبالغاتِ الأسطوريَّة التى لا تستند إلى عقلٍ أو منطقٍ، ولا يؤيدهَا الواقع المُشاهَد.

 

وظلَّ يعدد الكثير من النماذج التى أخطأ فيها المؤرخون حتَّي قالَ: "لقد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالاطنابِ في هذه المغالط، فقد زلّت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديثِ والآراءِ، ونقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر، والغفلة عن القياس، وتلقوها هم أيضًا كذلكَ من غيرِ بحثٍ ولاَ رويَّةٍ، واندرجت في محفوظاتهم حتَّى صارَ فن التاريخ واهيًّا مختلَطًا، وناظره مرتبكًا، وعد من مناحي العامة"[4].

 

ولَمَّا طَالَع كتب السابقين -وهي على هذا النحو- أخذَ يُناقشهم فيما ذهبوا إليهِ من مزاعم، وما ارتكبوه من أخطاء ومغالط، ويفند أسباب أخطائهم ومغالطهم، ويضع القواعد التى تعصم المؤرخين من هذا كله.





[1] يعني تنظر. من مقله مقلاً: نظرَ إليهِ (راجع المعجم الوسيط ج2ص880).

[2] المقدمة (ص13 - 14).

[3] المقدمة (ص17).

[4] المقدمة - (ص27 - 28).