مكانة التاريخ في الثقافة الإسلاميَّة (3)

(فوائد التاريخ)

 

إنَّ للتاريخ فوائدَ جمَّةً؛ إذْ هو سجلٌّ لأحداث الحياة الإنسانيَّة وتقلُّبها بأهلها، منه يأخذ الإنسان العبرة والعظة والدرس والتجربة التي تُوقفه على أحوال الغابرين أفرادًا ومجتمعين، فبهِ يرى الإنسان بعين بصيرته: كيف تعمل سُنَن الله تعالى في المجتمعات بلا محاباةٍ ولا جَوْر؟! كيف تَرْقى الأمم وتهبط؟! كيف تقوم الدولة وتسقط؟! كيف تنتصر الدعوات وتُهزم؟!

 

كيف تحيا الحضارات وتموت؟![1].

كلُّ ما يُصلح الإنسانُ به أمرَ معاده ودينه، وما يُصلح به أمرَ معاملاته ومعاشه الدنيوي، وما يتَّصل بذلك من الأحوال التي يتكرَّر مثلُها وأشباهها أبدًا في العالم.

 

التاريخ غزيرُ النفع، كثيرُ الفوائد، بحيث يكون مَنْ عرَفَه كمن عاش الدهر كله، وجرَّب الأمور بأسْرها، وباشر تلك الأحوال بنفسه، فيَغزُر عقلُه، ويصير مُجرِّبًا[2].

 

ويؤكِّد العلَّامة ابن خلدون فوائد التاريخ وفلسفته بأنَّه فنٌّ عزيز المذهب، جمُّ الفوائد، شريفُ الغاية؛ إِذ هو يُوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياساتهم، حتَّى تتمَّ فائدة الاقتداء في ذلك لِمَن يَرومه أحوال الدين والدنيا[3].

 

وعلى هذا، فالتاريخ له فوائده الدينية والدنيوية والأخرويَّة التي تنفع المرء في عاجل أمره وآجله.





[1] انظر: ثقافة الداعية؛ أ.د يوسف القرضاوي (ص102)، ط مؤسسة الرسالة - بيروت - ط11 - 1407هـ 1987م.

[2] الإعلان بالتوبيخ لِمَن ذم التاريخ؛ السخاوي (ص32).

[3] انظر مقدمة ابن خلدون (ص17).