الحروب مع بَابَك الخُرَّمي

ومعركة البَذِّ سنة 222 هـ


سببها: أن بَابَك الخرمي ظهر في إقليم الجبال في منطقة بحر قزوين الغربية، وهي منطقة مهمة جدًّا وقريبة من قلب الدولة العباسية وعاصمتها بغداد؛ ولهذا فإن بابك كان يشكل خطرًا على الخليفة، إضافة إلى خطره المتمثل في معتقداته المجوسية - مثل جواز نكاح المحارم، وتناسخ الأرواح - كما كان سفاكًا للدماء، فقد ذُكر أن عدة مَن قتلهم من ابتداء ظهور أمره سنة 201هـ إلى أن لاقى حتفه سنة 222هـ، يزيد على مائتين وخمسين ألفًا، فضلًا عن الأسرى والسبايا من النساء والأولاد، وفجوره بالنساء، فكان لا يسمع بامرأة حسناء في البلدان التي خضعت له أو المجاورة لها إلا أخذها بالقوة بعد أن يقتل أهلها وعشيرتها، وقد غذَّى الروم حركته للنَّيْل من الدولة العباسية، فتصدى له الخليفة المأمون، لكنه مات ولم يحرزْ عليه نصرًا، ثم تصدى له المعتصم فكسر له عددًا من الجيوش، ثم رماه بقائده الأفشين، فواقعه عدة سنوات وبحذر شديد حتى لا يصيبه ما أصاب القادة قبله، وفي هذه المدة عرف الأفشين خططه ومكايده ومكامنه الخطرة، ثم بتحريض من المعتصم، وبالإمدادات المتوالية من الجند والمال، تقدم الأفشين في البلدان الخاضعة لبابك إلى أن حصره في مدينته الحصينة "البَذِّ"، وكانت الوقعة الكبيرة في 20 رمضان سنة 222هـ؛ حيث احتل الأفشين الجبال المجاورة لها، وحفر الأنفاق وكشف أماكن الكمائن كلها، عند ذلك وضع الخطة وأمر بالهجوم، والتقى الجيشان في حرب طاحنة، وظن بابك أنه سيَهزم جندَ الخلافة كعادته، لكن سيل الجنود المسلمين تدفق للأمام، وتخطى كل العقبات والكمائن، كما تخطى العجلات وتحاشاها الجنود، ولم يكن لها أثر يذكر - دحرجت عليهم عجلات من أعلى الجبل وهي محملة بالصخور والنيران - واستمر القتال حتى الغروب إلى أن وصلوا إلى البذ عاصمة بابك وملجئه، فدخلوها وعَلَوا قصورها ودار القتال في أحيائها، فلما رأى بابك ما حلَّ به هرب مع بعض أهله وحمل معه الزاد، ثم وقع بقية أهله في الأسر، وفك المسلمون الأسرى الذين كانوا في حوزته وسجونه من النساء والأولاد، وكانوا (76000)، وتابعه الأفشين وبث خلفه المطاردين، فكانت وجهته أرمينيا، فأرسل إليهم أن يقبضوا عليه ويسدوا عليه المنافذ إلى أن وقع في قبضة سهل بن سنباط، الذي تظاهر بإخفائه، ثم أرسل إلى الأفشين يُعلمه بخبره، فسير له الأفشين مَن قبض عليه وسيق مع أهله وأخيه إلى المعتصم، فشهر به في سامراء وطِيف به على فيل، ثم قُتِل وصلب بدنه في سامراء، وأرسل رأسه إلى خراسان.