شمال إفريقيا قبيل تنصيب يوبا الثاني على العرش

 

مقدمة:

قبيل تولِّي يوبا الثاني العرش، حدَثت حوادثُ مهمة أدَّت إلى تقسيم جيوسياسي جديد لمنطقة شمال إفريقيا، خلال النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، خصوصًا بعد سقوط المملكة النوميدية سنة 46 ق.م التي كان من نتائجها توسُّع المملكة الموريطانية شرقًا، التي آلت في نهايتها إلى سلطة الملك يوبا الثاني تحت الرعاية الرومانية[1].

ومن خلال هذا المقال التاريخي سنَسترسل في البحث عن أوضاع شمال إفريقيا إبان النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد.

 

أ- هزيمة يوبا الأول وإعادة تقسيم المقاطعات الرومانية في شمال إفريقيا:

بعد انتصار الحزب القيصري في معركة تابسوس، واستسلام مدينة "زاما" عاصمة يوبا الأول أمام يوليوس قيصر - قام بإعادة تنظيم المقاطعات الإفريقية، من خلال تقسيم جديد يشمل الأراضي المحتلة للمملكة النوميدية؛ لتُشكِّل بذلك مقاطعتين رومانيتين، المقاطعة الأولى البروقنصلية تحت اسم إفريقيا القديمة إلى الخندق الملكي الذي حفره سكيبيون، والثانية تشمل الأراضي الشرقية للمملكة النوميدية سابقًا من الخندق الملكي إلى غرب مدينة هيبون في الشمال تحت اسم مقاطعة إفريقيا الجديدة، وقد عُيِّن عليها حاكمًا المؤرخُ سالوستيوس[2].

 

ب - تشكيل يوليوس قيصر مستعمرات ومنْحها المرتزقةَ:

كما قام أيضًا "يوليوس قيصر" باقتطاع جزء من الأراضي النوميدية - مُشكلًا منها مستعمرات منحها المرتزقة لقاءَ مساندتهم له في حربه ضد البومبيين وحليفهم يوبا الأول - التي كانت تفصل المقاطعة الجديدة عن أراضي المملكة الموريطانية للملك بوكوس الثاني، أما نوميديا الغربية التي كانت تابعة للملك ماستنيسا، فقد ضُمَّت إلى مملكة بوكوس الثاني حليف يوليوس قيصر.

 

ج - وفاة يوليوس قيصر وتردِّي الأوضاع في المقاطعات الإفريقية:

بعد وفاة يوليوس قيصر سنة 44 ق.م شهِدت الإمبراطورية الرومانية العديدَ من الصراعات التي انعكست على تردِّي الأوضاع في المقاطعات الإفريقية؛ إذ نشب صراع بين حاكمي المقاطعتين البروقنصلية والجديدة.

تزامن هذا الخلاف مع عودة القائد النوميدي "أرابيون"[3]، وبهدف استرجاع أملاك والده قام باغتيال المرتزق سيتيوس سنة 44 ق.م، وأقام الهدنة مع ابنه، وساعد سكيستوس[4] في فك الحصار على سيرتا.

 

استرجع أرابيون أراضي من أملاك والده، ولكنه قُتِل غدرًا من طرف حليفه "سكيستوس"، وضُمَّت أراضيه إلى مملكة بوكوس الثاني.

وبحلول سنة 29ق.م عُيِّن أوطرونيس حاكمًا للمقاطعتين الإفريقيتين معًا، واستمرت الولايتان موحدتين إلى سنة 27 ق.م؛ حيث أُعيد تقسيمهما من جديد، فأوكلت إلى مجلس الشيوخ البروقنصلية (إفريقيا العتيقة)، في حين قام الإمبراطور أغسطس بتعيين يوبا الثاني حاكمًا على إفريقيا الجديدة إلى 25م[5].

 

خاتمة:

لم تكن منطقة شمال إفريقيا بمنأى عن الحوادث التي شهِدها العالم القديم خلال القرن الأول قبل الميلاد، وإنما كانت تتأثر بكلِّ ما يجري حولها، وتؤثر فيه أيضًا، بل كانت في كثيرٍ من الأحيان محورًا أساسيًّا للأحداث التاريخية المهمة.

ولذلك لم تكن مهمة حُكم هذه المنطقة وتسيير شؤون رعيتها بالأمر الهيِّن على حاكمها الجديد "يوبا الثاني".





[1]. JULIEN Ch. A, Histoire de l’Afrique du Nord, des Origines à 1830, 3eme Ed. Payot & Rivages, Paris ) 1994, p. 147, 148.)

[2] محمد التازي سعود؛ صفحات من تاريخ المغرب القديم، منشورات فكر، الرباط، المملكة المغربية، 2008، ص60،

وسالوستيوس - ويكتب أيضًا سالوست، وساليت، وسالوستيس - مؤرخ روماني وُلِد سنة 86 ق.م بمينة أميترنوم بإيطاليا، وتوفِّي سنة 34 ق.م بروما، وتنتمي ساليست إلى أسرة من العامة، وهو من مناصري يوليوس قيصر ومؤيديه، وقد ولَّاه يوليوس قيصر ولاية "إفريقيا الجديدة"، وهي الأراضي المنتزعة من الملك يوبا الأول سنة 45 ق.م.

ومن أشهر مؤلفاته: حرب يوغرطة، ومؤامرة كاتيلينا؛ للمزيد ينظر:

علي عبداللطيف أحمد؛ مصادر التاريخ الروماني، دار النهضة العربية، بيروت 1970، ص13.

[3] أرابيون: هو ابن مصانسيس، ولَمَّا قسَّم قيصر مملكتي والده ويوبا، ذهب إلى الأندلس، فجمع هنالك جيشًا من المرتزقة، واشتغل بالحرابة زمنًا، وقاتَل قيصر هناك، وعاد إلى وطنه سنة44، وخاض عدة حروب، وقد كان أرابيون عاملًا جريئًا مفكرًا، داهية شجاعًا مِقدامًا، صاحب آمال كبيرة، وكان ينوي إخراج الرومان من نوميديا، ولكنه لم يوفَّق في ذلك، وكان أرابيون خاتمة ملوك نوميديا الذين وقفوا في وجه الاستعمار الروماني؛ للمزيد ينظر:

مبارك الميلي؛ المرجع السابق، ص221.

[4] سكيستوس: هو قائد روماني نصَّبه أوكتافيوس واليًا على إفريقيا الجديدة، وقد خاض عدة حروب فيها؛ للمزيد ينظر:

شارل أندري جوليان؛ تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس الجزائر، المغرب الأقصى، من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م؛ تعريب محمد مزالي، والبشير بن سلامة، مؤسسة تاوالت الثقافية 2011، ص136.

[5] ستيفن غازال؛ تعريب محمد التازي سعود؛ تاريخ شمال إفريقيا القديم: (يوليوس قيصر ونهاية الممالك الأهلية)، ج 8، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2007، ص138.