ماذا صنعت أوربا الحديثة للرقيق؟


إن أوربا لا تَعرِف الدِّينَ إلا وسيلة لإشباع آثامها، وإرضاء أطماعها، وهي قلما تستوحي رُوحه أو نصوصه فيما تُشرِّعه من سياسات لمعاملة الآخرين، وليس لديها من بأس في أن تنتفع بالعقائد الدينية أو برجال الدِّين، وإذا كان ذلك يُشوِّه الإسلام، وينتقِص أمنَه!

 

عندما اتَّصلت أوروبا بإفريقيا السوداء كان هذا الاتصال مأساة إنسانيَّة، عرَّضت الزنوج لبلاء هائل طوال خمسة قرون، فإن الدول الأوربية نظَّمتِ اختطاف هؤلاء المساكين واجتلابهم إلى بلادهم لتُكلِّفهم بأشق الأعمال، فلما اكتُشِفت "أمريكا" آخر القرن الخامس عشر، ازداد البلاء النازل بهؤلاء السود التعساء؛ لأن عبء الخدمة المنوط بهم أصبح يَمتدُّ إلى قارتين بدل قارة واحدة.

 

وتقول دائرة المعارف البريطانية[1]: "إن اصطياد الرقيق من قُرَاهم المحاطة بالأدغال كان يتم بإيقاد النار في الهشيم الذي صُنعت منه الحظائر المحيطة بالقرى، حتى إذا نفَر أهلُ القرية إلى الخلاء تصيَّدهم الإنجليز بما أعدُّوا لهم من الوسائل.

 

وعدا مَن كانوا يموتون من القنص الآدمي في الرحلة إلى الشاطئ الذي ترسو عليه مراكبُ الشركة الإنجليزية وغيرها، كان ثلث الباقين يموت بسبب تغيُّر الطقس، ويَمُوت خلال الشحن حوالي 4.5% منهم، و12% في أثناء الرحلة، أما مَن يموتون في المستعمرات، فلا حصْر لهم، فإن مستعمرة جامايكا البريطانية وحدها قد دخلها سنة 1820م ما لا يقل عن ثمانمائة ألف رقيق، ولم يبقَ في تلك السنة منهم سوى ثلاثمائة وأربعين ألفًا، وكَثُر عدد الزنوج في أمريكا حتى بلغ حوالي عشرين مليونًا، هاجر أكثرهم منذ أُعلِن تحريرهم، وأسَّسوا لهم مملكةً في إفريقيا تُعرَف الآن باسم "ليبيريا" الذي يحمل معنى الحرية.

 

وكان احتكار تجارة الرقيق على سواحل إفريقيا مقصورًا على الإسبانيين، ثم انتقل إلى البرتغاليين من 1580م - 1640م، ثم تَسابقت الدول الأوربية إلى هذه التجارة بعد ذلك.

 

وتذكُر دائرة المعارف البريطانية أيضًا: أن التجار البريطانيين كانوا يُورِّدون الرقيقَ إلى المستعمرات الإسبانية، ومَكثتْ هذه التجارة مدة طويلة في أيدي شركات حصلت من الحكومة على حق احتكارها، ثم أطلقتْ فيها أيدي جميع الرعايا البريطانيين، ويُقدِّر "بريان إدوارد"، مجموع ما استولى عليه البريطانيون من الرقيق واستعبدوه في المستعمرات خلال المدة 1680 - 1786م بحوالي 2,13,000 شخص[2]، وبلغت هذه التجارة أَوْجَ اتساعها قبل حرب الاستقلال الأمريكية، وكانت قواعدها في ليفربول ولندن، وبرستول ولانكشاير.

 

وكانت الملكة "إليزابيث الأولى" تُشارِك فيها، وأعارت التجار بعض أساطيلها، وقد حكمت هذه الملكة من 1558 - 1603، وكانت شريكة "لجون هوكنز" أعظم نخَّاس في التاريخ، وقد رفعتْه إلى مرتبة النبلاء، إعجابًا ببطولته، وجعلت شعاره رقيقًا يرفل في السلاسل والقيود، ومن المفارقات الطريفة أن السفينة التي أعارتها لجون هوكنز، كانت تُسمَّى "يسوع"، وكان مخصصًا للإبحار بالرقيق من الموانئ المذكورة إلى مواطن الاستعباد 192 سفينة، تتَّسِع حمولتها في الرحلة الواحدة لحوالي 47.146 رقيقًا، وتعطَّلت تجارة البريطانيين فيه أثناء الحرب الأمريكية قليلاً، ثم تزايدت بعدها تزايدًا كبيرًا[3].





[1] دائرة المعارف البريطانية (2: 779).

[2] دائرة المعارف البريطانية؛ نقلاً عن حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة (ص: 111،110).

[3] حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة (ص: 111) بتصرف.