الإسرائيليون عرفوا نوعين من الاسترقاق


أحدهما: استرقاق بعض اليهود عِقابًا لهم على ارتكاب خطيئة من الخطايا المحرَّمة شرعًا، أو وفاء لدَينٍ عليهم.

 

والآخر: استرقاق غير اليهود من الشعوب التي كان اليهود يُحاربونها، وكانوا يبيعون أسراهم الأرقاء بيع السلع، ويستخدمونهم في الخدمة بالمنازل وفي الزراعة، ويُعاملونهم معاملةَ الماشية.

 

وكان الإسرائيليون يَسترِقُّون جميع النساء والأطفال من البلد الذي يغلِبونه، أما الرجال فقد كانوا يضربون رِقابهم بحد السيف، ويُفنوهم جميعًا، كما أمرتهم كتبهم المقدسة[1].

 

وفي الوقت الذي يُنكِر فيه اليهودُ على الإسلام أنه أباح الرقَّ، نجد توراتَهم قد طفحت به في كثير من أسفارهم وإصحاحاتهم، وقد ذكرته على لسان نوح - عليه السلام - وغيره[2].

 

وكذلك وجدنا اليهود يحكمون بالرقِّ على أي إنسان تأخَّر في سداد دينه، ولو يومًا واحدًا، في بُعْد عن معالم الإنسانية، وصور الرحمة[3].

 

وكذلك أقرَّت المسيحية الرقَّ، وأوصت الأرقاء بالصبر عليه والرضا به؛ ففي وصية الرسول "بولس" للرُّوحانيين: لتخضع كلُّ نفس للسلاطين العالية؛ فإنه لا سلطان إلا من الله، وهؤلاء السلاطين قد رتَّبهم الله، فمَن يُقاوِم السلطان يُعانِد ترتيب الله[4].

 

وهو الذي كتب إلى أهل "أفسس" رسالة أوصى فيها العبيد بأن يُخلِصوا لساداتهم كما يخلصون للسيد المسيح[5]، وكان الحواري "بطرس" يأمر العبيدَ بالولاء لسادتهم، ويَحُثهم على الخَشية منهم، كأنها من آداب الدين[6]، ثم جاءت الكنيسة فأقرَّت نظامَ الرق، ووافَق عليه أحبار رومية في مواعظهم ومنشوراتهم، وأوجبوا على العبيد أن يخضعوا لسادتهم، وعلَّلوا ذلك بأن الرقَّ كفارة عن ذنوب البشر يؤديها العبيد، لما استَحقوا من غضب الله[7].

 

وإذا كان أرسطو قد حاول أن يُفلسِف الاسترقاق في عصر الوثنيَّة، فإن "توماس الأكويني" كبير فلاسفة النُّساك والقسيسين وتلميذ أرسطو قد حاول أن يُفلسِف نظامَ الرقِّ في عصر المسيحية - مع اشتهاره بالنُّسك والتقوى والعلم في القرن الثالث عشر الميلادي - معتمدًا على أقوال رسلِ المسيحية، ومستندًا إلى رأي أرسطو في كتابه عن السياسة، وخلاصة تعليل توماس الأكويني: أن الزهد في الحياة يحمِل على الرضا وعلى القناعة بأحطِّ المنازل، ومن هنا كان الرق لا غضاضةَ فيه؛ لأنه قناعة بالمكانة الدنيا، ولأنه يتَّفِق مع آداب الديانة، والخضوع للضرورات[8].

 

وتتوالى تعاليمُ الكنائس على الاعتراف (القديس سيبريان، والقديس جورجيا الأكبر)، ويقول القديس (باريل): "ويتعيَّن على العبدِ أن يُطيع سادته بكل إخلاص، وبطيبة قلب يمجِّد الله"، ويستنتج "باريل" من تصرُّف بولس الرسول حين أعاد عبدًا آبقًا إلى سيده ورجاه أن يُعامِله بالتسامح، "أن العبد لا يجوز له أن يَفِر من سيده، وأنه يجب إرجاع العبيد الآبقين إلى سادتهم، وليس للعبد أن يَفِر، وإلا كان آثمًا، وحسب تعاليم القديس "كريستوم": إن العبد الذي يُطيع سيده ويخدُمه بإخلاص يرضي الله، ويثاب على طاعته، والقديس "إجناس" مطران أنطاكية، يدعو عبيد الكنيسة أن يخدُموا بحماس وإخلاص حتى يحوزوا رضاء الرب، يقول القديس "إزيدورالبليسي": "إن العبد المسيحي يجب أن يظل عبدًا، وأنه إذا مُنِحت له الحرية، عليه ألا يَقبلها؛ فإن خدمة العبد على الأرض هي خدمة للسيد في السماء... إلخ"[9].





[1] انظر سفر التثنية، إصحاح 13 (15 - 16) وغيره، سماحة الإسلام (ص: 205) بتصرف.

[2] انظر: سفر التكوين، إصحاح 9(25 - 27)، 14 (14)، 16 (1)، 20 (14)، 22 (5)، 24 (24، 25)، 25 (6)، سفر الخروج، إصحاح 2 (2 - 12) 11 (7 - 12) ، سفر التثنية، إصحاح 20 (13، 14).

[3] انظر مبحث تعصُّب اليهود.

[4] رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، إصحاح 13 (1 - 3) بتصرف.

[5] إصحاح 6 (6، 9) بتصرف.

[6] رسالة بطرس الأولى، إصحاح 2 (18 - 26).

[7] سماحة الإسلام (ص: 205، 206) بتصرف.

[8] بلال داعي السماء للعقاد (ص: 74) بتصرف، عن سماحة الإسلام (ص: 205، 206).

[9] محمد محرِّر العبيد، محمد شوكت التوني (ص: 27، 28) بتصرف، ط الشعب، الثانية، وحقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة (ص: 107 - 109) بتصرف.