ثورة المكابيين الدينية


"رغم أن ضباط أنتيوخس تمكَّنوا من تدنيس الهيكل بقرابين لحم الخنزير، إلا أن كثيرًا من عامة الشعب رفضوا ذلك وقبلوا حكم الإعدام، وعندما وصل الضباط إلى إحدى المدن ليجبروا الشعب على تقديم الذبائح النجسة، فإن الكاهن المحلي متاثياس قتل كلاًّ من: الموظف السوري، واليهودي الذي كان يجهِّز القربان، وبصيحة حرب لجأ هو وأولاده الخمسة إلى التِّلال المجاورة ومعهم بعض الرجال والسلاح، ثم رفعوا راية العصيان عام 167 ق.م ضد مطالب حكَّام سوريا، وفي السنة التالية مات متاثياس، وانتقلت القيادة إلى ابنه يهوذا، الذي عُرف باسم: المكابي؛ أي: المطرقة، ومنه عرف الثائرون باسم المكابيين.

 

ولا شك أن أهمية هذه الحركة ترجع إلى كونها حركة شعبية قامت على معتقدات دينية، أكثر من أنها سمحت باستقلال يهوذا بعض الوقت.

 

إن أرض يهوذا من النوع الذي يُمكِّن من شنِّ حرب العصابات بنجاح؛ ذلك أن وديانها العميقة، وشعابها الضيِّقة، وجوانبها الشرقية القاحلة من جبال وصحارى - كل ذلك يُمكِّن قوة صغيرة ثائرة من إيقاف وصد قوات أكبر منها في العدد والعدَّة؛ ولهذا استطاع يهوذا المكابي هزيمة القوات السورية التي أُرسلت ضده، وحصل على الحريَّة الدينية عام 162 ق.م، وعندئذٍ فكَّر في الاستقلال السياسي، إلا إنه لم يتخير الوقت المناسب؛ فقد كان حكَّام سوريا أقوياء، بينما أصاب الضعف تنظيمه الداخلي؛ بسبب انصراف الشعب عنه بعد أن حصل على الحرية الدينية وسئم الحرب، وفي إحدى المعارك قتل يهوذا المكابي عام 160 ق.م، وتولَّى القيادة بعده أخوه يوناثان واستمرَّت حرب العصابات.

 

وفي عام 157 ق.م ساد السلام ولكن تحت حماية السوريين، الذين حصل يوناثان منهم على اعتباره ملِكًا صغيرًا ضمن الممتلكات السورية، والأهم من ذلك أن آخر رؤساء الكهنة من الهلينيين مات عام 154 ق.م، وعندئذٍ استطاع يوناثان أن يحصل من حكام سوريا لنفسه على لقب رئيس الكهنة عام 152 ق.م رغم أنه لم يكن من البيوت التي اختصت بالكهانة.

 

ولقد قتل يوناثان عام 143 ق.م في مؤامرة، وخلفه أخ آخر هو سمعان، الذي استطاع أن يجعل الكهانة وراثية في بيته، لكنه قتل كذلك مع ولدين له عام 143 ق.م، وخلفه ابنه الثالث يوحنا هركانوس.

 

ولقد كان هركانوس الأول (134 - 104 ق.م) قانعًا بألقابه، وعمل خلال ثلاثين عامًا من حكمه على مدِّ حدوده، وفي عام 128 ق.م تركَه حكَّام سوريا يحقق طموحه باستخدام جيش من المرتزقة، فاستولى على السامرة وخرَّبها، وهدَمَ هيكلها المقام على جبل جرزيم، ومدَّ حدودَه الجنوبية إلى أدوم، وأجبر شعبَها على اعتناق اليهودية، كما أجبر الذكور على الختان.

 

ولقد كان سلوكه مع الأدوميين بالإضافة إلى عوامل أخرى سببًا في الصراع الذي قام بينه وبين الفريسيين، الذين سبَقَ أن ساندوا المكابيين في أول ثورتهم، لكنَّهم ما لبثوا أن انصرفوا عنهم عندما تحوَّلت غايات المكابيين من المجال الديني إلى المجال السياسي.

 

وبعد موت هركانوس تولَّى أحد أبنائه ويُدعى أرستوبولس، واستمرَّ في سياسة أبيه من إجبار الناس على الختان، ولكنه تُوفي في نفس العام فقامت أرملته سالومي بفكِّ أسر أخيه ياناي الذي كان قد أودعه السجن، ثم تزوجته وجعلته رئيسًا للكهنة وملِكًا على الولاية.

 

لقد جاء المكابيون إلى السلطة عندما ركبوا موجة الحماس الديني التي اجتاحت الشعب، لكن هذا الحماس ما لبث أن تضاءل بالتدريج حتى تحوَّل إلى حقد وكراهية، حين رأى الشعب أن المنصب المقدَّس لرئيس الكهنة أصبح يتولاَّه أشخاص غير جديرين به، ولا يختلفون كثيرًا عن أفراد تلك الطبقة الهللينية من اليهود الذين سبق أن ثار الشعب ضدَّهم أيام متاثياس.

 

ولقد كان من بين أعداء ياناي في الخارج العرب الأنباط في شرق الأردن، بينما كان الفريسيون أعداءَه في الدَّاخل؛ ولهذا طلب من زوجته قبل موته أن تقيم سلامًا مع الفريسيين، ولقد فعلت ذلك واستطاعت أن تحكم لمدة نحو عشر سنوات (76 - 67 ق.م)، بينما تمتَّع ابنها هركانوس الثاني بلقب رئيس الكهنة، وبعد موتها فإن ابنها الأصغر أرستوبولس بدأ حربًا أهليَّة ضد أخيه، وتبع ذلك فترة من الاضطراب التام؛ حيث كان هركانوس يجد في طلب المعونة من أنتيباس ابن حاكم أدوم، وكان هذا الرجل ذا طموح وشخصية قوية، ولكن قبل أن يقدِّم الأخير معونته، ظهرت روما على المسرح حين غزت سوريا، وتدخَّلت في النزاع، فقضى القائد الروماني بومبي لصالح هركانوس، بيد أنه لم يمنحه إلا لقب رئيس الكهنة فقط، بينما منح أنتيباس لقب حاكم اليهودية.

 

ولقد سبَّب أرستوبولس بعض الاضطرابات حتى مات مسمومًا عام 49 ق.م، وفعل ابنه أنتيوخس مثله فأعدمه الرومان عام 37 ق.م؛ بسبب تواطئه مع الفرس وقبوله منهم لقب الملك، ولقد عاش هركانوس الثاني حتى عام 30 ق.م رغم أنه فقد وظيفته عام 40 ق.م، ومنذ ذلك الحين صار لقب رئيس الكهنة يُمنح فقط للحاكم الفعلي لليهودية.

 

وأخيرًا فقد انتقل الحكم السياسي إلى عائلة أنتيباس (الأدومي) الذي عيَّنه قيصر حاكمًا على اليهودية عام 47 ق.م، وفي نفس الوقت عيَّن ابنه هيرودس - الكبير - حاكمًا على الجليل، ثم أضيفت إليه السامرة فيما بعد.

 

وكانت زوجة أنتيباس أميرة من العرب الأنباط، ولقد ورث عنها - هيرودس - كثيرًا من الثراء، وفي عام 40 ق.م تسلَّم هيرودس لقب الملك، ونظرًا لأن نصفه أدومي ونصفه عربي؛ فلم يتقبَّله الرعايا اليهود بارتياح رغم أنه أظهر عبقرية في الحكم والإدارة.

 

وقد أعاد هيرودس بناء الهيكل ببذخ ملحوظ، وبنى قيصرية التي جُعلت قصر الحاكم الروماني فيما بعد، كذلك فإنه أعاد بناء السامرة وسمَّاها سبسطيا؛ تكريمًا للإمبراطور، وقد تُوفي عام 4 ق.م ومنحه التاريخ لقب الكبير.

 

ولقد صدق القيصر على ما كان قد اقترحه هيرودس قبل وفاته من تولي أولاده من بعده، فعيَّن أكبرهم أرخيلاوس حاكمًا على اليهودية، وعيَّن هيرودس أنتيباس حاكمًا على الجليل وبيريا، وعيَّن هيرودس فيليبس على أرض الأمم.

 

ولقد بقي الأخيران في منصبيهما حتى وفاتهما، إلا أن أرخيلاوس لطَّخ حكمه بكثير من الدماء؛ مما اضطر قيصر إلى نفيه إلى فينا عام 6 ميلادية".