حركة عزرا للإصلاح الديني في تاريخ بيت المقدس
"في عام 548 ق.م سمح كورش الفارسي قاهر بابل للشعوب التي سبيت في الإمبراطورية البابلية بالعودة إلى وطنها.
ولقد كان الغرض الذي من أجله عاد يهود السبي من بابل دينيًّا صِرْفًا.
وفي عام 515 ق.م جُدِّد الهيكل وأعيد افتتاحه، ولكن يبدو أن الكهنة والشعب قد انغمسوا سريعًا في عاداتهم القديمة، حتى كان القرن الخامس ق.م. حين عاد الرجلان (نحميا وعزرا)، واللذان كان عملهما متميِّزًا، وإن كنا لا نعرف من الذي رجع أولاً، بيْد أنه من المرجَّح أن يكون نحميا، لقد كان نحميا موظفًا في البلاط الفارسِي، فجدَّد أسوار أورشليم ومبانيها، ثم تبِعَه عزرا الذي حمل معه مرسومًا من ملك فارس يخوِّله سلطة على الذين يعتنقون اليهودية في ولاية يهوذا وما حولها.
ولقد كان لعزرا ثلاثة أهداف:
الأوَّل: تجديد العهد بين الشعب وإلهه، مثل العهد الذي تلقَّاه آباؤهم في سيناء؛ ولذلك فقد أحضر معه نسخة مراجعة من التوراة، قرئت في مسامع الشعب، وترجمت إلى الأرامية التي حلَّت محل العبرية بعد أن فقد اللسان العربي بين الإسرائيليين.
والثاني: تطهير الشعب من خطاياه التي كانت سببًا في عقابه وسبيه، وشمل ذلك أيضًا تطهير الهيكل وطقوس العبادة مما علق بها؛ فقد ملأ سليمان الهيكل بمعبودات الوثنيين إرضاء لزوجاته، ولقد كانت إباحية تلك الزوجات الكافرات تعني السماح بالدعارة بين كلا الجنسين، ووأد البنين، وممارسة كل طقوس الإخصاب التي تخصَّصت فيها الشعوب المجاورة.
والثالث: جعل الشعب يمارس عقيدته في حياته اليومية.
لقد حوَّل عزرا خبرات السبي في بابل إلى ثورة دينية نشطة، ورغم أنه اهتمَّ كثيرًا بالهيكل والكهانة، إلا أن شغله الشاغل كان حياة الشعب، وتغليفها بالعقيدة الدينية"[1].
"والحق أننا لا نعرف إلا القليل عن نوع الحكومة في ولاية يهوذا؛ فقد كان نحميا حاكمًا عيَّنه الفرس، وكان لديه تفويض له قوة النفاذ، لكن عزرا لم يكن من الحكَّام.
ومن المصادر اليهودية يمكن القول بأن قيادة الأمة قد آلت إلى طبقة من كبار الكهنة، وهم جمع صغير من العائلات الثريَّة"[2].
"حتى إذا كان عام 332 ق.م مرَّ الإسكندر بولاية يهوذا أو مقاطعة اليهودية في طريقه إلى مصر، وكأن مروره بداية عصر لها، فبعد موته عام 323 ق.م. اقتسم قوَّاده الإمبراطورية، وخضعت يهوذا للبطالسة الذين حكموا مصر، واستمرَّت تبعيَّة يهوذا لحكام مصر نحو قرن، وفي هذه الأثناء غرقت الطبقة الثريَّة من اليهود فيما يُعرف بالهللينية - وهي الثقافة والحضارة ونظام الحياة الإغريقية - هذا بينما بقي غالبية الشعب اليهودي مخلصين لعقيدتهم.
وعند نهاية القرن الثالث ق.م أدار حكام سوريا أعينَهم نحو الجنوب، وقام أنتيوخس الكبير (223 - 187 ق.م) بهزيمة بطليموس الرابع (203 - 181 ق.م) في معركتين عامي 200، 198 ق.م. لكن قوة روما منعته أن يجني ثمار نصره كاملاً، واضطرَّته إلى دفع ضريبة كبيرة حتى يحتفظ بعرشه، فدفع الجزية بعد نهب ثروات المعابد والهياكل، ومن بينها هيكل أورشليم.
ولقد رحَّب الحزب الهلليني من اليهود بذلك الأمر الذي أغضب عامة الشعب، وجعله يثير الشغب والقلاقل لمدة نصف قرن حتى استقرَّ أنتيوخس أبيفانس (175 - 163 ق.م) إلى قرار نهائي، وهو أنه لكي يستتب السلام فلا بد من محو اليهودية عقيدةً، وفرض الحياة الهللينية على كل الشعب.
ولقد بلغ الفساد بعائلات كبار الكهنة حدًّا كبيرًا، لدرجة أنهم أصبحوا على استعداد لقبول ذلك، بل إنهم شاركوا في نهب عوائد الهيكل وثرواته".
[1] المرجع 19 - ص 13 - 15.
حركة عزرا للإصلاح الديني في تاريخ بيت المقدس
"في عام 548 ق.م سمح كورش الفارسي قاهر بابل للشعوب التي سبيت في الإمبراطورية البابلية بالعودة إلى وطنها.
ولقد كان الغرض الذي من أجله عاد يهود السبي من بابل دينيًّا صِرْفًا.
وفي عام 515 ق.م جُدِّد الهيكل وأعيد افتتاحه، ولكن يبدو أن الكهنة والشعب قد انغمسوا سريعًا في عاداتهم القديمة، حتى كان القرن الخامس ق.م. حين عاد الرجلان (نحميا وعزرا)، واللذان كان عملهما متميِّزًا، وإن كنا لا نعرف من الذي رجع أولاً، بيْد أنه من المرجَّح أن يكون نحميا، لقد كان نحميا موظفًا في البلاط الفارسِي، فجدَّد أسوار أورشليم ومبانيها، ثم تبِعَه عزرا الذي حمل معه مرسومًا من ملك فارس يخوِّله سلطة على الذين يعتنقون اليهودية في ولاية يهوذا وما حولها.
ولقد كان لعزرا ثلاثة أهداف:
الأوَّل: تجديد العهد بين الشعب وإلهه، مثل العهد الذي تلقَّاه آباؤهم في سيناء؛ ولذلك فقد أحضر معه نسخة مراجعة من التوراة، قرئت في مسامع الشعب، وترجمت إلى الأرامية التي حلَّت محل العبرية بعد أن فقد اللسان العربي بين الإسرائيليين.
والثاني: تطهير الشعب من خطاياه التي كانت سببًا في عقابه وسبيه، وشمل ذلك أيضًا تطهير الهيكل وطقوس العبادة مما علق بها؛ فقد ملأ سليمان الهيكل بمعبودات الوثنيين إرضاء لزوجاته، ولقد كانت إباحية تلك الزوجات الكافرات تعني السماح بالدعارة بين كلا الجنسين، ووأد البنين، وممارسة كل طقوس الإخصاب التي تخصَّصت فيها الشعوب المجاورة.
والثالث: جعل الشعب يمارس عقيدته في حياته اليومية.
لقد حوَّل عزرا خبرات السبي في بابل إلى ثورة دينية نشطة، ورغم أنه اهتمَّ كثيرًا بالهيكل والكهانة، إلا أن شغله الشاغل كان حياة الشعب، وتغليفها بالعقيدة الدينية"[1].
"والحق أننا لا نعرف إلا القليل عن نوع الحكومة في ولاية يهوذا؛ فقد كان نحميا حاكمًا عيَّنه الفرس، وكان لديه تفويض له قوة النفاذ، لكن عزرا لم يكن من الحكَّام.
ومن المصادر اليهودية يمكن القول بأن قيادة الأمة قد آلت إلى طبقة من كبار الكهنة، وهم جمع صغير من العائلات الثريَّة"[2].
"حتى إذا كان عام 332 ق.م مرَّ الإسكندر بولاية يهوذا أو مقاطعة اليهودية في طريقه إلى مصر، وكأن مروره بداية عصر لها، فبعد موته عام 323 ق.م. اقتسم قوَّاده الإمبراطورية، وخضعت يهوذا للبطالسة الذين حكموا مصر، واستمرَّت تبعيَّة يهوذا لحكام مصر نحو قرن، وفي هذه الأثناء غرقت الطبقة الثريَّة من اليهود فيما يُعرف بالهللينية - وهي الثقافة والحضارة ونظام الحياة الإغريقية - هذا بينما بقي غالبية الشعب اليهودي مخلصين لعقيدتهم.
وعند نهاية القرن الثالث ق.م أدار حكام سوريا أعينَهم نحو الجنوب، وقام أنتيوخس الكبير (223 - 187 ق.م) بهزيمة بطليموس الرابع (203 - 181 ق.م) في معركتين عامي 200، 198 ق.م. لكن قوة روما منعته أن يجني ثمار نصره كاملاً، واضطرَّته إلى دفع ضريبة كبيرة حتى يحتفظ بعرشه، فدفع الجزية بعد نهب ثروات المعابد والهياكل، ومن بينها هيكل أورشليم.
ولقد رحَّب الحزب الهلليني من اليهود بذلك الأمر الذي أغضب عامة الشعب، وجعله يثير الشغب والقلاقل لمدة نصف قرن حتى استقرَّ أنتيوخس أبيفانس (175 - 163 ق.م) إلى قرار نهائي، وهو أنه لكي يستتب السلام فلا بد من محو اليهودية عقيدةً، وفرض الحياة الهللينية على كل الشعب.
ولقد بلغ الفساد بعائلات كبار الكهنة حدًّا كبيرًا، لدرجة أنهم أصبحوا على استعداد لقبول ذلك، بل إنهم شاركوا في نهب عوائد الهيكل وثرواته".
[1] المرجع 19 - ص 13 - 15.
[2] المرجع 19 - ص 17.
لقراءة المقال كاملاً من مصدره