من أخلاقيات الدول المحيطة بالجزيرة العربية قديماً


كانت أخلاقياتُ الدول المحيطة بالجزيرة العربية أشدَّ انحطاطًا، وأضرى سقوطًا:

ففي الدول الرومية الشرقية - وعلى كثرة مصائب الرعية - ازدادت الإتاواتُ، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهلُ البلاد يتذمَّرون من الحكومة، ويمقتونها مقتًا شديدًا، ويفضِّلون عليها كل حكومات أجنبية، وقد حدثت اضطرابات عظيمة وثورات، وقد هلك عام 532 في الاضطرابات: ثلاثون ألف شخص في العاصمة.

 

وعلى شدة الحاجة إلى الاقتصاد في الحياة أسرَف الناسُ فيه، ووصلوا في التبذُّل إلى أحطِّ الدرجات، وأصبح الهم الوحيد لهم اكتساب المال من أي وجهٍ، ثم إنفاقه في التظرُّف والترف، وإرضاء الشهوات.

 

ذابت أُسُس الفضيلة، وانهارت دعائمُ الأخلاق، حتى أصبح الناس يفضِّلون حياة العزوبة على حياة الزوجية؛ ليقضوا مآربهم في حرية، وكان العدلُ - كما يقول (سيلى) - يباع ويساوم، مثل: السلع، وكانت الرِّشوةُ والخيانة تنالانِ من الأمة التشجيع.

 

يقول جيبون: "في أواخر القرنِ السادس وصلت الدولةُ في تردِّيها وهبوطها إلى آخرِ نقطة، وكان مَثَلُها كمَثَل دوحةٍ عظيمة، كانت أُمَم العالم في حين من الأحيان تستظلُّ بظلِّها الوارف، ولم يبقَ منها إلا الجِذْع الذي لا يزداد كلَّ يوم إلا ذبولاً"[1].

 

أما فارس التي شاطرت الرومَ في حُكم العالم المتمدن، فكانت الحقلَ القديم لنشاط كبار الهدَّامين الذين عرَفهم العالم، كان أساسُ الأخلاق متزعزعًا مضطربًا منذ عهد عريق في القِدَم، ولم تزَلِ المحرماتُ النسبية التي تواضعت على حرمتها ومقتها طبائعُ أهل الأقاليم المعتدلة - موضعَ خلاف ونقاش، حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكَم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوَّج بنته، ثم قتَلها، وإن بهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجًا بأختِه، ولم يكن هذا الزواجُ يُعَد معصية عند الإيرانيين، بل كان عملاً صالحًا يتقرَّبون به إلى اللهِ[2].

 

وكان الفُرْس يعبدون النار، وعبادة النار تحريفٌ انحدر من مذهبِ زرادشت، فقد قيل: إن أصل دعوتِه كان التوحيد، وعبادة الله الواحد الذي يتجلى نورُه في الشمس والنار.

 

ومن مظاهر الانحراف الدِّيني كذلك: عبادة الفُرْس للأكاسرة الذين كانوا يدَّعون أنه يجري في عروقِهم دمٌ إلهي.

 

وفي القرن الثالث المسيحي ظهر ماني في عصر سادت فيه الشهوة، فأخذ يحاربُ هذه الشهوةَ الجامحة، ونادى بحياة العزوبة، وتحريم النكاح، قطعًا للنَّسل، واستعجالاً للفَناء إلى أن قتَله بهرام سنة 376م.

 

وظهر مزدك أواخر القرن الخامس، فدعا إلى المساواة المطلقة، وشيوعية المال والنساء، ونال تأييدَ غالبية الناس، وبخاصة الشبان والأغنياء، كما حظِي بتأييد قباذ "كسرى الفرس"، فانتشر الزنا والنَّهْب، واختلطت الأنسابُ، وانحدر الناس بذلك إلى دركٍ من الضياع الخُلقي لم تشهَدْه البلاد في عصرٍ من عصورها[3].

 

كانت هذه - في إجمالة موجزة - تضاريسَ الخريطة الأخلاقية في دولتَيِ الفُرس والروم، وما أحاط بالجزيرة العربية.

 

المدخل إلى القيم الإسلامية

أ.د. جابر قميحة





[1] أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين 24.

[2] السابق 30.

[3] انظر الندوي، السابق، 31 - 33، وأحمد شلبي، المجتمع الإسلامي، 23 - 24، ومناع القطَّان: التشريع والفقه في الإسلام، (23 - 24).