هولندا والعالم العربي


العلاقات الهولندية بالعالم العربي تعد متأخرة بعض الشيء عن قريناتها من مجموعة دول أوروبا ذات العلاقات المتميزة مع العالم العربي في العصور الوسطى وما قبلها، والسبب في ذلك يعود إلى عدم وجود كيان جغرافي وسياسي وإقليمي يعرف بدولة هولندا؛ وذلك حتى سنة 1200م، وإن كان لبعض سكان الأراضي المنخفضة مشاركة مباشرة في الحملة الصليبية لسنة 1219م على دمياط، التي خسر فيها الصليبيون الحرب، وانتصر فيها المسلمون عليهم فكانت لهم آخر حملة صليبية على المشرق العربي والإسلامي.

 

هولندا .. النشأة والتاريخ:

كانت الأراضي المنخفضة، التي تشكلت منها كل من هولندا وبلجيكا، أراضي سبخات مائية وجزراً متقطعة الأوصال، وقد كان للعامل الطبيعي هذا تأثير في تأخر ظهور كيان كل من هولندا وبلجيكا كدولتين ذواتي كيان سياسي وجغرافي وسكاني، فحتى سنة 1200م، لم يكن في هولندا أسطول بحري ولا طبقة حاكمة ولا (إكليروس) ديني، ولا وجود فيها لطبقة النبلاء، أو من هم من أبناء الطبقة الوسطى من الأرستقراطيين، فيما يدل عادة على وجود مجتمع سياسي وسكاني يتمتع باعتراف رسمي ممن حوله من الدول والمجتمعات، وإن وجود مثل هذه الطبقات عادة ما تكون قاعدة في تكوين أي مجتمع، ولذلك فانعدام هذه الطبقات وعدم وجودها فيما قبل سنة 1574م ينفي وجود دولة هولندا في كيانها السياسي والإقليمي والجغرافي الذي نعرفه اليوم.

 

وقد حظي الإقليم الشمالي بالاستقلال عن أسبانيا سنة 1574م على يد (وليم أورانج)، وتخليداً لهذا الانتصار والاستقلال أشاد في عاصمة هولندا (ليدن) جامعة ليدن سنة 1575م، ومن ذلك اليوم عُرف الشماليون من أبناء الأراضي المنخفضة وهم من أبناء العقيدة البروتستانتية، ومن ذوي الأصل (التيوتوني)، الذين خاضوا حرباً دينية مع أسبانيا الكاثوليكية عرفت بحرب الثمانين عاماً ما بين سنتي (1568- 1648م) ونتج عن هذه الحروب ميلاد دولة هولندا، أما الجنوبيون من أهالي الأراضي المنخفضة، فكانوا من أتباع العقيدة الكاثوليكية التي تتبع روما، وهم من ذوي الأصل (الكلتي)، وقد شكل الإقليم هذا قاعدة إقليمية وعقائدية دينية وسكانية لقيام دولة بلجيكا التي نعرفها اليوم.

 

وكان للحروب الهولندية الأسبانية نتائج سيئة على إضعاف أسبانيا وانهيار قوتها العسكرية، ومعها البرتغال، وقد خَلَفَ (مريس أورانج) والده في زعامة هولندا وقيادتها، فبعد أن كان الهولنديون يعرفون بـ(شحاذي البحار) أصبح لهم أسطول بحري قوي يجوب البحار متمتعاً بقوة الأساطيل الأوروبية القوية يومها حتى منتصف القرن السابع عشر، ثم انهارت قوته مع صعود قوة كل من الأسطول البريطاني والفرنسي واتفاقهما على ضرب قوة هولندا البحرية لتعطيل تجارتها مع الشرق الآسيوي.

 

نشأة العلاقات الهولندية العربية وتاريخها:

يعود السبب في تأخر العلاقات الهولندية العربية، إلى ما سبق ذكره، من عدم وجود كيان سياسي لدولة اسمها هولندا. ولكن، والحق يقال، فقد مضت هولندا أشواطاً متقدمة في علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي في تاريخها الحديث من بعد نشأتها.

 

وقد تمثلت العلاقات هذه في عدة جوانب هامة، منها:

1- العلاقات التجارية:

شهدت العلاقات العربية الهولندية نشاطاً ملحوظاً في هذا الجانب، سواء على مستوى دول حوض البحر الأبيض المتوسط أم على مستوى سواحل شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، وشواطئ الهند الغربية والجزر الأندونوسية التي استعمرتها من مطلع القرن التاسع عشر وحتى سنة (1946م)، وكذلك في الخليج العربي فقد تمكن أسطولها من طرد البرتغاليين منه مما ساعد على نشاط تجارتها مع سواحل ومدن الخليج العربي، ولما أغلقت مكتبها التجاري في البصرة (1739م)، حاولت بعض القوات الهولندية احتلال جزيرة (خرج) العربية حيث نزلت فيها في منتصف ليلة 31 كانون الأول 1765م، وبعد ثلاثة عشر يوماً أخرجهم منها القائد العربي (مير مهنا) باتفاق رسمي.

 

كان (بيتر فان دن بروكة) أول تاجر هولندي يصل اليمن منتصف القرن الثامن عشر، وتعد "شركة الهند الشرقية" التي أنشأتها هولندا سنة 1602م من أبرز الأنشطة التجارية في تتويج علاقاتها مع دول شبه الجزيرة العربية تجارياً.

 

2- العلاقات الثقافية والعلمية مع العالم العربية والإسلامي:

كانت هولندا واحدة من مجموعة الدول الأوروبية التي اهتمت بالشرق العربي والإسلامي وموروثه العلمي، فخلال الأربعمائة سنة الماضية نُهبت كنوز المشرق العربي والإسلامي المتمثلة بنفائس الكتب المخطوطة التي لا تقدر بثمن، وهكذا اهتم الهولنديون بالجانب الثقافي اهتماماً بالغاً، وذلك باقتناء نفائس المخطوطات العربية والإسلامية. ودراسة العلوم العربية والإسلامية، ومما يدل على هذا الاهتمام: الفهرس السنوي الذي أخرجته جامعة ليدن سنة (1982م) والذي احتوى على أكثر من خمسة آلاف كتاب عربي، كان منها أربعة آلاف مخطوط عربي وإسلامي من أندر المخطوطات، وكان هذا الفهرس أو القائمة السنوية قد تم نشرها عن مقتنيات مكتبة ليدن بواسطة المفهرس (فورهوفه)، فإذا كان مجموع المخطوطات العربية يزيد على الثلاثة ملايين مخطوطة في العالم، فإن هولندا تمتلك ما نسبته (1%) من المجموع العام.

 

ومن مقتنياتها النادرة: الصحاح في اللغة للجوهري، الذي تم نسخه في دمشق سنة (743هـ- 1342م)، وكتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي (مخطوط)، وكتاب غريب الحديث لأبي عبيد بن القاسم بن سلام، يعود تاريخ نسخه إلى سنة (866هـ- 1461م)، وكتاب شوارد الأمثال، مجهول المؤلف، وهو من مكتبة السلطان صلاح الدين الأيوبي الخاصة، والترجمة العربية لكتاب الأصول لمؤلفه إقليدس الذي ترجمه ابن مطر، وكتاب الحشائش لديوسقوريدس، وكتاب الحيل الهندسية لابن الجزري، وكتاب دلائل الخيرات للجزولي..

 

واحتوى أرشيف الدولة الرسمي على العديد من المخاطبات والمراسلات الرسمية من حكام وملوك العالم العربي والإسلامي، ويعود تاريخها إلى أكثر من خمسمئة عام.

 

ومن هذه المراسلات كتاب من (مولاي بوفارس ملك المغرب إلى أمير هولندا فان أورايني) يعود تاريخه إلى (18 رمضان 1014هـ- 1606م)، وكتاب آخر من ملك المغرب إلى مجلس الأمة الهولندي، يبدي فيه ملك المغرب فرحته وسروره بتعيين قنصل هولندي في المغرب سنة (1193هـ- 1779م)، وكتاب آخر من حكام مسقط إلى حاكم هولندا (مالبار) سنة (1193هـ- 1779م)، وكتاب مصادقة جزائرية على معاهدة سلام مع هولندا بتاريخ (15 مارس 1708م)، وكل هذه الكتب التي تم إيرادها هي كتب رسمية فيما بين حكام عرب ودولة هولندا، مما يدل على أن هولندا كانت تحتل مكانة دولية هامة في تاريخ زمن الرسائل.

 

سنوك هرخرونيه.. أحد رواد الاستشراق الهولندي:

ارتبط تاريخ الاستشراق الهولندي بتاريخ نشأة الدولة الهولندية ومولدها، وهو واحد من الأنشطة الاستشراقية التي نشط لها أبناء دول أوروبا، وقد قدم لنا هذا الاستشراق العديد من الأعمال الخاصة في العلوم العربية والإسلامية، سواء أكانت لغوية أم شرعية أم تاريخية أم غير ذلك من سائر العلوم والفنون، وقد عرفت مدرسة الاستشراق الهولندي العديد من المستشرقين العلماء الذين أثروا المكتبات العالمية بنفائس الدراسات العربية والإسلامية بعد أن نقلوها إلى اللغات العالمية.

 

وقد عُرف من هؤلاء كل من (إدبينوس، اسخولتنز، جوليوس، دي خويه، دوزي، ريلند، سومير، فلوتن، فنسك صاحب الفهرس لألفاظ الحديث النبوي، هوتسيما، يونبول الأحدث)، و(سنوك هرخرونيه) الذي كان واحدا ًمن أبناء مدرسة الاستشراق الهولندي، فقد ترك أجمل البصمات في بناء هذه المدرسة الاستشراقية، وخاصة فيما هو معني بالإسلام ديناً وشريعة وواقعاً في عصرنا الحاضر، فقد كان عالماً وسياسياً في شخص واحد، ولد في (8 فبراير 1857م)، وتعلم اللغتين اليونانية واللاتينية القديمة، كما نجح في امتحان الكانديدات في (الفيلوجيا) الساميّة، ونال درجة الدكتوراه برسالة عنوانها (موسم الحج في مكة)، وفي سنة (1884م) قصد الجزيرة العربية فأقام في جدة من أغسطس 1884م حتى فبراير 1885م، وذلك استعداداً لزيارة مكة تحت اسم مستعار هو (عبدالغفار) وأقام فيها ستة أشهر، ثم انكشف أمره وتم تسفيره من مكة وعاد إلى هولندا وقد كتب كتابه الشهير (مكة). ويروي (سنوك) قصة تسفيره هذه فيقول: "جاءني ذات يوم في مسكني في مكة موظف تركي وأبلغني أن عليّ مغادرة مكة حالاً وقرأ علي أمر القائم مقام التركي، فأجبته بأنني أريد أخذ أمتعتي التي تحتاج إلى أربعة جمال لحملها، وقد أحضرها لي الرسول التركي، وقد حزَّ في نفسي مغادرتي لمكة قبل الحج الذي كنت أنتظره".

 

وعند عودته حظي بمراكز مرموقة في هولندا فعين أستاذاً بجامعة ليدن خلفاً لأستاذه (دي خويه) سنة (1906م)، وعين مستشاراً للحكومة الهولندية سنة (1917م)، وقد كانت حياته مليئة بالأنشطة العلمية... مات في (26/6/1936م) مخلفاً وراءه أعمالاً مهمة كثيرة عن الإسلام وشرائعه ونظمه، وقد جمعت أعماله كاملة في ستة مجلدات.

 

وهذا غيض من فيض في مدرسة الاستشراق الهولندي، فقد تم عرض شخصية سنوك هرخرونيه كنموذج لأبناء هذه المدرسة الاستشراقية الحديثة العهد، قياساً بمثيلاتها من المدارس الأوروبية.

 

ذلك هو جزء من ماضي العلاقات الهولندية العربية في نشأتها وتاريخها. والمتتبع للدراسات العلمية المعنية بقصة العلاقات الهولندية العربية في جميع نواحيها التجارية والثقافية والاستشراقية، يجد أنها قليلة جداً إذا ما قورنت بالعلاقات العربية مع أي دولة أوروبية كفرنسا وألمانيا وإنكلترا واليوم أمريكا.