رحلة إلى موقع غزوة بدر


كان الطريق من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة يمر من مدينة بدر، فكنت ترى قوافل الحجاج والمعتمرين، والمدينة متفجرة بالحيوية والحياة.

 

سرت في الطريق المؤدي إلى خارج المدينة، الموصل إلى مكان معركة بدر.

 

ماء بدر، هو البئر الذي كان لبدر بن أمية.

 

هذا هو المكان الذي جرت فيه هذه المعركة، وأنا أطل من ارتفاع بسيط على واد منبسط فسيح.

 

أنا في العدوة الدنيا، هنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وفي نهاية عرض الوادي، العدوة القصوى، هناك كان المشركون، كما ذكر الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ﴾ [الأنفال: 42]. الوادي طويل، أما عرضه فأقدره بثلاثمئة متر.

 

هذا المسجد اسمه مسجد العريش. هنا كان عريش النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا البئر وهذه النخلات حفيدات نخلات بدر. أما الحوض فقد شاخ مع السنين..

 

أول ملحمة لي هي ملحمة (الطريق) والملحمة الثانية هيبدر، لقد جئت إلى هذا المكان ودرست تفاصيل المعركة وجزئياتها، بعد أن وقفت على كلياتها، ثم شرعت في صياغتها، وقد أعانني الله عليها، جاءت في عشرة آلاف بيت من الشعر الفصيح، صغتها على شكل رباعيات، وطبعتها مرتين، وكتبت عنها الصحف العربية: إنها الأولى في الأدب العالمي، وأطلقوا علي لقب أمير الملاحم. وقد اتصل بي حاتم الأنصاري المصري يقول لي: إنه اختار ملاحمي لتكون رسالته الدكتوراه.

 

أول رباعية فيها:

عزف النور لحنه البكر فجرا
فتهادى بمسمع الكون نصرا
وشدا السيف آي لحن ندي
خط بالحب في البطولات سطرا
من نداه تبرعم الصخر حباً
ضمخ الكون بالملاحم عطرا
أبدع الخلد لحن حب وحرب
في الدياجي فكان في النور بدرا

 

المهم أن هذا الحدث، لم يأخذ من نفوس شعراء الإسلام ما تستحقه من الاهتمام، ملحمة أحمد محرم: الإلياذة الإسلامية لا تكفي، وملحمتي لا تكفي، هذه دعوة إلى الشاعر المسلم في كل أقطار الدنيا، أن يلتفت إلى بطولات الإسلام.

 

هذا هو مكان المعركة، فماذا بقي؟ لا بد من زيارة قبور الشهداء.

 

أول شهداء معركة بدر، عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب في النزال الثلاثي. ولما كان الالتحام (مِهجع) مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء ليشرب من الحوض، هذا مكانه، وكأن الحوض أمامي وأنا أسمع صوت عمر يقول: انتبه للنبال يا مهجع، فيرد عليه قائلاً: لا ينفع حذر من قدر.

 

وهذا هو الراصد المشرك الذي عينته قريش أن يرصد مَن يرد على الحوض من المسلمين، بعد أن ملكوه، وقد مات كثير من المشركين حينما مات، دائخاً من العطش، ورد مهجع وقد قدم الترس أمام وجهه حذراً من النبال ن ولم يستطع الرامي أن يطلق سهمه، وبعد أن ارتوى نهض فزلت قدمه فجاءه السهم حينما أراد، أن يتوازن.

 

وتلاه عمير شقيق سعد بن أبي وقاص، غلام ابن ستة عشر ربيعاً أبى إلا أن يشارك في القتال فأوصاه سعد: كن كظلي ولكنها الحرب؛ كر وفر، ودخول وخروج وصراع وقراع ونزال، وفرسان ومشاة... وضوء وظلام، فالغبار يجعل الجو ليلاً ثم ينجلي. غاب عمير عن شقيقه، فجاء العاص المدجج بالسلاح من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه، فوجد في دم عمير غنيمة باردة. ولما علم سعد بالخبر انقض على العاص انقضاض الليث الهصور فجندله.

 

ستة عشر شهيداً هذه هي قبورهم. إنهم أحياء عند الله تعالى، قدموا حياتهم ليحيا دينهم.

 

ذكريات تجعل المسلم ينصهر في تاريخه، يولد ولادة جديدة ويحيا حياة جديدة

 

وهذه القبور تقول: هكذا كان الأجداد، فكيف تكونون أنتم أيها الأحفاد؟.