فتح إفريقية


لما قصد المسلمون - وذلك في ثمان وعشرين، وقيل: ثلاث وثلاثين وهم عشرون ألفًا - إفريقية وعليهم عبدالله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبدالله بن عمر، فلما وصلوا إلى برقة لقيهم عقبة بن نافع فيمَن معه من المسلمين، وكانوا بها، وساروا إلى طرابلس الغرب، فنهبوا من عندها من الروم، وسار نحو إفريقية وبث السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير، وملكه من طرابلس إلى طنجة، وكان هرقل ملك الروم قد ولاَّه إفريقية؛ فهو يحمل إليه الخراج كل سنة، فلما بلغه خبر المسلمين تجهَّز وجمع العساكر وأهل البلاد، فبلغ عسكره مائة ألف وعشرين ألف فارس، وقيل: مائتي ألف، والتقى هو والمسلمون بمكان بينه وبين مدينة سبيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت ذلك الوقت دار الملك، فأقاموا هناك يقتتلون كل يوم، وراسله عبدالله بن سعد يدعوه إلى الإسلام أو الجِزْيَة، فامتنع منهما وتكبَّر عن قبول أحدِهما، وأمر جيشَه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم يُرَ أشنع منه ولا أخوف عليهم منه.


وانقطع خبر المسلمين عن عثمان، فسيَّر عبدالله بن الزبير في جماعة إليهم ليأتيَه بأخبارهم، فسار مجدًّا ووصل إليهم وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جُرجير عن الخبر، فقيل: قد أتاهم عسكر، ففتَّ ذلك في عضده.


ورأى عبدالله بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر، فإذا أذن بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه، وشهد القتال من الغد فلم يُرَ ابن أبي سرح معهم، فسأل عنه، فقيل: إنه سمع منادي جُرجير يقول: مَن قتل عبدالله بن سعد، فله مائة ألف دينار، وأزوِّجه ابنتي، وهو يخاف، وكان خوف عبدالله ليس خوفًا من الموت أو خوفًا على نفسه من الهلكة، بل كان الخوف أن يُقتَل فيحدثَ خلل في صفوف المسلمين، فحضر عنده، وقال له: تأمر مناديًا ينادي: مَن أتاني برأس جُرجير نفلته مائة ألف، وزوَّجته ابنته، واستعملته على بلاده، ففعل ذلك، فصار جُرجير يخاف أشد من عبدالله.


قال عبدالله بن الزبير: فنظرتُ إلى الملك جُرجير من وراء الصفوف وهو راكب على بِرْذَون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبدالله بن سعد بن أبي سَرح، فسألتُه أن يبعث معي مَن يحمي ظهري، وأقصد الملك، فجهَّز معي جماعة من الشجعان، قال: فأمر بهم فحموا ظهري، وذهبتُ حتى خرقتُ الصفوف إليه، وهم يظنُّون أني في رسالة إلى الملك، فلما اقتربتُ منه أحسَّ مني الشرَّ، ففرَّ على بِرْذونه فلحقتُه فطعنته برمحي، وذففتُ عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبتُه على رأس الرمح وكبَّرت، فلما رأى ذلك البربر فَرِقوا وفرُّوا كفرارِ القَطَا، وأَتْبَعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فغنموا غنائم جمَّة وأموالاً كثيرة، وسبيًا عظيمًا، وذلك ببلد يقال له: سبيطلة، على يومين من القيروان، فكان هذا أول موقف اشتَهَر فيه أمرُ عبدالله بن الزبير - رضي الله عنه، وعن أبيه، وأصحابهما أجمعين.