ليس للصليبيين بقية في بادية الشام


نبه الأستاذ ف.ن في العدد الماضي بمقاله القيِّم إلى بعض أخطار التبشير أو التنفير، وكان لصيحته أثر طيب في شحذ الشعور، ولكن ظهر لنا بنسبته عشيرة (صليب) إلى عنصر إفرنجي - ص16- خطأ رجعنا لتلافيه إلى أحد أعضاء جمعيتنا الأديب الكبير الأستاذ "عز الدين علم الدين" أمين المجمع العلمي العربي، فأرشدنا إلى مقال له في المجلد 52 من المقتطف، رد فيه على كاتب أخطأ الخطأ نفسه فيما يتعلق بنسبة القبيلة المذكورة إلى عنصر إفرنجي، فأوجزنا الرد بيانًا للحقيقة كما يلي:

حبًّا في خدمة العلم، أذكر ما شاهدته وعلمته عن الصلبة، فقد أقمت بين ظهرانيهم في البادية شهرًا كاملاً، وعلمت أنهم لا يعرفون أجدادهم، فتارة يقولون الفرنك، وأخرى الأنقريز؛ أي: الأنكليز، وسائر العرب تلقبهم بذلك ذمًّا، وليسوا منتمين إلى مذهب مخصوص؛ إذ إن أكثر قبائل البدو الأُميين كذلك، فالصخري أو الرويلي مثلاً لم يسمع أحدهما باسم الأئمة الأربعة، ولو سألت بدويًّا أو أحد الصلبة عن دينه، لأجابك الله ومحمد رسول الله، وهو لا يحسن الصلاة ولا الوضوء ولا التيمم، وإن حفظ شيئًا من سور القرآن الكريم القصيرة، فمع تصحيف أو تحريف، وعدم ترتيب، ويتزوجون حسب قواعد البلاد، ويُطلقون ويعددون بين الزوجات، ويَختتنون، ولا امتياز لهم عن غيرهم من قبائل البدو إلا بصيد المها والغزلان ببنادق طويلة، ويخيطون من جلودها جلابيب، ويتخذون من جلود المها نعالاً متينة جدًّا، والبدو يعرفون الصلبة بلهجتهم الفارقة؛ كما يعرفون الرويلي والشمري كليهما بلهجته، ويُميزون بها بين الصخري والسرحاني والشراري؛ كما يميز الحضري بين الشامية والمصرية والمغربية.

 

من عرف طبائع البلاد لا يسلم بأن شِرذمة من الصليبيين تلوذ ببادية الشام فرارًا من فتك العرب الذائدين عن حياضهم وهي غريبة عن البادية، جاهلة بمفاوزها ومظامئها، ولو فعلوا ذلك لمات هؤلاء الصليبيون جوعًا وعطشًا إن سلموا من اعتداء البدو والإيقاع بهم؛ لأنهم بعيدون عن البدو بلغتهم وعاداتهم ودينهم، ولو أظهروا الإسلام في البادية لأظهروه في مدن سوريا الحضرية، وخلصوا عن عنجهية البادية، وشظف العيش فيها، فيحتمل أنهم طلقاء موالي الأيوبيين، أو إحدى الدول العربية، جمعوا بعد العتق أشتاتهم في بادية الشام وغيرها، وعاشوا عيشة القبائل الرُّحَّل، وقد كان لبني أُمية وبني العباس من الموالي خلق كثير.

 

المصدر: مجلة التمدن الإسلامي، السنة الأولى، العدد الرابع، 1354هـ