المَمْلَكة الفَرَنْجِيَّة الكاثُوْلِيْكِيَّة بعد وَفاة شارلمان
الجُذُور التَّارِيْخِيَّة لمَوْقِف الحُكُوْمَة الفَرَنْسِيَّة من الأُمَّة الإسْلامِيَّة (6)
لويس وَلَدُ شارلمان يَسِيْر على نَهْج أبيه تُجاه الأَنْدَلُس ويُعَمِّق النُّفُوذَ البابَوِي:
لما تُوُفِّيَ شارلمان، حاول وَلَدُه لويس المُلَقَّب بالوَرِع أن يَحْذُوَ حَذْوَ أَبِيْه في غَزْو ثُغُور الأَنْدَلُس العُليا، وتَحْرِيْض أَهْلِها على خَلْع طاعة المسلمين، وقد كان لويس أيام مُلْك أَبِيْه شارلمان حاكِمًا على إقليم أكيتانيا بجنوب غرب فرنسا، فكان له دَوْرٌ كبير في انْتِزاع بعض المُدُن والبِقاع بشَمال الأَنْدَلُس من المسلمين، والتي قامت فيها فيما بعد مَمْلَكة كتالونيا، ولا يَزالُ سُكَّانُ المنطقة بين مدينتي بربنيان الفرنسية وبَلَنْسِيَة الإسبانية يتحدثون لُغَةً قريبة من لُغَة أهل البروفانس بجنوب فرنسا.
وقد كان لويس حَرِيْصًا على تَعْمِيْق دَوْر الكَنِيْسة في السِّياسة العامَّة للإمبراطورِيَّة، مما أَدَّى لازْدياد النُّفُوذُ البابَوِيُّ تَبَعًا لذلك.
اسْتِنْجاد البيزنطيين بالفَرَنْجة من غَزَوات العَبَّاسِيِّين:
أَرْسَلَ الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل وَفْدًا إلى لويس ابن شارلمان في سنة 839م، يَطْلُب مُساعَدَتَه بجَيْش كبير ضِدَّ العَبَّاسِيِّين، فاسْتَقْبَل لويسُ الوَفْدَ بحَفاوَة بالِغة، ولكن المشاكل الداخلية الكثيرة التي كانت تُعانِي منها دَوْلَتُه كانت تَسْتَنْفِذُ جُهودَه، وطاقات دَوْلَتِه، فتُوُفِّيَ رئيسُ الوَفْد البيزنطي في العام الذي يَلِيه، وتُوُفِّيَ لويسُ نَفْسُه بعده مُباشرة، دون أن يستطيع إجابةَ طَلَبِ الإمبراطور البيزنطي. [1]
تَفَكُّك الإمبراطورية نهائيًا عقب وَفاةُ لويس:
كان ضَعْفُ شخصية لويس، وسُوء إدارته قد بَذَرا بُذُورَ التَّفَكُّك والانْحِلال في الإمبراطورية الكارولنجية الفَرَنْجِيَّة، فدَخَلت في صِراعات داخِلِيَّة كبيرة، كانت اسْتِكْمالًا لما بَدَأ في عصر لويس من صِراعات داخِلِيَّة، حينما أراد تَقْسِيْم الإمبراطورية بين أَوْلاده.
شارلُ الأَصْلَع يُهادِن المسلمين وابنُ أخيه يَسْتَعِيْنُ بهم:
وقد كان الجنوب الفَرَنْسِي بأَكْمَله مَسْرَحًا لغَزَوات المسلمين البَرِّيَّة والبَحْرِيَّة في مُنْتَصَف القَرْن التاسع الميلادي، واضْطُّرَّ شارلُ الأَصْلَعُ وَلَدُ لويس في بعض الفَتَرات إلى تَقْدِيْم هدايا ثَمِيْنة؛ ليَقْبَل المسلمون بالصُّلْح، ويَكُفُّوا عن غَزْو جَنوب فرنسا، وكان شارلُ مُنْشَغِلًا في صِراع شديد مع أَخَوَيه، وابن أَخِيْه بيبين الذي اسْتَعان بمُسْلِمي الأَنْدَلُس على عَمِّه شارل.[2]
انْشِطارُ جُزْء كبير من مَمْلَكة الفَرَنْجة وظُهُور الأُمَّتَيْن الفَرَنْسِيَّة والأَلْمانِيَّة:
ثم تُوِّجَ شارلُ إمبراطورًا على الإمبراطورية الفَرَنْجِيَّة الغربية، والتي تُعَدُّ فرنسا الحالية امْتِدادًا تاريخيًا لها، بينما تُمَثِّل ألمانيا الحالية جُزْءًا كبيرًا من شَرْق الإمبراطورية الفَرَنْجِيَّة، ويُعَدُّ ذلك العَصْرُ مَرْحَلَةً حاسِمَةً في تَشَكُّل مَلامح الأُمَّتَيْن الفَرَنْسِيَّة والأَلْمانِيَّة فيما تَلَا ذلك من عُصُور.[3]
عَجْزُ الكارولنجيين عن حِماية مُمْتَلَكاتهم الإيطالية ومَقَرِّ البابَوِيَّة من غَزَوات المسلمين:
بَلَغ من تَفَكُّك الإمبراطورية وضَعْفها: أن شارل الثاني المُلَقَّب بالأَصْلَع - وهو وَلَد لويس - قد عَجز عن نَجْدة بابا رُوْما يوحنا الثامن، والذي أَرْسَل يَلْتَمِسُ لنَفْسِه وأَمْلَاكه البابَوِيَّة الحِماية من غَزَوات المسلمين - وكان ذلك في القَرْن الثالث الهِجْري التاسع المِيلادي - فلم يكن لَدَى شارل أُسْطُولٌ بَحْرِيٌّ يَتَمَكَّن به من مُواجَهة أَساطِيْل مُسْلِمِي صِقِلِّيَّة الأَغالِبة[4]، وهو الأمر نَفْسُه الذي عَانَى منه لويس الثاني الحاكمُ الكارولنجي الفَرَنْجِي على إيطاليا؛ إذْ فَشِل في إخْراج المسلمين من قَواعدهم الحَصِيْنة بجنوب إيطاليا بدون امْتِلاك قُوَّة بَحْرِيَّة، وكان المسلمون يَنْطَلِقُون من تلك القَواعِد لغَزْو قَلْبِ إيطاليا، ويَصُوْلُون ويَجُوْلُون في البِحار المُحِيْطة بها، ولم يُغْنِ عنه مُبارَكَةُ بابا روما لعَمَلِه ضِدَّ المسلمين.[5]
اسْتِقْلال مَمالك شَمال الأَنْدَلُس عن سُلْطَتَي الأَنْدَلُسِيِّين والفَرَنْجِيِّين:
وقد كانت المناطق الشَّمالِيَّة للأَنْدَلُس التي اسْتَوْلَى عليها شارلمان تابِعَةً فَتْرة من الزَّمَن لإمْبراطورية الفَرَنْجَة الكارولنجية، إلى أن تَمَكَّن أَهْلُها من النَّصارى من الخُرُوج عن طاعة الفَرَنْجة حين دَبَّ الضَّعْفُ إليهم، والاسْتِقْلال عنهم، وعن مُسْلِمي الأَنْدَلُس معًا.[6]
عِلَّةُ تَسْمِيَة نَصَارى شَمال الأَنْدَلُس في بعض المَصادِر الإسلامية بالفَرَنْجة:
لَعَلَّ البَواعِث على تَسْمِية المَصادِر الإسلامية للنَّصَارى الشَّمالِيِّين المُقاتِلِيْن لمُسْلِمي الأَنْدَلُس أحيانًا بالفَرَنْجَة، رُغْم كون أَهْل تلك البقاع من عِرْقِيَّات أخرى غير فَرَنْجِيَّة، كالقُوْط، والبشكنس، والغَال[7]، تتمثل في: دُخُولُ مُسْلِمي الأَنْدَلُس في صِراع مع الفَرَنْجة زَمَنًا عَقِب اسْتِكْمال فَتْح الأَنْدَلُس، وما صاحب ذلك من انْسِياحِ الفَتْح الإسلامي في جنوب فرنسا، ووَسَطها، ثم انْتِزاع الفَرَنْجة للجنوب الفَرَنْسِي الذي كان تابعًا للأَنْدَلُس الإسلامية, ثم لبعض المناطق الشَّمالِيَّة الأَنْدَلُسِيَّة من المسلمين في فَتْرة مُبَكِّرة من الوجود الإسلامي بشِبْه الجَزِيْرة الأَنْدَلُسِيَّة، ثم ما كان من مُعاوَنة مَمْلَكة الفَرَنْجة لمَمالِك نَصارى شَمال الأَنْدَلُس، لاسِيَّما بعد الدَعَوات البابَوِيَّة إلى الحُرُوب الصَّلِيْبِيَّة، والتي لم تَقْتَصِر على المَشْرق الإسلامي، بل كان للأَنْدَلُس منها نَصِيْبٌ كبير، سيأتي الحَدِيْثُ عنه مُسْتَقِلًّا إن شاء الله تعالى.
[1] انظر عن لويس الملقب بالورع: تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص142-150)، وتاريخ أوروبا الحديث لجفري براون (ص120-122)، ومعالم تاريخ أوروبا في العصور الوسطى لمحمود سعيد عمران (ص183)، وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور (ص170،169)، والأندلسيون المواركة لعادل سعيد بشتاوي (ص55،54).
[2] انظر: تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص156،151).
[3] قسمت الإمبراطورية بين شارل وأخويه: لويس الجرماني، ولوثير. انظر: تاريخ أوروبا الحديث لجفري براون (ص122)، ومعالم تاريخ أوروبا في العصور الوسطى لمحمود سعيد عمران (ص183)، وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور (ص170-172).
[4] انظر عن ذلك: تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص159)، والقوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط من سنة 500 إلى سنة 1100م لأرشيبالد لويس (ص219)، ترجمة أحمد محمد عيسى، وأسلافنا العرب لبوجن أولسومر (ص58)، والعرب والروم لفازلييف (ص164،163)، والسلم في العلاقات العباسية البيزنطية في العصر العباسي الأول للدكتورة نادية حسني صقر (ص108،107).
[5] انظر عن هذه الحادثة بعينها: القوى البحرية والتجارية لأرشيبالد لويس (ص218)، وعن غزوات المسلمين في إيطاليا على وجه العموم تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص151-156).
[6] كان الفرنجة قد سيطروا على برشلونة بشمال شرق الأندلس، وحاولوا إخضاع مملكة نافار النصرانية التي كانت تتخذ من بنبلونة عاصمة لها، وخرب شارلمان عاصمتهم مرتين، فهاجموا مؤخرة جيشه لدى عودته إلى بلاده في ممرات البرينييه الضيقة، وأنزلوا بجيشه فاجعة كبيرة، وكان البشكنس يأنفون من التبعية لأي أمة من الأمم المحيطة بهم، سواء كانوا من القوط النصارى الذين حكموا الأندلس قبل المسلمين، أو من بقاياهم التي حكمت مملكة جليقية بشمال غرب الأندلس، أو من المسلمين الذين فتحوا الأندلس، أو من الفرنجة النصارى. انظر: دولة الإسلام في الأندلس (1/173-183، 207-223، 353-363، 588-606)، وفجر الأندلس لحسين مؤنس (ص360-390 ،541)، والأندلسيون المواركة لعادل سعيد بشتاوي (ص55،54،51،50)، ودولة القوط الغربيين (ص126)، وفيه حديث عن صراعهم المتواصل مع قوط الأندلس قبل الفتح الإسلامي.
[7] كانوا المؤرخون المسلمون يعبرون غالبًا عن أهل مملكة أشتوريش بجليقية بالجلالقة، كما تراه بكثرة في تاريخ ابن خلدون، ونفح الطيب للمقري، والاستقصا للناصري، وغيرها من المصادر، والجلالقة خليط من القوط، والغال، ويعبرون أحيانًا عن أهل مملكة نافار البشكنس بالبشاكسة، وإن كان الحديث عنهم بهذا المسمى نادر في المصادر الإسلامية، كما كانوا يعبرون عن مملكتهم نافار باسم نبرة. وانظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (2/502)، وقاعدة أربونة ودورها في الجهاد ضد الفرنجة للدكتورة منى حسن محمود (ص74).
وقد كانت العلاقة بين الممالك النصرانية الشمالية بالأندلس تتفاوت بين الصراع والتفرق حينًا، والتوحد والاندماج حينًا آخر، حتى تكون من توحدها في نهاية الوجود الإسلامي بالأندلس مملكة إسبانيا الحديثة، عدا ما كان من استقلال مملكة البرتغال التي ظهرت في أواخر القرن الخامس الهجري بغرب الأندلس. وانظر: دولة الإسلام في الأندلس (2/521-528)، (4/169-185)، والأندلسيون المواركة لعادل سعيد بشتاوي (ص38-51)، والمسلمون في أوروبا وأمريكا للدكتور علي المنتصر الكتاني (1/190-192).
المَمْلَكة الفَرَنْجِيَّة الكاثُوْلِيْكِيَّة بعد وَفاة شارلمان
الجُذُور التَّارِيْخِيَّة لمَوْقِف الحُكُوْمَة الفَرَنْسِيَّة من الأُمَّة الإسْلامِيَّة (6)
لويس وَلَدُ شارلمان يَسِيْر على نَهْج أبيه تُجاه الأَنْدَلُس ويُعَمِّق النُّفُوذَ البابَوِي:
لما تُوُفِّيَ شارلمان، حاول وَلَدُه لويس المُلَقَّب بالوَرِع أن يَحْذُوَ حَذْوَ أَبِيْه في غَزْو ثُغُور الأَنْدَلُس العُليا، وتَحْرِيْض أَهْلِها على خَلْع طاعة المسلمين، وقد كان لويس أيام مُلْك أَبِيْه شارلمان حاكِمًا على إقليم أكيتانيا بجنوب غرب فرنسا، فكان له دَوْرٌ كبير في انْتِزاع بعض المُدُن والبِقاع بشَمال الأَنْدَلُس من المسلمين، والتي قامت فيها فيما بعد مَمْلَكة كتالونيا، ولا يَزالُ سُكَّانُ المنطقة بين مدينتي بربنيان الفرنسية وبَلَنْسِيَة الإسبانية يتحدثون لُغَةً قريبة من لُغَة أهل البروفانس بجنوب فرنسا.
وقد كان لويس حَرِيْصًا على تَعْمِيْق دَوْر الكَنِيْسة في السِّياسة العامَّة للإمبراطورِيَّة، مما أَدَّى لازْدياد النُّفُوذُ البابَوِيُّ تَبَعًا لذلك.
اسْتِنْجاد البيزنطيين بالفَرَنْجة من غَزَوات العَبَّاسِيِّين:
أَرْسَلَ الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل وَفْدًا إلى لويس ابن شارلمان في سنة 839م، يَطْلُب مُساعَدَتَه بجَيْش كبير ضِدَّ العَبَّاسِيِّين، فاسْتَقْبَل لويسُ الوَفْدَ بحَفاوَة بالِغة، ولكن المشاكل الداخلية الكثيرة التي كانت تُعانِي منها دَوْلَتُه كانت تَسْتَنْفِذُ جُهودَه، وطاقات دَوْلَتِه، فتُوُفِّيَ رئيسُ الوَفْد البيزنطي في العام الذي يَلِيه، وتُوُفِّيَ لويسُ نَفْسُه بعده مُباشرة، دون أن يستطيع إجابةَ طَلَبِ الإمبراطور البيزنطي. [1]
تَفَكُّك الإمبراطورية نهائيًا عقب وَفاةُ لويس:
كان ضَعْفُ شخصية لويس، وسُوء إدارته قد بَذَرا بُذُورَ التَّفَكُّك والانْحِلال في الإمبراطورية الكارولنجية الفَرَنْجِيَّة، فدَخَلت في صِراعات داخِلِيَّة كبيرة، كانت اسْتِكْمالًا لما بَدَأ في عصر لويس من صِراعات داخِلِيَّة، حينما أراد تَقْسِيْم الإمبراطورية بين أَوْلاده.
شارلُ الأَصْلَع يُهادِن المسلمين وابنُ أخيه يَسْتَعِيْنُ بهم:
وقد كان الجنوب الفَرَنْسِي بأَكْمَله مَسْرَحًا لغَزَوات المسلمين البَرِّيَّة والبَحْرِيَّة في مُنْتَصَف القَرْن التاسع الميلادي، واضْطُّرَّ شارلُ الأَصْلَعُ وَلَدُ لويس في بعض الفَتَرات إلى تَقْدِيْم هدايا ثَمِيْنة؛ ليَقْبَل المسلمون بالصُّلْح، ويَكُفُّوا عن غَزْو جَنوب فرنسا، وكان شارلُ مُنْشَغِلًا في صِراع شديد مع أَخَوَيه، وابن أَخِيْه بيبين الذي اسْتَعان بمُسْلِمي الأَنْدَلُس على عَمِّه شارل.[2]
انْشِطارُ جُزْء كبير من مَمْلَكة الفَرَنْجة وظُهُور الأُمَّتَيْن الفَرَنْسِيَّة والأَلْمانِيَّة:
ثم تُوِّجَ شارلُ إمبراطورًا على الإمبراطورية الفَرَنْجِيَّة الغربية، والتي تُعَدُّ فرنسا الحالية امْتِدادًا تاريخيًا لها، بينما تُمَثِّل ألمانيا الحالية جُزْءًا كبيرًا من شَرْق الإمبراطورية الفَرَنْجِيَّة، ويُعَدُّ ذلك العَصْرُ مَرْحَلَةً حاسِمَةً في تَشَكُّل مَلامح الأُمَّتَيْن الفَرَنْسِيَّة والأَلْمانِيَّة فيما تَلَا ذلك من عُصُور.[3]
عَجْزُ الكارولنجيين عن حِماية مُمْتَلَكاتهم الإيطالية ومَقَرِّ البابَوِيَّة من غَزَوات المسلمين:
بَلَغ من تَفَكُّك الإمبراطورية وضَعْفها: أن شارل الثاني المُلَقَّب بالأَصْلَع - وهو وَلَد لويس - قد عَجز عن نَجْدة بابا رُوْما يوحنا الثامن، والذي أَرْسَل يَلْتَمِسُ لنَفْسِه وأَمْلَاكه البابَوِيَّة الحِماية من غَزَوات المسلمين - وكان ذلك في القَرْن الثالث الهِجْري التاسع المِيلادي - فلم يكن لَدَى شارل أُسْطُولٌ بَحْرِيٌّ يَتَمَكَّن به من مُواجَهة أَساطِيْل مُسْلِمِي صِقِلِّيَّة الأَغالِبة[4]، وهو الأمر نَفْسُه الذي عَانَى منه لويس الثاني الحاكمُ الكارولنجي الفَرَنْجِي على إيطاليا؛ إذْ فَشِل في إخْراج المسلمين من قَواعدهم الحَصِيْنة بجنوب إيطاليا بدون امْتِلاك قُوَّة بَحْرِيَّة، وكان المسلمون يَنْطَلِقُون من تلك القَواعِد لغَزْو قَلْبِ إيطاليا، ويَصُوْلُون ويَجُوْلُون في البِحار المُحِيْطة بها، ولم يُغْنِ عنه مُبارَكَةُ بابا روما لعَمَلِه ضِدَّ المسلمين.[5]
اسْتِقْلال مَمالك شَمال الأَنْدَلُس عن سُلْطَتَي الأَنْدَلُسِيِّين والفَرَنْجِيِّين:
وقد كانت المناطق الشَّمالِيَّة للأَنْدَلُس التي اسْتَوْلَى عليها شارلمان تابِعَةً فَتْرة من الزَّمَن لإمْبراطورية الفَرَنْجَة الكارولنجية، إلى أن تَمَكَّن أَهْلُها من النَّصارى من الخُرُوج عن طاعة الفَرَنْجة حين دَبَّ الضَّعْفُ إليهم، والاسْتِقْلال عنهم، وعن مُسْلِمي الأَنْدَلُس معًا.[6]
عِلَّةُ تَسْمِيَة نَصَارى شَمال الأَنْدَلُس في بعض المَصادِر الإسلامية بالفَرَنْجة:
لَعَلَّ البَواعِث على تَسْمِية المَصادِر الإسلامية للنَّصَارى الشَّمالِيِّين المُقاتِلِيْن لمُسْلِمي الأَنْدَلُس أحيانًا بالفَرَنْجَة، رُغْم كون أَهْل تلك البقاع من عِرْقِيَّات أخرى غير فَرَنْجِيَّة، كالقُوْط، والبشكنس، والغَال[7]، تتمثل في: دُخُولُ مُسْلِمي الأَنْدَلُس في صِراع مع الفَرَنْجة زَمَنًا عَقِب اسْتِكْمال فَتْح الأَنْدَلُس، وما صاحب ذلك من انْسِياحِ الفَتْح الإسلامي في جنوب فرنسا، ووَسَطها، ثم انْتِزاع الفَرَنْجة للجنوب الفَرَنْسِي الذي كان تابعًا للأَنْدَلُس الإسلامية, ثم لبعض المناطق الشَّمالِيَّة الأَنْدَلُسِيَّة من المسلمين في فَتْرة مُبَكِّرة من الوجود الإسلامي بشِبْه الجَزِيْرة الأَنْدَلُسِيَّة، ثم ما كان من مُعاوَنة مَمْلَكة الفَرَنْجة لمَمالِك نَصارى شَمال الأَنْدَلُس، لاسِيَّما بعد الدَعَوات البابَوِيَّة إلى الحُرُوب الصَّلِيْبِيَّة، والتي لم تَقْتَصِر على المَشْرق الإسلامي، بل كان للأَنْدَلُس منها نَصِيْبٌ كبير، سيأتي الحَدِيْثُ عنه مُسْتَقِلًّا إن شاء الله تعالى.
[1] انظر عن لويس الملقب بالورع: تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص142-150)، وتاريخ أوروبا الحديث لجفري براون (ص120-122)، ومعالم تاريخ أوروبا في العصور الوسطى لمحمود سعيد عمران (ص183)، وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور (ص170،169)، والأندلسيون المواركة لعادل سعيد بشتاوي (ص55،54).
[2] انظر: تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص156،151).
[3] قسمت الإمبراطورية بين شارل وأخويه: لويس الجرماني، ولوثير. انظر: تاريخ أوروبا الحديث لجفري براون (ص122)، ومعالم تاريخ أوروبا في العصور الوسطى لمحمود سعيد عمران (ص183)، وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور (ص170-172).
[4] انظر عن ذلك: تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص159)، والقوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط من سنة 500 إلى سنة 1100م لأرشيبالد لويس (ص219)، ترجمة أحمد محمد عيسى، وأسلافنا العرب لبوجن أولسومر (ص58)، والعرب والروم لفازلييف (ص164،163)، والسلم في العلاقات العباسية البيزنطية في العصر العباسي الأول للدكتورة نادية حسني صقر (ص108،107).
[5] انظر عن هذه الحادثة بعينها: القوى البحرية والتجارية لأرشيبالد لويس (ص218)، وعن غزوات المسلمين في إيطاليا على وجه العموم تاريخ غزوات العرب لشكيب أرسلان (ص151-156).
[6] كان الفرنجة قد سيطروا على برشلونة بشمال شرق الأندلس، وحاولوا إخضاع مملكة نافار النصرانية التي كانت تتخذ من بنبلونة عاصمة لها، وخرب شارلمان عاصمتهم مرتين، فهاجموا مؤخرة جيشه لدى عودته إلى بلاده في ممرات البرينييه الضيقة، وأنزلوا بجيشه فاجعة كبيرة، وكان البشكنس يأنفون من التبعية لأي أمة من الأمم المحيطة بهم، سواء كانوا من القوط النصارى الذين حكموا الأندلس قبل المسلمين، أو من بقاياهم التي حكمت مملكة جليقية بشمال غرب الأندلس، أو من المسلمين الذين فتحوا الأندلس، أو من الفرنجة النصارى. انظر: دولة الإسلام في الأندلس (1/173-183، 207-223، 353-363، 588-606)، وفجر الأندلس لحسين مؤنس (ص360-390 ،541)، والأندلسيون المواركة لعادل سعيد بشتاوي (ص55،54،51،50)، ودولة القوط الغربيين (ص126)، وفيه حديث عن صراعهم المتواصل مع قوط الأندلس قبل الفتح الإسلامي.
[7] كانوا المؤرخون المسلمون يعبرون غالبًا عن أهل مملكة أشتوريش بجليقية بالجلالقة، كما تراه بكثرة في تاريخ ابن خلدون، ونفح الطيب للمقري، والاستقصا للناصري، وغيرها من المصادر، والجلالقة خليط من القوط، والغال، ويعبرون أحيانًا عن أهل مملكة نافار البشكنس بالبشاكسة، وإن كان الحديث عنهم بهذا المسمى نادر في المصادر الإسلامية، كما كانوا يعبرون عن مملكتهم نافار باسم نبرة. وانظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (2/502)، وقاعدة أربونة ودورها في الجهاد ضد الفرنجة للدكتورة منى حسن محمود (ص74).
وقد كانت العلاقة بين الممالك النصرانية الشمالية بالأندلس تتفاوت بين الصراع والتفرق حينًا، والتوحد والاندماج حينًا آخر، حتى تكون من توحدها في نهاية الوجود الإسلامي بالأندلس مملكة إسبانيا الحديثة، عدا ما كان من استقلال مملكة البرتغال التي ظهرت في أواخر القرن الخامس الهجري بغرب الأندلس. وانظر: دولة الإسلام في الأندلس (2/521-528)، (4/169-185)، والأندلسيون المواركة لعادل سعيد بشتاوي (ص38-51)، والمسلمون في أوروبا وأمريكا للدكتور علي المنتصر الكتاني (1/190-192).
لقراءة المقال كاملاً من مصدره