- لَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالمَدِيْنَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الأَنْصَارِ، وَتَكَفَّلُوا بِنَصْرِهِ، وَمَنْعِهِ مِنَ الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ؛ رَمَتهُمُ العَرَبُ قَاطِبَةً عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَتَعَرَّضُوا لَهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، أَذِنَ اللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لِلمُسْلِمِيْنَ بِالجِهَادِ وَلَمْ يفْرِضُهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ - تَعَالَى-: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39].

 

ثُمَّ لَمَّا صَارُوا فِي المَدِيْنَةِ - أَيُّهَا النَّاسُ - وَصَارَتْ لَهُمْ شَوْكَةُ وَعَضُدٌ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجِهَاد، قَالَ اللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -:  {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}  [البقرة: 216].

 

وَلَمَّا نَزَلَ الإِذْنُ بِالجِهَادِ - أَيُّهَا النَّاسُ - رَأَى رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبْسُطَ سَيْطَرَتَهُ عَلَى الطَّرِيْقِ الرَّئِيْسِي الَّذِي تَسْلُكُهُ قُرَيْشْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَاتِهِمْ، فَأَرْسَلَ البُعُوثَ وَاحِدَةً تَلْو الأُخْرَى إِلَى هَذَا الطَّرِيْقِ.

 

فَكَانَتْ أَوَّلَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ الأَبْوَاءِ، رَوَى ذَلِكَ «البُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ»[1]، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقٍ كَمَا فِي «صَحِيْحِهِ»، وَقَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ إِسْحَاقَ:«أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَبْوَاءَ ثُمَّ بُوَاطَ ثُمَّ الْعُشَيْرَةَ».

 

وَكَانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ - أَيُّهَا النَّاسُ - فِي صَفَر سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا بِنَفْسِهِ فِي سَبْعِيْنَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِيْنَ خَاصَّةً، يَعْتَرِضُ عِيْرًا لِقُرَيْشٍ، حَتَّى بَلَغَ وِدِان وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَاسْتَخْلَفَ فِيْهَا عَلَى المَدِيْنَةِ سَعْدَ بْنَ عِبَادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

 

ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ بُوَاطٍ فِي شَهْرِ رَبِيْعٍِ أَوَّلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَرِضُ عِيْرًا لِقُرَيْشٍ، فِيْهَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَمِائَةُ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَلْفَانِ وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَبَلَغَ بُوَاطًا، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَاسْتَخْلَفَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

 

ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ ذي الْعُشَيْرَةَ فِي جُمَادِي الأَوَّل وَجُمَادِ الآخِرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، خَرَجَ مِنْهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَمْسِيْنَ وَمِائَةٍ وَيُقَالُ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ وَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى الخُرُوجِ، وَخَرَجُوا عَلَى ثَلاَثِيْنَ بَعِيْرًا يَتَعَقَّبُوُنَهَا، يَعْتَرِضُ عِيْرًا لِقُرَيْشٍ، ذَاهِبَةً إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ جَاءَ الخَبَرُ بِفُصُولِهَا مِنْ مَكَّةَ فِيْهَا أَمْوَالٌ لِقُرَيْشٍ، فَبَلَغَ ذَا الْعُشَيْرَةِ، وَذُو الْعُشَيْرَةِ مَوْضِعٌ بِنَاحِيَةِ يَنْبُعَ، فَوَجَدَ العِيْرَ قَدْ فَاتَتْهُ بِأَيَّامٍ، وَهَذِهِ - أَيُّهَا النَّاسُ - هِيَ العِيْرُ الَّتِي خَرَجَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَلَبِهَا حِيْنَ رَجَعَتْ مِنَ الشَّامِ، فَصَارَتْ سَبَبًا لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، وَمَعَ هَذِهِ الغَزْوَةِ عَقَدَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاهَدَةَ عَدَمِ اعْتِدَاءٍ مَعَ بَنِي مُدْلجٍ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَة.

 

وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِيْنَةِ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَكَانَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّهَا النَّاسُ - قَدْ بَعَثَ السَّرَايَا وَالبُعُوث لِإِنْذَارِ قُرَيْشٍ عَقْبَ طَيْشِهَا، وَإِشْعَارِ مُشْرِكِي يَثْرِبَ وَيَهُودَهَا وَأَعْرَابَ البَادِيَةِ الضَّارِبَتَيْنِ حَوْلِهَا بِأَنَّ المُسْلِمِيْنَ أَقْوِيَاءُ وَأَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا مِنْ ضَعْفِهِمُ القَدِيْمِ، هَذَا إِلَى جَانِبِ عَقْدِ المُعَاهَدَاتِ مَعَ القَبَائِلِ [2].

 

وَمِنْ تِلْكَ السَّرَايَا - أَيُّهَا النَّاسُ - سَرِيَّةُ سَيْفِ البَحْرِ:

فَفِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الأَوْلَى مِنَ الهِجْرَةِ، أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذِهِ السَّرِيَّةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَبَعَثَهُ فِي ثَلاَثِيْنَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِيْنَ يَعْتَرِضُ عِيْرًا لِقُرَيْشٍ، جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ، فِيْهَا أَبُو جَهْلٍ بْنِ هِشَامٍ فِي ثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ فَبَلَغُوا سَيْفَ البَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ العِيْصِ، وَهُوَ مَكَانٌ بَيْنَ يَنْبُعَ وَالمَرْوَةِ نَاحِيَةَ البَحْرِ الأَحْمَرِ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفُّوا لِلقِتَالِ، فَمَشَى مَجْدِي بْنُ عَمْرُو الجَهْنِيِّ - وَكَانَ حَلِيْفًا لِلفَرِيْقَيْنِ جَمِيْعًا - بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلاَءِ حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَقْتَتِلُوا.

 

وَكَانَ لِوَاءُ حَمْزَةَ - أَيُّهَا النَّاسُ - أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَبْيَضَ، وَحَمَلَهُ أَبُو مَرْثَدَ الغَنَوي، وَمِنْ تِلْكَ السَّرَايَا - أَيُّهَا النَّاسُ - سَرِيَّةُ رَابَغُ، وَكَانَتْ فِي وَاحِدٍ مِنْ شَهْرِ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الأُوْلَى مِنَ الهِجْرَةِ، بَعَثَ لَهَا رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُبَيْدَةَ بْنَ الحَارِثِ فِي سِتِّيْنَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِيْنَ، فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَهُوَ فِي مِائَتَيْنِ عَلَى بَطْنِ رَابِغِ، وَقَدْ تَرَامَى الفَرِيْقَانِ بِالنِّبَلِ وَلَمْ يَقَعْ قِتَالٌ.

 

وَفِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ انْضَمَّ رَجُلاَنِ مِنْ جَيْشِ مَكَّةَ إِلَى المُسْلِمِيْنَ، وَهُمَا المِقْدَادُ ابْنُ عَمْرُو، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانِ، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ خَرَجَا مَعَ الكُفَّارِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وَسِيْلَةً لِلوُصُولِ إِلَى المُسْلِمِيْنَ، وَكَانَ لِوَاءَ عُبَيْدَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَبْيَضَ، وَحَامَلُهُ مَسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -.

 

وَمِنْ تِلْكَ السَّرَايَا - أَيُّهَا النَّاسُ - سَرِيَّةُ الخَرَّارِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالقُرْبِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَذَلِكَ فِي ذِي العَقَدَةِ مِنَ السَّنَةِ الأُوْلَى لِلهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، فِي عِشْرِيْنَ رَجُلًا، يَعْتَرِضُ عِيْرًا لِقُرَيْشٍ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ أَلَّا يُجَاوِزَ الخَرَّارِ، فَخَرَجُوا مُشَاةً يَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ، وَيَسِيْرُونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى بَلَغُوا الخَرَّارَ صَبِيْحَةَ خَمْسٍ، فَوَجَدُوا العِيْرَ قَدْ مَرَّتْ بِالأَمْسِ، وَكَانَ لِوَاءَ سَعْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَبْيَضَ، وَحَامَلُهُ المِقْدَادُ ابْنُ عَمْرُو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.


[1] رَوَاهُ البُخَارِيُّ ( 3949).

[2] انْظُرْ: «الرَّحِيْقُ المَخْتُومِ» (217).