قَوَاعِدُ فَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ (11)
 
قَوْلُهُ: ( إِذَا انْصَبَّ النَّهيُ عَلَى ذَاتِ الفِعْلِ): أي إذا كان النهي عن الفعل لذاته وعينه، فإنه يُفيد الفسادَ والبطلانَ بالإجماعِ، ولا تترتب عليه آثاره إذا كان في المعاملات، ولا تبرأ به الذمةُ إذا كان من العبادات[1].
 
ومن الأدلة على ذلك[2]:
الدليل الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)[3].
أي مردود، وما كان مردودًا على فاعله، فكأنه لم يوجد.
 
والرد إذا أضيف إلى العبادات اقتضى عدم الاعتداد بها، وإن أضيف إلى العقود اقتضى فسادها.
 
الدليل الثاني: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (مِنْ أَيْنَ هَذَا؟)، قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: (أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ)[4].
 
فلما أمرَه صلى الله عليه وسلم بردِّه دل على أن النهيَّ يقتضي الفساد.
 
الدليل الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها، وقد شاع وذاع ذلك من غير نكير، فكان إجماعًا.
فاستدلوا على فساد عقود الربا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) [5] .
 
واستدل عمرُ رضي الله عنه على فساد نكاح المشركات بقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ [البقرة: 221].
 
ومن الأمثلة على انصباب النهي على ذات الفعل:
[1]: الزنا.
[2]: الخمر.
[3]: الكفر.
[4]: الظلم.
[5]: الكذب.
 
قَوْلُهُ: (أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ اقْتَضَى الفَسَادَ وَالبُطْلَانَ): أي إذا كان النهي عن الفعل مُنْصبًّا على شرط من شروطه، فإنه يفيد الفساد والبطلان، فلا تترتب عليه آثاره إذا كان في المعاملات، ولا تبرأ به الذمة إذا كان من العبادات[6].
 
ومن الأدلة على ذلك[7]:
الدليل الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ)[8].
الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بفساد وبُطلان الصلاة؛ لأنها فقدت شرطًا من شروطها، وهو الطهارة.
 
الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ)[9].
الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بفساد النكاح؛ لأنه فقد شرطًا من شروطه، وهو الولي.
 
الدليل الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ)[10].
الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بفساد وبطلان الصيام؛ لأنها فقدت شرطًا من شروطها، وهو النية.
 
ومن الأمثلة على انصباب النهي على شرط من شروط الفعل:
[1]: الصلاة بلا طهارة.
[2]: النكاح بلا ولي.
[3]: الصوم بلا نية.
[4]: البيع بلا تراضٍ.
[5]: البيع بجهالة في الثمن، أو السلعة.
 
قَوْلُهُ: (وَإِذَا انْصَبَّ عَلَى أَمْرٍ مُقَارِنٍ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ): أي إذا انصب النهي على أمر مقارِن للفعل - أي على أمر خارج عن الفعل - فإن النهي لا يقتضي الفسادَ ولا البطلانَ، وتبرأ به الذمة إذا كان من العبادات، وتترتب عليه آثاره إذا كان من المعاملات، ولكن يأثم فاعله[11].
 
ومن الأدلة على ذلك[12]:
الدليل الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم:(لَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ)[13].
 
الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاه بيعا، وصححه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)، ولم يُخبر بفساد البيع.
 
الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ)[14].
 
الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاه بيعا، وصححه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:(فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ)، ولم يخبر بفساد البيع[15].
 
ومن الأمثلة على انصباب النهي على أمرٍ مقارِن للفعل:
[1]: البيع في المسجد.
فالنهي لم ينصَبَّ على ذات الفعل وهو البيع، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو كون البيع في المسجد.
حكمه: البيع صحيح وتترتب عليه آثاره، ولكن يأثم فاعله.
 
[2]: الصلاة في ثوب مغصوب.
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو الصلاة، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو الغصْب.
حكمها: الصلاة صحيحة وتبرأ بها الذمة، ولكن يأثم فاعلها.
 
[3]: الصلاة في أرض مغصوبة.
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو الصلاة، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو الغصْب.
حكمها: الصلاة صحيحة وتبرأ بها الذمة، ولكن يأثم فاعلُها.
 
[4]: الطهارة بماء مغصوب.
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو الطهارة، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو الغصْب.
حكمها: الطهارة صحيحة وتبرأ بها الذمة، ولكن يأثم فاعلها.
 
[5]: بيع المصرَّاة[16].
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو البيع، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو التَّصْرِية.
حكمه: البيع صحيح وتترتب عليه آثاره، ولكن يأثم فاعله.
 
[6]: الذبح بسكِّين مغصوب.
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو الذبح، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو الغصب.
حكمه: الذبح صحيح وتترتب عليه آثاره، ولكن يأثم فاعلُه.
 
[7]: تلقي الرُّكبان لشراء ما معهم.
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو الشراء، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو تلقي الركبان.
حكمه: البيع صحيح وتترتب عليه آثاره، ولكن يأثم فاعلُه.
 
[8]: البيع في المسجد.
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو البيع، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو كونه في المسجد.
حكمه: البيع صحيح وتترتب عليه آثاره، ولكن يأثم فاعلُه.
 
[9]: بيع النَّجش[17].
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو الصلاة، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو النَّجش.
حكمه: البيع صحيح وتترتب عليه آثاره، ولكن يأثم فاعله.
 
[10]: الصلاة في أوقات النهي.
فالنهي لم ينصب على ذات الفعل وهو الصلاة، وإنما انصب على أمر خارج عن الفعل وهو الوقت.
حكمها: الصلاة صحيحة وتبرأ بها الذمة، ولكن يأثم فاعلها.
 
 
الأسئلة والمناقشة
أجب عن الأسئلة الآتية:
1- عرِّف كلا مما يأتي لُغَةً، واصطلاحًا: [المجمل- المبيَّن- العام- الخاص- الظاهر- المؤول- النص- المطلق- المقيد- الأمر- النهي]
 
2- اذكر مثالين على كل مما يأتي:
[المجمل- المبيَّن- العام- الخاص- الظاهر- المؤول- النص- المطلق- المقيد- الأمر- النهي]
 
3- ما حكم العمل بكل مما يأتي؟ [المجمل- المبيَّن- العام- الخاص- الظاهر- المؤول- النص- المطلق- المقيد- الأمر- النهي]
 
4- ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، وضح ذلك مع ذكر مثال.
 
5- ما الفرق بين العام والمطلق؟
 
6- متى يُحمل المطلق على المقيد؟
 
7- علامَ يدل الأمر بعد الحظر؟ مع ذكر أمثلة.
 
8- ما هي شروط تأويل الظاهر؟ مع ذكر مثال على كل شرط.
 
9- السياق من المقيدات، وضِّح ذلك.
 
10- الأمر للوجوب إلا بقرينة صارفة، وضِّح ذلك مع ذكر أمثلة.
 
11- النهي للتحريم إلا بقرينة صارفة، وضِّح ذلك مع ذكر أمثلة.
 
12- اذكر أشهر صيغ الأمر، مع ذكر مثال على كل صيغة.
 
13- اذكر أشهر صيغ النهي، مع ذكر مثال على كل صيغة.
 
14- متى يقتضي النهي الفساد والبطلان؟ ومتى لا يقتضي ذلك؟



[1] انظر: روضة الناظر (2/ 652-653)، ومجموع الفتاوى (29/ 281-282)، وشرح الكوكب المنير (3/ 84).


[2] انظر: روضة الناظر (2/ 655)، ومجموع الفتاوى (29/ 281-282)، وشرح الكوكب المنير (3/ 84-87).


[3] متفق عليه: رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718)، واللفظ له، عن عائشة رضي الله عنها.


[4] متفق عليه: رواه البخاري (2312)، ومسلم (1594).


[5] متفق عليه: رواه البخاري (2177)، ومسلم (1584)، عن أيس سعيد رضي الله عنه.


[6] انظر: مجموع الفتاوى (29/ 281-282)، وشرح الكوكب المنير (3/ 84).


[7] انظر: شرح الكوكب المنير (3/ 87-88).


[8] صحيح: رواه مسلم (224)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.


[9] صحيح: رواه أبو داود (2085)، والترمذي (1101)، وابن ماجه (1881)، وأحمد (19518)، عن أبي موسى رضي الله عنه، وصححه الألباني.


[10] صحيح: رواه النسائي (2331)، وصححه الألباني.


[11] انظر: روضة الناظر (2/ 652)، مجموع الفتاوى (29/ 288-290)، وشرح الكوكب المنير (3/ 93-96).


[12] انظر: مجموع الفتاوى (29/ 285-286)، وشرح الكوكب المنير (3/ 93-96).


[13] متفق عليه: رواه البخاري (2150)، ومسلم (1515)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.


[14] صحيح: رواه الترمذي (1321)، والنسائي في الكبرى (9933)، وصححه الألباني.


[15] انظر: المغني، لابن قدامة (6/ 383).


[16] المصراة: هي البهيمة التي لا تُحلب أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضَرعِها، فإذا حلبها المشتري استغزرها؛ [انظر: المطلع، صـ (282)].


[17] النَّجش:هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها، أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها؛ ليأخذها غيره؛ [انظر: النهاية في غريب الحديث (5/ 21)].