رأي الإمام الشَّاطبي في أقسام تحقيق المناط في الاجتهاد (1)
قسم الشَّاطبي تحقيق المناط إلى قسمين:
القسم الأول: تحقيق المناط الخاص بالأنواع.
والقسم الثاني: تحقيق المناط الخاص بالأشخاص أو بالأعيان.
ومما يبين أن الشَّاطبيَّ يقسم تحقيق المناط إلى هذينِ القسمين قوله: "وقد يكون من هذا القسم ما يصح فيه التقليد، وذلك فيما اجتهد فيه الأولون من تحقيق المناط إذا كان متوجهًا على الأنواع، لا على الأشخاص المعيَّنة"[1].
وبعد هذا الإجمال نعرض لبيان القسم الأول بالتفصيل:
وهو تحقيق المناط الخاص بالأنواع: فإن الشَّاطبي لم يتطرق إلى تعريفه، ولكنه ضرب أمثلة توضحه، ويمكن من خلال فهم الأمثلة، ومن خلال فهم مسماه، أن نعرف هذا القسم: بأنه ما يختص بتبيين أنواع مندرجة تحت حكم مطلق أو عام، وفيما يلي نعرض لبعض أمثلة هذا القسم، ويمكن من خلالها تطبيق ما فهم من تعريفه.
وقد ضرب الشَّاطبي لهذا النوع من تحقيق المناط أمثلة كثيرة مبينة له، ومنها:
1- المِثل في جزاء الصيد:
فالمثل جاء في الشرع مطلقًا من القيود، ودون أن تحقق وتعين أنواعه، وذلك في قوله تعالى: ﴿ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ [المائدة: 95]؛ فالمثل مطلق في الآية، والحكم ثابت بالنص، ولكن لم يعين محله، وقد تكفل العلماء وأهل الخبرة بتعيين المثل لكل نوع مقتول؛ فالكبش للضبع، والعنز للغزال، والعَناق[2] للأرنب، والبقرة للبقرة الوحشية، والشاة للشاة من الظباء.
2- الرقبة في عتق الكفارات:
فالأدلة أطلقت الرقبة المؤمنة، ولم تحددها بالأوصاف، فاجتهد العلماء في تعيينها وضبطها؛ ولذا اشترطوا أن تكون سليمة من العيوب.
3- البلوغ في الغلام والجارية:
فالأدلة علقت كثيرًا من الأحكام الشرعية بالبلوغ، ولم تعين محله، وقد اجتهد العلماء فحددوا أنواع ما يتحقق به البلوغ، كالإنزال للغلام، والحيض للجارية[3].
4- جزاء المحارب لله ورسوله:
فالدليل الشرعي في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾[4] [المائدة: 33] الآية، قد جاء بمطلق التخيير، فرأى بعض العلماء تقييد ذلك بالاجتهاد؛ فالقتل في موضع، والصَّلْب في آخر، وهكذا[5].
5- التخيير في الأسرى:
فالدليل فيه مطلق التخيير: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾[6] [محمد: 4]، ورأى بعضُ العلماء أن التخيير مقيد بالاجتهاد، فالمنُّ في موضع، والفداء في آخَر[7].
6- تحقيق مقدار أَرْش الجناية.
7- ومِثل ذلك تحقيق مقدار قيمة المتلَف:
فمَن جنى جناية لا يمكن فيها القِصاص، وليست مقدَّرة شرعًا، أو أتلف على غيره، فإن الواجب عليه أَرْش الجناية، وضمان قيمة المتلَف، ولتحديد ذلك لا بد من الرجوع إلى أهل الخبرة[8]، كما أن مَن جنى جناية فيها القِصاص، أو مقدرة شرعًا، فيحتاج إلى الرجوع إلى أهل الخبرة في تحديد تلك الجناية ومقدارها.
8- ومِن ذلك: أن الأدلة في الشريعة جاءت بالحث على النكاح دون تفريق، فقسمه العلماء بالاجتهاد إلى الأحكام الخمسة؛ فيجب في موضع، ويستحب في آخر، ويحرم في موضع، ويكره في آخر، ويباح في موضع[9].
وهذا نظرٌ منهم إلى هذا النوع من تحقيق المناط، وإذا تبين هذا اتضح أن هذا النوع من تحقيق المناط معمول به عند العلماء، بل قد نقل الشَّاطبي لنا اتفاقهم عليه في الجملة، فقال - وهو يتحدث عن تحقيق المناط الشخصي الخاص -: "وتحقيق المناط في الأنواع، واتفاق الناس عليه في الجملة مما يشهد له"[10].
فإذًا هذا النوع هو في الحقيقة تحقيق لمتعلق الحكم المنصوص عليه، أو المجمع عليه في الجملة؛ أي: باعتبار كلي، لا على التعيين، فبتحقيق هذا النوع من الاجتهاد تتنزل الأحكام على الأنواع والفئات، كما نقول: مَن صاد ضبعًا وهو محرم، فعليه كبش، فهذا تحقيق نوعي، وهو - ولا شك - مفتقرٌ في إنزاله على الواقع إلى القسم الثاني من تحقيق المناط، وهو الخاص بالأشخاص؛ أي: بالأعيان.
ولذلك قال الشَّاطبي: "ولكن هذا الاجتهاد في الأنواع لا يُغْني عن الاجتهاد في الأشخاص المعيَّنة"[11].
وقد يكون مِن هذا القسم - كما ذكر الشَّاطبي - ما بيَّن الشرع مناطه وحدَّه بحدٍّ بيِّن لا خفاء فيه، وقد مثل له الشَّاطبي: بحد الغنى الموجب للزكاة؛ فإن حد الغنى لما أن كان مختلفًا باختلاف الأحوال، حقَّق الشارع مناطه، وحدده بحد لا يتعدى، وهو عشرون دينارًا، أو مئتا درهم[12].
وتحقيق المناط النوعي هنا ليس موكولًا إلى البشر، وإنما قد حدده الشارع وبينه[13]، وهو حينئذ ليس بحاجة إلا إلى تحقيق المناط الشخصي حتى ينزل حكمه على الأعيان.
ومِن خلال تأمل الأمثلة التي ذكرها الشَّاطبي لهذا النوع من الاجتهاد، يتبين أن بعض الأمثلة يختص بالعالم المجتهد، بينما بعض الأمثلة لا يختص به، بل يختص بأصحاب الخبرة.
فمثلًا تحقيق المناط المتعلق بالمِثل لا يختص بالعلماء، بل بأهل الخبرة، وكذلك المتعلق بأَرْش الجناية وضمان المتلَف، بينما تحقيق المناط المتعلق بالنكاح، والبلوغ، وجزاء المحارب، والعتق في الكفارات والتخيير في الأسرى، يختص بالعلماء؛ إذ هم الذين بينوا مثلًا علامات البلوغ، ومتى يحرُم النكاح، ومتى يجب، ونحو ذلك.
ولأجل ما سبق يمكن أن نقسم هذا القسم إلى نوعين:
النوع الأول: نوع عام.
النوع الثاني: نوع خاص.
ونعني بالنوع العام ما لا يختص بالمجتهد، بل هو عام في المجتهد، وفي أهل الخبرة، بل وأحيانًا يختص الأمر بأهل الخبرة دون غيرهم، فيكون المراد حينئذ بأنه عام؛ أي: ليس خاصًّا بالعالم المجتهد.
وأما الخاص: فنعني به ما اختص بالعلماء المجتهدين دون غيرهم.
ويمكن أن يتلخص لنا مما سبق: أن هذا النوع من تحقيق المناط هو أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله كليًّا وإجمالًا، وأنه محل وفاق، وقد عمِل به الصحابة والعلماء من بعدهم، وأنه على نوعينِ؛ فمنه ما يختص بالعلماء، ومنه ما لا يختص بهم، بل بأهل الخبرة عمومًا، سواء كانوا علماء أم لا، كما أنه لا يستغني عن تحقيق المناط الشخصي.
[1] الموافقات (5/ 17).
[2] العَنَاق - بفتح العين والنون، كسَحَاب -: الأنثى من أولاد المَعْز؛ انظر: القاموس المحيط (1178) مادة: "عنق".
[3] انظر للأمثلة: الموافقات (5/ 17).
[4] وممن قال بالتخيير في الآية: ابن عباس في رواية عنه، واختاره مالك، وانظر لتأويل الآية والخلاف فيها: جامع البيان (4/ 552) الجامع لأحكام القرآن (6/ 151).
[5] انظر: الموافقات (5/ 37 - 38).
[6] وممن قال بالتخيير في الآية: ابن عمر، ونقله القرطبي عن مالك، والشافعي، واختاره ابن جرير؛ انظر للخلاف في الآية: جامع البيان (11/ 307) الجامع لأحكام القرآن (16/ 227 - 228).
[7] انظر: الموافقات (5/ 38).
[8] انظر: الموافقات (5/ 14).
[9] انظر: الموافقات (5/ 38).
[10] الموافقات (5/ 37).
[11] الموافقات (5/ 17).
[12] جاء ذلك من حديث أنس - رضي الله عنه - فيما كتب له أبو بكر - رضي الله عنه - في فريضة الصدقة، وفيه قوله: (وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها ...)؛ رواه البخاري في كتاب الزكاة باب زكاة الغنم (2/ 151/ 1454)، وجاء بأصرحَ مِن هذا من حديث علي - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار ...))؛ رواه أبو داود في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة (2/ 230/ 1573) من طريق عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي، وقال المنذري في مختصر السنن (2/ 191): "الحارث وعاصم ليسَا حجة"، وأعله ابن حزم في المحلى (6/ 70) بأن الحارث كذاب، وقرن بعاصم، وعاصم لم يرفعه، فجمعهما الراوي عنهما، وكل مَن روى عن عاصم أوقفه، ثم عاد فيه (6/ 74) فقال: "ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح، لا يجوز خلافه"، ونقله عنه ابن القيم في تهذيب السنن، وأقره عليه، وحسنه ابن حجر في بلوغ المرام (1/ 156)، وصححه أحمد شاكر في شرحه على المسند (2/ 311/ 1264).
[13] انظر: الاعتصام (2/ 389).
رأي الإمام الشاطبي في أقسام تحقيق المناط في الاجتهاد (1)
جاري تجهيز الصوت…
رأي الإمام الشَّاطبي في أقسام تحقيق المناط في الاجتهاد (1) قسم الشَّاطبي تحقيق المناط إلى قسمين:القسم الأول: تحقيق المناط الخاص بالأنواع.والقسم الثاني: تحقيق المناط الخاص بالأشخاص أو بالأعيان.ومما يبين أن الشَّاطبيَّ يقسم تحقيق المناط إلى هذينِ القسمين قوله: "وقد يكون من هذا القسم ما يصح فيه التقليد، وذلك فيما اجتهد فيه الأولون من تحقيق المناط إذا كان متوجهًا على الأنواع، لا على الأشخاص المعيَّنة"[1]. وبعد هذا الإجمال نعرض لبيان القسم الأول بالتفصيل:وهو تحقيق المناط الخاص بالأنواع: فإن الشَّاطبي لم يتطرق إلى تعريفه، ولكنه ضرب أمثلة توضحه، ويمكن من خلال فهم الأمثلة، ومن خلال فهم مسماه، أن نعرف هذا القسم: بأنه ما يختص بتبيين أنواع مندرجة تحت حكم مطلق أو عام، وفيما يلي نعرض لبعض أمثلة هذا القسم، ويمكن من خلالها تطبيق ما فهم من تعريفه. وقد ضرب الشَّاطبي لهذا النوع من تحقيق المناط أمثلة كثيرة مبينة له، ومنها:1- المِثل في جزاء الصيد:فالمثل جاء في الشرع مطلقًا من القيود، ودون أن تحقق وتعين أنواعه، وذلك في قوله تعالى: ﴿ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ [المائدة: 95]؛ فالمثل مطلق في الآية، والحكم ثابت بالنص، ولكن لم يعين محله، وقد تكفل العلماء وأهل الخبرة بتعيين المثل لكل نوع مقتول؛ فالكبش للضبع، والعنز للغزال، والعَناق[2] للأرنب، والبقرة للبقرة الوحشية، والشاة للشاة من الظباء. 2- الرقبة في عتق الكفارات:فالأدلة أطلقت الرقبة المؤمنة، ولم تحددها بالأوصاف، فاجتهد العلماء في تعيينها وضبطها؛ ولذا اشترطوا أن تكون سليمة من العيوب.3- البلوغ في الغلام والجارية:فالأدلة علقت كثيرًا من الأحكام الشرعية بالبلوغ، ولم تعين محله، وقد اجتهد العلماء فحددوا أنواع ما يتحقق به البلوغ، كالإنزال للغلام، والحيض للجارية[3].4- جزاء المحارب لله ورسوله:فالدليل الشرعي في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾[4] [المائدة: 33] الآية، قد جاء بمطلق التخيير، فرأى بعض العلماء تقييد ذلك بالاجتهاد؛ فالقتل في موضع، والصَّلْب في آخر، وهكذا[5].5- التخيير في الأسرى:فالدليل فيه مطلق التخيير: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾[6] [محمد: 4]، ورأى بعضُ العلماء أن التخيير مقيد بالاجتهاد، فالمنُّ في موضع، والفداء في آخَر[7].6- تحقيق مقدار أَرْش الجناية.7- ومِثل ذلك تحقيق مقدار قيمة المتلَف:فمَن جنى جناية لا يمكن فيها القِصاص، وليست مقدَّرة شرعًا، أو أتلف على غيره، فإن الواجب عليه أَرْش الجناية، وضمان قيمة المتلَف، ولتحديد ذلك لا بد من الرجوع إلى أهل الخبرة[8]، كما أن مَن جنى جناية فيها القِصاص، أو مقدرة شرعًا، فيحتاج إلى الرجوع إلى أهل الخبرة في تحديد تلك الجناية ومقدارها.8- ومِن ذلك: أن الأدلة في الشريعة جاءت بالحث على النكاح دون تفريق، فقسمه العلماء بالاجتهاد إلى الأحكام الخمسة؛ فيجب في موضع، ويستحب في آخر، ويحرم في موضع، ويكره في آخر، ويباح في موضع[9].وهذا نظرٌ منهم إلى هذا النوع من تحقيق المناط، وإذا تبين هذا اتضح أن هذا النوع من تحقيق المناط معمول به عند العلماء، بل قد نقل الشَّاطبي لنا اتفاقهم عليه في الجملة، فقال - وهو يتحدث عن تحقيق المناط الشخصي الخاص -: "وتحقيق المناط في الأنواع، واتفاق الناس عليه في الجملة مما يشهد له"[10]. فإذًا هذا النوع هو في الحقيقة تحقيق لمتعلق الحكم المنصوص عليه، أو المجمع عليه في الجملة؛ أي: باعتبار كلي، لا على التعيين، فبتحقيق هذا النوع من الاجتهاد تتنزل الأحكام على الأنواع والفئات، كما نقول: مَن صاد ضبعًا وهو محرم، فعليه كبش، فهذا تحقيق نوعي، وهو - ولا شك - مفتقرٌ في إنزاله على الواقع إلى القسم الثاني من تحقيق المناط، وهو الخاص بالأشخاص؛ أي: بالأعيان.ولذلك قال الشَّاطبي: "ولكن هذا الاجتهاد في الأنواع لا يُغْني عن الاجتهاد في الأشخاص المعيَّنة"[11].وقد يكون مِن هذا القسم - كما ذكر الشَّاطبي - ما بيَّن الشرع مناطه وحدَّه بحدٍّ بيِّن لا خفاء فيه، وقد مثل له الشَّاطبي: بحد الغنى الموجب للزكاة؛ فإن حد الغنى لما أن كان مختلفًا باختلاف الأحوال، حقَّق الشارع مناطه، وحدده بحد لا يتعدى، وهو عشرون دينارًا، أو مئتا درهم[12].وتحقيق المناط النوعي هنا ليس موكولًا إلى البشر، وإنما قد حدده الشارع وبينه[13]، وهو حينئذ ليس بحاجة إلا إلى تحقيق المناط الشخصي حتى ينزل حكمه على الأعيان. ومِن خلال تأمل الأمثلة التي ذكرها الشَّاطبي لهذا النوع من الاجتهاد، يتبين أن بعض الأمثلة يختص بالعالم المجتهد، بينما بعض الأمثلة لا يختص به، بل يختص بأصحاب الخبرة.فمثلًا تحقيق المناط المتعلق بالمِثل لا يختص بالعلماء، بل بأهل الخبرة، وكذلك المتعلق بأَرْش الجناية وضمان المتلَف، بينما تحقيق المناط المتعلق بالنكاح، والبلوغ، وجزاء المحارب، والعتق في الكفارات والتخيير في الأسرى، يختص بالعلماء؛ إذ هم الذين بينوا مثلًا علامات البلوغ، ومتى يحرُم النكاح، ومتى يجب، ونحو ذلك. ولأجل ما سبق يمكن أن نقسم هذا القسم إلى نوعين:النوع الأول: نوع عام.النوع الثاني: نوع خاص.ونعني بالنوع العام ما لا يختص بالمجتهد، بل هو عام في المجتهد، وفي أهل الخبرة، بل وأحيانًا يختص الأمر بأهل الخبرة دون غيرهم، فيكون المراد حينئذ بأنه عام؛ أي: ليس خاصًّا بالعالم المجتهد.وأما الخاص: فنعني به ما اختص بالعلماء المجتهدين دون غيرهم.ويمكن أن يتلخص لنا مما سبق: أن هذا النوع من تحقيق المناط هو أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله كليًّا وإجمالًا، وأنه محل وفاق، وقد عمِل به الصحابة والعلماء من بعدهم، وأنه على نوعينِ؛ فمنه ما يختص بالعلماء، ومنه ما لا يختص بهم، بل بأهل الخبرة عمومًا، سواء كانوا علماء أم لا، كما أنه لا يستغني عن تحقيق المناط الشخصي.[1] الموافقات (5/ 17).[2] العَنَاق - بفتح العين والنون، كسَحَاب -: الأنثى من أولاد المَعْز؛ انظر: القاموس المحيط (1178) مادة: "عنق".[3] انظر للأمثلة: الموافقات (5/ 17).[4] وممن قال بالتخيير في الآية: ابن عباس في رواية عنه، واختاره مالك، وانظر لتأويل الآية والخلاف فيها: جامع البيان (4/ 552) الجامع لأحكام القرآن (6/ 151).[5] انظر: الموافقات (5/ 37 - 38).[6] وممن قال بالتخيير في الآية: ابن عمر، ونقله القرطبي عن مالك، والشافعي، واختاره ابن جرير؛ انظر للخلاف في الآية: جامع البيان (11/ 307) الجامع لأحكام القرآن (16/ 227 - 228).[7] انظر: الموافقات (5/ 38).[8] انظر: الموافقات (5/ 14).[9] انظر: الموافقات (5/ 38).[10] الموافقات (5/ 37).[11] الموافقات (5/ 17).[12] جاء ذلك من حديث أنس - رضي الله عنه - فيما كتب له أبو بكر - رضي الله عنه - في فريضة الصدقة، وفيه قوله: (وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها ...)؛ رواه البخاري في كتاب الزكاة باب زكاة الغنم (2/ 151/ 1454)، وجاء بأصرحَ مِن هذا من حديث علي - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار ...))؛ رواه أبو داود في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة (2/ 230/ 1573) من طريق عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي، وقال المنذري في مختصر السنن (2/ 191): "الحارث وعاصم ليسَا حجة"، وأعله ابن حزم في المحلى (6/ 70) بأن الحارث كذاب، وقرن بعاصم، وعاصم لم يرفعه، فجمعهما الراوي عنهما، وكل مَن روى عن عاصم أوقفه، ثم عاد فيه (6/ 74) فقال: "ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح، لا يجوز خلافه"، ونقله عنه ابن القيم في تهذيب السنن، وأقره عليه، وحسنه ابن حجر في بلوغ المرام (1/ 156)، وصححه أحمد شاكر في شرحه على المسند (2/ 311/ 1264).[13] انظر: الاعتصام (2/ 389).