نحو فقه جديد بقواعد أصولية معتبرة
بداية نشير إلى أن التشريع الإسلامي لا يعني الاقتصار على فقه مذهب معين، وإنما هو القواعد والأحكام الأساسية التي قررها القرآن والسنة ونشأ في رحابها فقه خصب، منذ عهد الصحابة وإلى عصرنا، وهذا يعني ثروة هائلة من الأحكام الفقهية والاجتهادات والوقائع والقضايا المتنوعة، وهي ليست ملزمة لنا بقدر ما تتدعم به أدلة الشرع المحكمة نصوصاً أو قواعد، والقاعدة المقررة في هذا الشأن أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال والعرف. ومن ثم لا يجوز الحجر على أنفسنا بالالتزام بمذهب واحد ضعيف الحجة في بعض القضايا أو لا يحقق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، فلا بأس من الاستعانة بالمذاهب الأخرى، وساحة الشريعة واسعة [1].
أيضاً، فإن التشريع الإسلامي المنشود هو الذي يقوم على أساس اجتهاد عصري سليم، سواء كان اجتهادا انتقائياً أو إنشائياً، دون النظر إلى فئتين: المذهبيين المقلدين المتعصبين لمذاهبهم، الذين لا يريدون أن يحيدوا عنها، والمذهبيين الحَرْفيين الذين يشكلون الظاهرية الجديدة، وليس المقصود بالاجتهاد الجديد أن يتصدى كل من هب ودب للبحث والإفتاء، فيعملون عقولهم في النصوص لاستنباط أحكام تخدم أهواءهم وأفكارهم، فهم ينقدون الفقه ويرونه مجرد وجهة نظر تمثل رأي شخص معيّن في عصر معين، وهذا صحيح بالنظر إلى جزئيات الأقوال والآراء التي قال بها الفقهاء في أزمنة مختلفة، ولكنه غير صحيح بالنسبة لمجموع الفقه الذي يمثل ثروة تشريعية ضخمة شاركت في إنشائها وتنميتها شوامخ العقول الإسلامية ولا يعقل أن تكون هناك أمة تطرح تراثها القانوني والشرعي وراء ظهرها لتبدأ بتراث فقهي جديد، وقوانين جديدة [2].
فالتراث الفقهي الضخم لدينا يستند إلى قواعد وأسس، وليس أحكاما هلامية لا يجمعها ضوابط أو أصول، فمن العبث أن يتم التعامل مع هذا التراث بوصفه كما متوارثا يعبر عن ظروف وأحوال غير التي نحيا فيها الآن، فلابد من معرفة طرق تعامل الفقهاء مع النصوص في ضوء الوقائع المختلفة ومناهجهم في ذلك، وهي في جميع الأحوال مبنية على قواعد أصولية راسخة، تشكل الأسس الحاكمة في الاجتهاد، وقواعد هذا الاجتهاد، حتى نبني على جهودهم، ونقيس على اجتهاداتهم. وهناك قضايا تخص العبادات؛ الاجتهاد فيها محدود، ولابد من الأخذ بما فيها من أحكام فقهية مستقرة. كما لا يقبل تنحية هذا التراث العظيم عند البناء القانوني والتشريعي الجديد للأمة.
وعندما بدأت النهضة الحديثة في العالم الإسلامي، لم تواكبها رؤية واضحة لقضية التراث وحركة الإحياء، وبسبب وقوع المنطقة تحت دائرة نفوذ الحضارة الغربية القوي، تولّدت تيارات فكرية معادية لحركة الإحياء، مما أنتج التناقضات في بنية المجتمع الإسلامي الحديث وأعاق نهضته الحضارية، فالحضارة تزدهر في ظل إيديولوجية واضحة توحّد حركتها باتجاه الهدف وتعطيه الحوافز الروحية اللازمة للبناء والتقدم[3].
يُذكَر هذا، لأن الفقهاء قديما كانوا يستندون إلى علم الأصول في استنباطهم للأحكام وهو يقدّم رؤية كلية متكاملة، وهذا المراد في قراءة الواقع التنموي في ضوء أسس الفروض الكفائية، وهي منطلقات ذكرها الأقدمون ورسخوها وعللوا لها، وقدموها في بناء محكم علينا أن ننطلق منه، ونستلهمه، ونقيس عليه ومن خلاله، واضعين في الحسبان كيف نظر الفقهاء والقدامى إلى قضايا الفروض الكفائية في مجتمعاتهم، والوقائع التي تعاملوا بها معهم، وما ينبغي علينا أن ننظر به في قضايا مجتمعنا، وبعبارة موجزة: التعامل الفقهي مع قضايانا المعاصرة تعني عودتنا للأصول فهما دراسة وتمحيصا. وقد أشار الشاطبي إلى أسس الدراسة الأصولية وذكر مبادئ عدة، على العالم الأصولي أن يراعيها، وعلى الفقيه أن ينطلق منها؛ فأصول الفقه تعود في دراستها وقضاياها المتناولَة إلى كليّات الشريعة في الأمور قطعية الدلالة وليست ظنية الدلالة [4]، فلو كانت ظنية لم تفدْ القطع في المطالب المختصة به، وهي تعود في ذلك إلى الأصول العقلية المتفق عليها وهي الوجوب والجواز والاستحالة، فإما تكون هذه القضايا من الأمور العادية، إذ من الأمور العادية ما هو في حكم الواجب عادةً أو جائز أو مستحيل أو تكون أمورا سمعية وأجلها المستفاد من الأخبار المتواترة في اللفظ على نحو ما معروف في هذا الشأن، ويلحق بهذه الأحكام الوقوع أو عدم الوقوع[5].
وأن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحكام العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها، وما يخرج عن هذا الأساس يؤدي إلى خلاف أو فتنة، " فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب حتى تفرقوا شيعا " [6].
وهنا نجد تركيزا على الجانب العملي أو التكليفي (العيني أو الكفائي) الذي يخص الناس، دون الخوض في أمور جدلية لا ينبني عليها عمل، ولا تفيد فردا أو مجتمعا، وإنما تؤدي إلى فتن وآثار نفسية وصراعات فردية وجماعية.
[1] ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، القرضاوي، م س، ص195-196.
[2] السابق، ص197 -198.
[3] التراث والمعاصرة، د. أكرم ضياء العمري، سلسلة كتاب الأمة، العدد ( 10 )، ط1، 1405هـ، ص30.
[4] الموافقات في أصول الشريعة، م س، ج1، ص21.
[5] الموافقات..، ج1، ص25.
[6] السابق، ج1، ص37.
نحو فقه جديد بقواعد أصولية معتبرة
جاري تجهيز الصوت…
نحو فقه جديد بقواعد أصولية معتبرة بداية نشير إلى أن التشريع الإسلامي لا يعني الاقتصار على فقه مذهب معين، وإنما هو القواعد والأحكام الأساسية التي قررها القرآن والسنة ونشأ في رحابها فقه خصب، منذ عهد الصحابة وإلى عصرنا، وهذا يعني ثروة هائلة من الأحكام الفقهية والاجتهادات والوقائع والقضايا المتنوعة، وهي ليست ملزمة لنا بقدر ما تتدعم به أدلة الشرع المحكمة نصوصاً أو قواعد، والقاعدة المقررة في هذا الشأن أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال والعرف. ومن ثم لا يجوز الحجر على أنفسنا بالالتزام بمذهب واحد ضعيف الحجة في بعض القضايا أو لا يحقق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، فلا بأس من الاستعانة بالمذاهب الأخرى، وساحة الشريعة واسعة [1]. أيضاً، فإن التشريع الإسلامي المنشود هو الذي يقوم على أساس اجتهاد عصري سليم، سواء كان اجتهادا انتقائياً أو إنشائياً، دون النظر إلى فئتين: المذهبيين المقلدين المتعصبين لمذاهبهم، الذين لا يريدون أن يحيدوا عنها، والمذهبيين الحَرْفيين الذين يشكلون الظاهرية الجديدة، وليس المقصود بالاجتهاد الجديد أن يتصدى كل من هب ودب للبحث والإفتاء، فيعملون عقولهم في النصوص لاستنباط أحكام تخدم أهواءهم وأفكارهم، فهم ينقدون الفقه ويرونه مجرد وجهة نظر تمثل رأي شخص معيّن في عصر معين، وهذا صحيح بالنظر إلى جزئيات الأقوال والآراء التي قال بها الفقهاء في أزمنة مختلفة، ولكنه غير صحيح بالنسبة لمجموع الفقه الذي يمثل ثروة تشريعية ضخمة شاركت في إنشائها وتنميتها شوامخ العقول الإسلامية ولا يعقل أن تكون هناك أمة تطرح تراثها القانوني والشرعي وراء ظهرها لتبدأ بتراث فقهي جديد، وقوانين جديدة [2]. فالتراث الفقهي الضخم لدينا يستند إلى قواعد وأسس، وليس أحكاما هلامية لا يجمعها ضوابط أو أصول، فمن العبث أن يتم التعامل مع هذا التراث بوصفه كما متوارثا يعبر عن ظروف وأحوال غير التي نحيا فيها الآن، فلابد من معرفة طرق تعامل الفقهاء مع النصوص في ضوء الوقائع المختلفة ومناهجهم في ذلك، وهي في جميع الأحوال مبنية على قواعد أصولية راسخة، تشكل الأسس الحاكمة في الاجتهاد، وقواعد هذا الاجتهاد، حتى نبني على جهودهم، ونقيس على اجتهاداتهم. وهناك قضايا تخص العبادات؛ الاجتهاد فيها محدود، ولابد من الأخذ بما فيها من أحكام فقهية مستقرة. كما لا يقبل تنحية هذا التراث العظيم عند البناء القانوني والتشريعي الجديد للأمة. وعندما بدأت النهضة الحديثة في العالم الإسلامي، لم تواكبها رؤية واضحة لقضية التراث وحركة الإحياء، وبسبب وقوع المنطقة تحت دائرة نفوذ الحضارة الغربية القوي، تولّدت تيارات فكرية معادية لحركة الإحياء، مما أنتج التناقضات في بنية المجتمع الإسلامي الحديث وأعاق نهضته الحضارية، فالحضارة تزدهر في ظل إيديولوجية واضحة توحّد حركتها باتجاه الهدف وتعطيه الحوافز الروحية اللازمة للبناء والتقدم[3]. يُذكَر هذا، لأن الفقهاء قديما كانوا يستندون إلى علم الأصول في استنباطهم للأحكام وهو يقدّم رؤية كلية متكاملة، وهذا المراد في قراءة الواقع التنموي في ضوء أسس الفروض الكفائية، وهي منطلقات ذكرها الأقدمون ورسخوها وعللوا لها، وقدموها في بناء محكم علينا أن ننطلق منه، ونستلهمه، ونقيس عليه ومن خلاله، واضعين في الحسبان كيف نظر الفقهاء والقدامى إلى قضايا الفروض الكفائية في مجتمعاتهم، والوقائع التي تعاملوا بها معهم، وما ينبغي علينا أن ننظر به في قضايا مجتمعنا، وبعبارة موجزة: التعامل الفقهي مع قضايانا المعاصرة تعني عودتنا للأصول فهما دراسة وتمحيصا. وقد أشار الشاطبي إلى أسس الدراسة الأصولية وذكر مبادئ عدة، على العالم الأصولي أن يراعيها، وعلى الفقيه أن ينطلق منها؛ فأصول الفقه تعود في دراستها وقضاياها المتناولَة إلى كليّات الشريعة في الأمور قطعية الدلالة وليست ظنية الدلالة [4]، فلو كانت ظنية لم تفدْ القطع في المطالب المختصة به، وهي تعود في ذلك إلى الأصول العقلية المتفق عليها وهي الوجوب والجواز والاستحالة، فإما تكون هذه القضايا من الأمور العادية، إذ من الأمور العادية ما هو في حكم الواجب عادةً أو جائز أو مستحيل أو تكون أمورا سمعية وأجلها المستفاد من الأخبار المتواترة في اللفظ على نحو ما معروف في هذا الشأن، ويلحق بهذه الأحكام الوقوع أو عدم الوقوع[5]. وأن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحكام العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها، وما يخرج عن هذا الأساس يؤدي إلى خلاف أو فتنة، " فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب حتى تفرقوا شيعا " [6]. وهنا نجد تركيزا على الجانب العملي أو التكليفي (العيني أو الكفائي) الذي يخص الناس، دون الخوض في أمور جدلية لا ينبني عليها عمل، ولا تفيد فردا أو مجتمعا، وإنما تؤدي إلى فتن وآثار نفسية وصراعات فردية وجماعية.[1] ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، القرضاوي، م س، ص195-196.[2] السابق، ص197 -198.[3] التراث والمعاصرة، د. أكرم ضياء العمري، سلسلة كتاب الأمة، العدد ( 10 )، ط1، 1405هـ، ص30.[4] الموافقات في أصول الشريعة، م س، ج1، ص21.[5] الموافقات..، ج1، ص25.[6] السابق، ج1، ص37.